اللوحة: الفنانة البولندية ميلا موتر
كانت الساعة تُشير إلى السابعة صباحاً من كل يوم، حين يعبر “عم أمين” زقاق الحارة الضيق. لم يكن بحاجة إلى منبه ليرتدي جلبابه الرمادي النظيف، ويحمل فوق رأسه تلك الصينية النحاسية اللامعة، المغطاة بقطع “العسلية” الذهبية المرصوفة بعناية فائقة، والمشبعة بحبات السمسم المحمصة. كان صوته الجهوري الرخيم يوقظ جدران البيوت قبل سكانها: “عسلية.. دواء السعال وحلوى الصغار.. عسلية يا حارة”.
في اليوم الثاني، وكما هي العادة، تنفس الأطفال الصعداء فور سماع ندائه. تدافعوا من أبواب البيوت والشرفات، يحملون في أيديهم الصغيرة قروشاً معدنية يدخرونها من مصروفهم اليومي. كان عم أمين لا يبيعهم الحلوى فحسب، بل يمنحهم مع كل قطعة ابتسامة دافئة، ودعوة صادقة بالتوفيق في دراستهم. كانت العسلية في أيديهم ليست مجرد سكر مكرر، بل كانت طعم البهجة التي تفتتح بها الحارة يومها.
بحلول اليوم الثالث، كان الجميع قد اعتاد على دور عم أمين غير المرئي في الحارة. لم يكن مجرد بائع عابر؛ بل كان يلاحظ غياب المريض فيسأل عنه، ويرى حزن المهموم فيواسيه بكلمة طيبة وقطعة حلوى مجانية. جلس في ذلك اليوم على دكة المقهى ليرتاح قليلاً، وتبادل أطراف الحديث مع “عم أحمد” صاحب المقهى، مؤكداً له أن البركة ليست في كثرة المال، بل في محبة الناس.
في اليوم الرابع، اشتدت الرياح وأمطرت السماء بغزارة، وظن الجميع أن بائع العسلية لن يأتي اليوم. لكن، ومع دقات السابعة، ظهر جلبابه الرمادي وسط الضباب. كانت صينيته مغطاة بمشمع بلاستيكي شفاف ليحمي بضاعته من المطر. مشى بصبر وثبات، وكأن لسان حاله يقول إن لقمة العيش لا تعترف بتقلبات الطقس، وأن أطفال الحارة ينتظرونه خلف النوافذ الباردة.
كان اليوم الخامس يوماً مشمساً وجميلاً. مرّ عم أمين كالعادة، وباع كل ما يملك من عسلية في وقت قياسي. التقط صورة باسمة مع أطفال الزقاق بهاتف أحد الشباب، وتوقف طويلاً عند بواب العمارة الكبيرة يمازحه. قبل أن يغادر الحارة عند المساء، التفت إلى الخلف، وألقى نظرة طويلة ودافئة على البيوت والدكاكين، وكأنه يودع جدراناً أحبها وأحبته.
في صباح اليوم السادس، استيقظت الحارة… لكن شيئاً ما كان مفقوداً. مرت الساعة السابعة، ثم الثامنة، ولم يسمع أحد النداء المألوف: “عسلية يا حارة”. خرج الأطفال إلى الشرفات يتلفتون يمنة ويسرة، وظن الكبار أنه ربما أصيب بوعكة صحية خفيفة تمنعه من القدوم، أو أنه تأخر في إعداد الحلوى. ساد صمت غريب في الزقاق، صمت لم تعتد عليه الحارة في هذا الوقت.
حلّ اليوم السابع، وظلّ مكان عم أمين في أول الحارة فارغاً. بدأ القلق يتسلل إلى قلوب السكان. اجتمع رجال الحارة على المقهى يتساءلون: “هل يعرف أحدكم أين يسكن عم أمين؟”، وكانت المفاجأة المحزنة أن لا أحد يعرف عنوان بيته بالتحديد؛ فقد كان يأتي دائماً من أطراف المدينة البعيدة. تحول القلق إلى شعور بالذنب، لأنهم استهلكوا وجوده اليومي دون أن يعرفوا عن حياته الشخصية شيئاً.
في اليوم الثامن، قرر شاباّن من الحارة البحث عنه. ذهبوا إلى الأسواق المجاورة ومصانع الحلوى التقليدية يسألون عن بائع عسلية عجوز يدعى أمين، يرتدي جلباباً رمادياً ويحمل صينية نحاسية. لكن الإجابات جاءت كلها مخيبة للآمال: “هناك المئات من بائعي العسلية، يا بني”. عادت الحارة في المساء يكسوها الحزن، وشعر الأطفال بأن طعم الصباح أصبح مراً بغياب حلوى عم أمين.
ومع مرور اليوم التاسع، أصبح غياب بائع العسلية هو الحديث الشاغل للحارة. تذكر الجميع مواقفه النبيلة؛ كيف كان يسامح من لا يملك ثمن الحلوى، وكيف كانت ابتسامته تبدد نكد الصباح. قام الأطفال برسم صورة افتراضية له على جدار الحارة الرئيسي، وهو يحمل صينيته النحاسية، وكتبوا تحتها: “هنا كان يمر الأمان.. اشتقنا لك يا عم أمين”.
في اليوم العاشر، تيقن الجميع أن عم أمين لن يعود مجدداً، سواء غيبه الموت أو أقعده المرض الشديد. لم يترك وراءه عنواناً أو رقم هاتف، لكنه ترك خلفه درساً عميقاً في قلوب أهل الحارة: إن الأشخاص البسطاء في حياتنا هم غالباً الأعمدة السحرية التي تحمي بهجتنا اليومية دون أن نشعر.
مرت السابعة صباحاً من اليوم العاشر، ولم يأتِ بائع العسلية.. لكن طيف جلبابه الرمادي وصوته الرخيم ظلّ حياً، يتردد صداه في زوايا الحارة مع كل شروق.
