اكتبها نخلة

اكتبها نخلة

اللوحة: الفنان الأميركي فريتز إدوين تشرتش 

​كانت الشمس تميل نحو الغروب وتسكب تبرها السائل فوق أوراق الشجر، حين جلس “مصطفى” الصغير على حافة الترعة، يقلب قطعة من الطين بين يديه الصغيرتين. كان قلبه مثقلاً بخيبة طفل لم يعتد بعد على قسوة الأيام؛ فقد ناله من رفاقه في المدرسة سخرية بسب ثوبه المرقع، وانكسرت روحه كما تنكسر عيدان القمح الجافة تحت الأقدام.
​في تلك اللحظة، مرّ الأستاذ “عبد الحميد”. لم يكن مجرد معلم للغة العربية في مدرسة القرية، بل كان شيخًا حكيمًا، يقرأ وجوه البشر كما يقرأ صفحات الكتب. وقف الأستاذ بجلبابه الصعيدي الوقور، وعيناه تلمعان بطيبة السنين، ونظر إلى الفتى وانكساره.
​جلس الأستاذ عبد الحميد بجوار مصطفى على التراب، ولم يبالِ بوقار ثيابه. وضع يده الحانية على كتف الصغير وقال بصوت يشبه خرير الماء في السواقي:
– “ما بالك يا بني؟ أراك تطأطئ رأسك للأرض، والأرض لا تحب من ينظر إليها بعين الذل. الأرض تريد من يطأها بقدم ثابتة وعين تشق السماء”.
​بكى مصطفى، وراح يحكي لمعلمه عن ضيق الحال، وعن كلمات زملائه الغارزة في صدره كالشوك، وكيف أنه يشعر بالصغر والضعف أمام الآخرين.
​أخرج الأستاذ عبد الحميد من جيبه قلمًا من البوص، وكشكولاً قديمًا كان يحمله دائمًا لتدوين خواطره. فتحه على صفحة بيضاء ناصعة، وقدم القلم لمصطفى وقال له:
– “خذ يا مصطفى، واكتب في وسط هذه الصفحة كلمة واحدة تعبر عن أمنيتك في الحياة.. كيف تريد أن يراك الناس؟”
​تردد الصغير، ثم أمسك القلم بمرارة وكتب بخط مرتعش: “أريد أن أكون عصفورًا يطير بعيدًا عن هذا الضيق”.
نظر المعلم إلى الكلمة، وابتسم ابتسامة تحمل شجنًا نبيلًا، ثم هز رأسه نفيًا.
​مسح المعلم الكلمة برفق وقال:
– “العصفور يا مصطفى يطير، نعم، ولكنه يفر مع أول ريح عاتية، ويبحث عن مأوى إذا اشتد المطر، ويموت إن غادر سماءه. لا تكن عصفورًا يسهل صيده أو طرده.. امسحها يا بني.. واكتبها نخلة”.
​نظر الفتى إلى معلمه بدهشة، ولم يفهم ما تعنيه النخلة لصبي يشتهي الأجنحة ليرحل. لكنه أطاع معلمه، وأمسك القلم وكتب بمداد أسود وثابت: “نخلة”.
​أشار الأستاذ عبد الحميد بيده نحو نخلة عجوز تشق عنان السماء على حافة الغيط، نخلة باسقة لم تنحنِ يومًا رغم السنين.
وقال بلغة تقطر شعرًا وعذوبة:
– “انظر إليها يا مصطفى.. النخلة لا تعرف الانحناء. يضربها الصبية بالحجارة، فلا ترد عليهم بمثلها، بل تسقط عليهم رطبًا جنيًا حلو المذاق. جذورها تحت الأرض تضرب في عمق الصخر تبحث عن قطرة ماء، ورأسها فوق السحاب لا تطأطئ لعاصفة”.
​تابع المعلم درسه، والفتى يستمع بكل جوارحه، وكأن كلام المعلم أنشودة ريفية دافئة:
– “الريح يا بني تأتي لتكسر الشجر الضعيف، أما النخلة فتتمايل مع الريح بكبرياء، يرقص جريدها في العاصفة وكأنه يتحدى الموت، فإذا ما انتهت الثورة، عادت النخلة أشد استقامة وأقوى عودًا. كُن كالنخلة، يطول عمرك بذكرك الطيب، ويموت من حولك الشوك وتبقى أنت شامخًا وثمرك حلو”.
​في تلك الليلة، عاد مصطفى إلى بيته البسيط، ولم تعد الكلمات الجارحة تؤذيه. كان كشكوله القديم مفتوحًا على صفحة واحدة مكتوب فيها بخط يده “نخلة”.
أدرك الصغير أن الثوب المرقع لا يعيب المرء، طالما أن النفس عزيزة، والروح سامية. تذكر كلمات الأستاذ عبد الحميد: “الشموخ لا يُشترى بالمال، بل يُصنع بالكرامة والعلم والترفع عن الصغائر”.
​دارت الأيام دورتها، ومرت سنوات طوال. مات الأستاذ عبد الحميد، وواراه تراب القرية الذي أحبه، وكبر مصطفى. غادر القرية ودرس في الجامعة، وواجه في حياته عواصف أشد قسوة من عواصف الريف؛ واجه ظلم البشر، ومكائدهم، وضغوط الحياة المعاصرة التي تحاول كسر إرادة الإنسان وجعله تابعًا ذليلاً.
​وفي كل مرة كان يشعر فيها بالضعف أو برغبة في الاستسلام، كان يفتح خزانة ذكرياته، فيبصر وجه معلمه الأسمر، ويسمع صوته الدافئ وهو يقول: “اكتبها نخلة”.
​أصبح مصطفى كاتبًا ومعلمًا يشار إليه بالبنان. لم ينحنِ لمنصب، ولم يبع قلمه بعرض من الدنيا. كان يدافع عن الحق بصلابة، ويقابل الإساءة بالإحسان، تمامًا كالنخلة التي تسقط الرطب على من يرجُمها.
​جلس يومًا في مكتبه الفخم في العاصمة، وجاءه تلميذ يشكو له من قسوة الظروف وظلم المحيطين به، فرأى مصطفى في عين التلميذ انكساره القديم على حافة الترعة.
​ابتسم مصطفى تلميذ الأمس، ومد يده إلى درجه، وأخرج قلمًا وكشكولاً، وفتحه على صفحة بيضاء، وقدمه للتلميذ الباكي وقال له بلهجة مشبعة بروح الأستاذ عبد الحميد وبعبق مصر الطيبة:
​- “خذ يا بني.. اكتب في هذه الصفحة كيف تريد للحياة أن تصهرك.. وإياك أن تطلب الانكسار أو الهروب.. امسح كل كلمات الضعف.. واكتبها نخلة.. وعِش طوال حياتك شامخًا”.
​نظر التلميذ إلى الكلمة، بينما كانت روح الأستاذ عبد الحميد تبتسم في سماء القرية البعيدة، بعد أن أثمرت البذرة نخلة جديدة لا تنحني أبدًا.

اترك رد