اللوحة: الفنان السعودي فهد خليف
(1)
تأهب
النافذة تنفتح دفعة واحدة، كأنّ يدًا خفية جرّتها من الداخل. الضوء ينسكب بارتباك، يبدو غير واضح، يمرّ على الجدار فيترك أثرًا يشبه خدشًا قديمًا. الغرفة الثالثة تتوسط البيت، بابها نصف مفتوح، يأبى الانغلاق التام؛ ملوّحاً بإيماءة مبهمة، أو نذيرٍ مرجأ.
صوت طفل يخرج من عمق ممر طويل، لا يشبه بكاءً خالصًا، أقرب إلى ترددٍ يتلمّس عتبات الوجود. الممرضة تحمله بحذر، تنظر إلى الورقة المعلّقة عند سريره، تقرأ الاسم بصمت، كأنّها تخشى أن يتبدل إن نُطق. لحظة قصيرة، وشعور عابر بأنّ الاسم لا يثبت في مكانه.
في المقهى، رجل يحرّك فنجانه ببطء. الباب يفتح ويغلق دون زبائن. الكرسي المقابل يهتزّ كأنّ شخصًا جلس ثم تراجع. صاحب المكان يلمّع الزجاج، يرى وجهًا لا يستقرّ، ملامح تتزحزح كأنّها تبحث عن تعريف.
البيت يحتفظ بصمتٍ كثيف. امرأة تقف داخل الغرفة الثالثة، تضع يدها على الجدار. ارتجافة خفيفة تمرّ في كفها. خلف الطلاء، شيء يتحرك، أو ذكرى تستيقظ. تتراجع، تترك الباب كما هو، كأنّها ترفض التدخل في لُجّة ما يولد وينبثق.
شاب يعبر الشارع مسرعًا، حقيبة صغيرة تتأرجح على كتفه. عيناه تتفقدان الخلف، كأنّ ظلًا يلحق به. عند المقهى، يتباطأ، يلتقي بنظرة الرجل الجالس؛ تماس خاطف، وإحساس بأنّ اللقاء سيتكرر في هيئة أخرى.
ليلٌ ثقيل. داخل الغرفة، ارتجاج خافت، كأنّ شيئًا سقط من مكانٍ مرتفع في الذاكرة. الباب يبقى مفتوحًا، يتنفس ببطء.
(2)
التصدّع البطيء
عشر سنوات تنزلق بلا ضجيج. المقهى يبدّل صاحبه، والطاولات تبقى كأنّها ترفض الرحيل. الفنجان المكسور يستقرّ في زاوية، لا أحد يتخلّص منه، كأنّ الكسر نفسه صار علامة.
الطفل صار شابًا. يدخل المستشفى واقفًا هذه المرة. سرير يشغله رجل غريب، ملامحه تثير قلقًا غير مفسَّر. الممرضة تمرّ قربه، تتوقف لحظة، كأنّها تلتقط صدى بعيدًا، ثم تواصل طريقها، تاركة السؤال معلقًا.
البيت يضيق. الغرفة الثالثة تبدو أقرب إلى الداخل. فتاة تدخل حاملة صندوقًا صغيرًا. تفتحه، تجد رسالة كلماتها تبدو غير واضحة، وحبرها يتردد. تقرأ سطرًا، ثم يتشظى المعنى. تعيد الورقة، تغلق الصندوق، وتترك الباب مفتوحًا، كأنّها ترفض إتمام القراءة.
عامل يقف أمام الجدار، يطرق بيده. الصدى عميق، أعمق من سماكة الحجر. يرسم علامة، يتراجع خطوة؛ ثمة إحساس بأنّ المكان يراقب.
كاتب يجلس في المقهى، يدوّن ملاحظات عن أمكنة تبتلع آثارها. يكتب عن الطاولة التي تنتظر، عن الباب الذي يتحرك دون سبب، وعن الفنجان الذي يلمع فيه كسرٌ صغير. يرفع رأسه، يلتقي بعيني الشاب؛ صمت بينهما كأنّهما يعرفان شيئًا لم يُقَل.
في المستشفى، الاسم الغريب يتكرر في سجل قديم. الشاب يراه صدفة، فيمرّ به ارتعاش، كأنّ الحروف تنتمي إليه بطريقة ملتوية.
(3)
الانكشاف المؤجل
خمسة أعوام أخرى، والبيت يتشقق. جزء منه ينهار، والغرفة الثالثة تبقى واقفة كأنّها ترفض السقوط. العامل يعود بأداة أثقل. ضربة واحدة تفتح شقًا. خلف الجدار فراغ، ثم أثر بابٍ أقدم، مطموس.
الفتاة تعود، الصندوق مكسور، والرسالة خارجه. نصفها مفقود، والنصف الآخر أشدّ إبهاماً وتمنعاً. تقرأ أسماء مبتورة، وتواريخ متداخلة. شعور بأنّ الحكاية تُروى من الخلف.
الكاتب يجمع أوراقه، يحاول وصل الخيوط. كلما اقترب، تنزلق الفكرة. يترك الجملة، كأنّها تأبى الاكتمال. المقهى يتحول إلى مرآة، كل من يمرّ يرى أثرًا لا يخصّه تمامًا.
الشاب يدخل الغرفة الثالثة. الجدار المفتوح يكشف عن مساحة ضيقة، خدوش، وحروف مبعثرة. يلمسها، فتمرّ فيه رجفة. إحساس بأنّ الاسم الذي يحمله يتحرك داخله، يبحث عن موضع آخر.
الممرضة تقلب سجلات قديمة. الاسم ذاته يظهر بصيغ متعددة. تتوقف، ترفع رأسها، كأنّها تمسك بطرف خيط طويل.
الرجل الذي كان يجلس في المقهى يعود. يلمس الفنجان المكسور، يبتسم ابتسامة باهتة وينظر حوله. الشاب، الفتاة، الكاتب؛ حضور متقاطع دون لقاء مباشر، كأنّ المكان يجمعهم بصمت.
(4)
ما يتبقّى بعد الهدم
العشرون عامًا تكتمل بضربة واحدة. الجدار الأخير ينهار، والغرفة الثالثة تنفتح بكاملها. الداخل ليس غرفة، بل طبقة كثيفة من آثار؛ أشياء رُتِّبت ثم تُركت. رسالة كاملة تظهر أخيرًا، اسم واضح، واعتراف مؤجل.
الفتاة تقرأ. الكلمات تخرج ببطء كأنّها تنفلت من زمنها. الشاب يقترب، يرى الاسم، فيدرك العلاقة؛ خيط خفي يربطه بما لم يعشه. يحمل الاسم بطريقة مختلفة، أقل ثقلًا، وأعمق سرّاً.
الممرضة تصل، تنظر إلى الورقة، تتذكر الطفل، وتتذكر الارتباك الأول؛ تدرك أن البداية كانت هنا، داخل اسمٍ لم يستقر.
الكاتب يقف بعيدًا. لا يدوّن، بل يكتفي بالمشاهدة. النص يتضح خارج الورق؛ في الوجوه، وفي الارتجاف الخفيف الذي يمرّ بينهم.
المقهى يفتح أبوابه كالمعتاد. الفنجان المكسور في مكانه، والكرسي المقابل ينتظر. لا أحد يأتي، ومع ذلك يبقى الانتظار قائمًا، كأنّه يرفض الانتهاء.
العامل يبتعد. الأنقاض تستقرّ. المفتاح يظهر بين الحجارة. الفتاة تلتقطه، تتأمله. بابٌ ما ينتظر، في مكان لم يُحدّد بعد.
البيت يتحول إلى فراغ، والغرفة تختفي من المكان، لكنها تبقى في الداخل؛ مساحة تتحرك بين الأسماء، تعيد ترتيبها، تمحو حوافها، وتتركها معلّقة بين ذاكرة وبدء جديد.
الحكاية تنغلق ظاهريًا، ثم تنفتح من جهة أخرى، كأنّها ترفض النهاية.