دول قابلة للابتلاع

دول قابلة للابتلاع

اللوحة: الفنان البولندي باول كوزنسكي

عرفت مجلة العربي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بقدرتها الفريدة على اصطحاب القارئ في رحلة شهرية إلى بلدان لم يكن يعرف عنها إلا أسماءها. كانت تنقل صور الناس، وأنماط حياتهم، وثرواتهم، وأديانهم، وأعراقهم، وتشرح التركيبة السكانية والاقتصادية لتلك البلدان، حتى بدا للقارئ أنه يسافر وهو جالس في بيته.

ومن أكثر ما لفت الانتباه في تلك التحقيقات ما تناولته عن دول جنوب شرق آسيا؛ مثل ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة وتايلاند، حيث كانت الأقليات الصينية تمثل عنصرًا اقتصاديًا بالغ القوة. وقد ارتبط هذا الوجود في بعض الفترات بمخاوف سياسية وشعبية، خاصة بعد أحداث عرقية شهدتها بعض تلك الدول، فظهر في الصحافة آنذاك مصطلح “الطابور الخامس”، تعبيرًا عن الخشية من أن تتحول أقلية تملك المال والخبرة إلى أداة ضغط إذا تعارضت مصالح الدول.

ومع مرور العقود، أثبتت الوقائع أن الصين كانت منشغلة ببناء نهضتها الاقتصادية أكثر من انشغالها بتصدير صراعاتها إلى الخارج، حتى أصبحت اليوم إحدى أكبر القوى الاقتصادية في العالم، دون أن تظهر أدلة على أنها تتبنى سياسة رسمية لتغيير التركيبة السكانية للدول الأخرى.

لكن التاريخ لا يعلمنا أن نخاف من النوايا، بل يعلمنا أن نفكر في الاحتمالات.

***

في فبراير عام 1973، دار في قاعة الشعب الكبرى في بكين حوار طريف بين ماو تسي تونغ وهنري كيسنجر. قال ماو مازحًا إن الصين لا تملك فائضًا من شيء إلا النساء، وعرض أن يرسل إلى الولايات المتحدة عشرة آلاف امرأة، ثم رفع الرقم إلى عشرة ملايين وسط ضحك الحاضرين، وأضاف أن ذلك قد يكون حلًا لمشكلة الصين السكانية، بينما رد كيسنجر بروح الدعابة بأن هذا سيخلق مشكلة أكبر في أمريكا.

كان الحوار نكتة سياسية أكثر منه اقتراحًا جادًا، لكنه يلفت الانتباه إلى فكرة تستحق التأمل؛ فالكثافة السكانية قد تتحول، في ظروف معينة، من عبء داخلي إلى عنصر قوة خارجية. وليس المهم هنا أن الصين أرادت ذلك أو لم ترده، وإنما المهم أن السياسة تعلمنا التفكير في الإمكانات قبل وقوعها، لا بعد فوات الأوان.

***

ومن هنا تبدأ الفكرة.

العالم اليوم يشهد أكبر مشروع للبنية التحتية في التاريخ الحديث؛ طريق الحرير الجديد، أو “الحزام والطريق”. مشروع يربط آسيا وأوروبا وإفريقيا بشبكة من الطرق والموانئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية والاستثمارات.

كل دولة يمر بها هذا الطريق تربح شيئًا؛ طرقًا، وموانئ، ومناطق لوجستية، وفرص عمل، واستثمارات، ومدنًا جديدة. وهذا مكسب لا يجوز التقليل من أهميته.

لكن كل مشروع بهذا الحجم يفرض سؤالًا مشروعًا: هل تنتقل الاستثمارات وحدها، أم تنتقل معها أيضًا الخبرات والعمالة والعلاقات الاجتماعية؟

ولكي يكون المقصود أوضح، فلنتخيل سيناريو افتراضيًا لا أكثر.

***

إذا أقامت دولة كبرى عشرات المناطق الصناعية في بلد صحراوي واسع يحتاج إلى الاستثمار، فمن الطبيعي أن ترسل في البداية مهندسين، ومديرين، وفنيين، وعمالًا مهرة لتشغيل هذه المشروعات. وإذا كانت المشروعات ضخمة وممتدة لعقود، فمن الطبيعي أيضًا أن يلتحق ببعض هؤلاء أزواجهم وأبناؤهم، ثم تنشأ مدارس، ومتاجر، وخدمات، وروابط اجتماعية، كما حدث مع جاليات كثيرة في أنحاء مختلفة من العالم.

في السنوات الأولى لن يلفت هذا الانتباه، لأن الجميع سيكون منشغلًا بالعائد الاقتصادي، وبتوفير فرص العمل، ودخول العملات الأجنبية، ونمو المدن الجديدة. وكل ذلك مكاسب حقيقية لا ينبغي إنكارها.

لكن التفكير الاستراتيجي لا يقف عند السنوات الأولى، بل ينظر إلى ما قد يحدث بعد ثلاثين أو أربعين عامًا.

فإذا استمر هذا الوجود في الاتساع، وأصبح يضم مئات الآلاف من المقيمين المرتبطين اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا بدولتهم الأم، فإن الدولة المضيفة قد تجد نفسها أمام واقع سكاني جديد لم يكن مطروحًا عند توقيع العقود الأولى. وليس معنى ذلك أن هؤلاء يشكلون خطرًا في حد ذاتهم، ولا أن دولتهم تخطط لذلك، وإنما يعني أن الوقائع الديموغرافية، إذا تراكمت ببطء، قد تفرض تحديات سياسية واجتماعية لم تكن في حسبان أحد.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تمتلك الدولة المضيفة من التشريعات، والرؤية، والقدرة المؤسسية ما يجعلها تستفيد من الاستثمار إلى أقصى حد، دون أن تترك التطورات السكانية والاجتماعية تسير وحدها لعقود من الزمن؟

***

إن القضية ليست صينية، ولا أمريكية، ولا روسية. بل القضية هي قابلية بعض الدول للاختراق. وللأسف، فإن المنطقة العربية، في كثير من الأحيان، تقدم نفسها نموذجًا لهذه القابلية.

إنها منطقة واسعة المساحة، غنية بالموارد، لكنها تعاني انقسامات سياسية ومذهبية، وتراجعًا في الإنتاج العلمي والصناعي، واعتمادًا متزايدًا على الخارج في التكنولوجيا والاقتصاد. وفي مثل هذه البيئات، لا يكون الخطر في نوايا الآخرين، بل في ضعف المناعة الذاتية. ولعل التجربة المصرية نفسها تقدم مثالًا على ذلك.

***

بعد انتهاء الاحتلال البريطاني، وجدت مصر نفسها مضطرة إلى توثيق علاقتها بالاتحاد السوفييتي، خاصة مع مشروع السد العالي. ومع تغير التحالفات السياسية، تمدد الفكر الاشتراكي داخل مؤسسات الدولة والإعلام والجامعات، وأصبح تيارًا واسع التأثير. لم يكن الأمر مجرد تعاون اقتصادي، بل امتد أثره إلى الثقافة والتعليم والحياة العامة.

ثم تبدلت الظروف في عهد الرئيس أنور السادات، فتغيرت التحالفات مرة أخرى. ومع الصراع مع التيار اليساري، وصعود التيارات الإسلامية، والحرب في أفغانستان، والهجرة الواسعة إلى الخليج، شهد المجتمع المصري تحولًا فكريًا ودينيًا كبيرًا استغرق سنوات طويلة، وما زالت آثاره ممتدة حتى اليوم.

***

المقصود من هذه الأمثلة ليس تقييم تلك المراحل، وإنما الإشارة إلى حقيقة بسيطة: القرارات السياسية والاقتصادية الكبرى لا تبقى محصورة في السياسة والاقتصاد، بل تمتد آثارها إلى الثقافة، والتعليم، والدين، والعلاقات الاجتماعية، بل وإلى تكوين الشخصية العامة للشعوب. فكيف إذا كانت هذه القرارات تمتد لعشرات السنين، وترتبط بمشروعات عابرة للقارات؟

من هنا يصبح من حق أي مفكر أن يسأل، وأن يحذر، وأن يتخيل السيناريوهات الممكنة، حتى وإن بدت بعيدة. فالتحذير ليس اتهامًا، والخيال ليس نبوءة. وليس المقصود من هذا المقال الزعم بأن الصين تخطط لتغيير ديمغرافية المنطقة، أو أنها تحمل مشروعًا سريًا من هذا النوع، فلا دليل على ذلك، وربما لا يخطر هذا الأمر على بالها أصلًا. وإنما المقصود أن التاريخ مليء بنتائج لم تكن مقصودة من أحد، لكنها وقعت لأن الدول لم تدرس الآثار البعيدة لقراراتها. ولو كانت الدولة الشريكة هي الولايات المتحدة أو أوروبا أو الهند أو تركيا أو غيرها، لما تغير جوهر الفكرة. فالمقال لا يناقش جنسية المستثمر، وإنما يناقش قدرة الدولة المضيفة على إدارة آثار الاستثمار الممتدة لعشرات السنين.

***

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: ماذا تريد الصين؟ أو ماذا تريد الدول القوية الأخرى؟ بل: ماذا نريد نحن؟ وهل نملك مؤسسات قادرة على تنظيم الاستثمار، وإدارة الهجرة، وحماية الهوية، والحفاظ على التوازن الديمغرافي، مهما كانت الدولة الشريكة؟

إن الدولة القوية لا تخشى الاستثمار الأجنبي، لأنها تعرف كيف تستفيد منه. أما الدولة الضعيفة، فقد تتحول الاستثمارات فيها، مع مرور الزمن، إلى وقائع جديدة يصعب تعديلها، لا بسبب سوء نية أحد، وإنما بسبب غياب الرؤية.

ولهذا فإن وظيفة الأديب أو المفكر ليست ادعاء معرفة المستقبل، وإنما لفت الانتباه إلى المسارات التي قد تقود إليه. فالسياسة تنشغل بالحاضر، والاقتصاد ينشغل بالأرقام، أما الفكر فوظيفته أن يسأل: ماذا يمكن أن يحدث بعد ثلاثين أو خمسين عامًا؟

قد يكون الجواب: لا شيء. وقد يكون الجواب: لقد كان ينبغي أن نفكر في ذلك منذ زمن.وبين هذين الاحتمالين تولد قيمة التحذير المبكر، لأنه ليس تشاؤمًا، بل أحد أشكال المسؤولية تجاه مستقبل الأوطان.

اترك رد