اللوحة: الفنان الفرنسي هنري ديلاكروا
كانت الشرفة الخشبية المتآكلة في أعالي الفندق النحيل تشبه فكًّا مفتوحًا من الحجر، يقتات على صمت الوادي. وهناك، في تلك العزلة المعلّقة، أقام كائنٌ غزل أيامه من خامات الغياب، مستعيرًا ملامحه من انطفاء الغرف المجاورة.
كان النهر الممتد أمامه تحت وطأة الغسق ليس مجرد مجرى مائي تتقاذفه الأمواج، بل كان وريدًا كونيًا أسود ينبض بهلام النور السائل، وتندلق على صفحته خطوط الشمس الآفلة كقصائد قديمة. ومن فوق سياجه المشرع على الفراغ، شعر الرجل لأول مرة بثقل الكينونة وهو يراقب رطوبة الطمي وهي تتصاعد كأنفاس مادية دافئة، واكتشف في تلك السكينة الصارمة أن في أعماق السكون حيزًا يذوب ببطء؛ حيث انسلّ شغفٌ غريب جرّد الأشياء النمطية من لمعانها، وحوّل مرآة الماء الراقدة إلى شقٍّ وجودي يمتص هشاشته ويمنحه ذاكرة بديلة خالية من وعثاء الندم القديم.
لم يعد الفراغ الممتد بين الشرفة والنهر حيزًا حياديًا، بل استحال مغناطيسًا خفيًا يجتذب مساماته، فاندفع يطوي السلالم اللولبية الملتفة حول عتمة الفندق كأنها دهليزٌ يفضي إلى باطن الأرض، تحثّه خطى متسارعة لم تكن سوى محاولة لسباق نبضه المتوثب. وحين ارتطمت قدماه برصيف الضفة، تراءى له الممر ككتاب مفتوح من الطين والضوء، وبدت الضفتان كذراعين من تراب تحتضنان جنون الموج، فيما أشجار الصفصاف بأغصانها المتهدلة كأنها كائنات صوفية تمارس طقسها الروحاني في ماء الغسق.
على طول ذلك الكورنيش، كانت تنقلات البشر تبدو كحركة ذرات في سائل كوني دافئ؛ ثنائيات تذوب ظلالها في العتمة المقبلة، وباعة يرسلون نداءاتهم كأقمار اصطناعية صغيرة تدور في فلك المكان، في حين كان صخب الأطفال عند حافة الماء يرتفع كعزف من الموسيقى البدائية، يكسرون بركضهم وطيشهم وقار النهر الساكن، ويحوّلون هذه اللحظات اليومية إلى كرنفال صاخب يعيد صياغة مفهوم الوجود في عينيه المجهدتين.
وفي غمرة ذلك الصخب الأليف، انفرط من حلقة الصغار طفلٌ غضّ الملامح، بدا كأنه منبثقٌ من زبد الماء، فتوقف أمامه فجأة وأشار بسبّابةٍ صغيرة مرتعشة نحو الأفق، مهديًا إياه كشفًا خاطفًا لسمكةٍ برقت كـشفرة من فضة وهي تقفز فوق السطح، تاركةً وراءها تموجاتٍ دائرية متداخلة جدّدت بفعلها حركة المكان قبل أن تغرق في سكونها العميق، ثم انطلق الصغير يكمل شغب خطاه ملاحقًا أسراب النوارس.
وحين التفت، وقعت عيناه على شاب في مقتبل العمر، لفحته شمس الضفاف، يقف عند عربة خشبية مركونة على حافة الرصيف ويبتاع الماء، فدفعه بريق الوعي المتجدد إلى أن يكسر عزلة صوته ويسأله بنبرة خفيضة مازحًا:
“أكانت تلك الزجاجة ماءً خالصًا يطفئ لغوب المسافات، أم عصيرًا مشبعًا بروح الفاكهة؟”
فجاءه صوت الشاب هادئًا كجريان النهر، حاملًا حكمة الذين تشرّبوا الطين، وأجابه بأنها ليست هذه ولا ذاك، بل هي حفنة من طمأنينة هذا الكورنيش جرى تقطيرها وتعبئتها لترافق الغرباء في تيههم، مشيرًا إلى أن الماء هنا يتحوّر مذاقه تبعًا لنوايا النفوس؛ فيغدو صفاءً محضًا لمن أراد السكينة، أو عذوبةً ملوّنة لمن يبحث عن صخب الحياة. وافقه الرجل بإيماءةٍ مثقلة بالفهم، مدركًا أن النهر يعيد صياغة المذاقات في الأفواه كما يعيد صياغة المعاني في الأرواح، ليودّعه الشاب بابتسامةٍ عابرة تمشي في الضباب، تاركًا إياه وحيدًا مع دهشته الجديدة.
تنحّى قليلًا عن مسار العابرين ورفع رأسه نحو الأعلى ليتأمل شرفته البعيدة، فبدت له من موقعه السحيق عند حافة الطمي كمربعٍ إسمنتي ضيق معلّقٍ في الفراغ، ثقبٌ أسود وسط جدار الفندق النحيل. بدت تلك الشرفة من هناك كبرجٍ للمراقبة الباردة، واحة محايدة يمارس فيها العابرون طقس النظر دون التورط في حقيقة الأشياء.
وفي تلك اللحظة الكاشفة، شعر بالفجوة الهائلة بين أن يعيش المرء الوجود من وراء سياج، وبين أن يغرس قدميه في طين الضفة المبلل ويتنفس الرطوبة الكونية التي تصعد من جسد النهر الحار؛ لقد بدت له غرفته الفوقية التي قبع فيها طويلًا كقشرةٍ جافة انسلخ عنها، زنزانة اختيارية تمنح وهمًا بالأمان بينما تدفق الحياة الحقيقي كان يحدث هنا، في الأسفل، حيث تتلاطم أصوات البشر وتذوب الظلال في نسيج الأرض الحي.
استدار ومضى عائدًا أدراجه نحو الفندق، يخطو على الرصيف بذات السكينة الصارمة، لكنّ صمته الخارجي كان يضجّ بحوارٍ داخلي حاد لا يكفّ عن التدفق، كأنه يدير محاكمةً سرية مع نفسه وهو يطوي المسافة صعودًا. سأل نفسه وهو يضع قدمه على أولى درجات السلالم الخشبية اللولبية عمّا إذا كان ذلك الكائن الهش الذي غادر الغرفة قبل ساعة هو نفسه الذي يعود إليها الآن، وكيف لزجاجة ماء وحديث عابر مع شاب كادح وومضة طفل يطارد النوارس أن تصنع كل هذا الشرخ في جدار عزلته المصمت!
ومع كل درجة يقطعها نحو الأعلى، كان يتساءل بتهكم عذب إن كان المرء بحاجة دائمًا إلى سياج وشرفة ليحمي كينونته من الانحلال، أم أن الأمان الحقيقي يكمن في ذلك الطمي الذي يلوّث الأقدام فيمنحها الثبات على الأرض؟
وحين فتح باب الغرفة ودلف إلى عتمتها الأليفة، مشى مباشرة نحو الشرفة ونظر إلى مقعده الخالي، ليقول لنفسه في همس أخير:
“إن النظر إلى النهر من الأعلى مجرد حيلة من حيل العابرين، أما الامتزاج به فهو الطريقة الوحيدة لكي لا نعود غرباء عن أنفسنا”.