اللوحة: الفنان المولدوفي فاسيل نيتيليا
في١٢ ديسمبر٢٠٢٠ أصبحت بسكتة دماغية
على أثرها أصبت بشلل في نصفي الأيمن
وانقطعتُ فانقطعت الدنيا عني..
منذ سنينٍ
سقط النصفُ الأيمنُ في
شللٍ نصفيٍّ
منذُ الحينِ
أُحَمِّلُ نصفي الحيَّ بأعباءِ الميِّتِ
حينَ نروح معا أو نأتي
في ذات مساءٍ رطبٍ
كنا الاثنين على كرسيٍّ واحدَ
نصفي الحيُّ يرتبُ كلَّ الأشياءِ
ويسكب ماءا باردَ في الأكوابِ
وَيَبْسَمُ للنادلِ ذاتَ غيابٍ
نصفي الميت يجلس قداميَ
وجهًا أصفرَ باردةٌ يدهُ
عيناه زجاجا يعكسُ وجهي
والجوعُ يبرِّدُ أطرافي
فأجاب الميِّتُ في صمتٍ أشبهُ بترابٍ
لا أعشق جلسة أَّي موائدَ
إني متخمُ منذ الموتِ
فمدَّ الحيُ أصابعَ راجفةَ نحو طعامي
فاللقمة يأكلها الحي
تصبح في بطن الميتِ
– نصفي –
حجرا
حتى الضحكات تصيرُ
تَسَاقَطُ ملعقةٌ
فوقَ بلاطِ الصدرِ بدونِ رنينٍ
والنادل هذا الغائب يمسحُ
بعض فتات العمرِ وَيَبْسَمُ
حينَ يجيءُ الليلُ يُصَيِّرُ نصفي الحيَّ كحَطَّابٍ
يَحْمِلُ جُثَّته
وكثيرا من خيباتٍ متيبِّسَةٍ
طرقا لنعاسٍ
أحلاما تبكي تحت خطانا
وبنفس الخرس الأعمى
نصفي الميت يُسْقِطُ رأسي
مثلُ ترابٍ باردَ فوق الرقبةْ
فأغطيهِ بصمتٍ أثقلَ
كي لا يبصرَ بعضَ كوابيسي
أتهاوى من تعبٍ
قبلَ النومِ
يمدُّ يداهُ الباردتين لكي
يَتَأَكَّدَ أني أحمله
والصبحُ يقشرُ عينَ الأشياءِ
أنام فتغمرني أسئلةٌ
من منا يحلم للأخرِ
وعند شروق الشمسُ أقوم
وأخلع نصفي الميِّتَ
ثم أعلقه فوق الحائطِ
لأصير خفيفا
بجناحين أطيرُ
إلى شجرٍ لا يعرفني
أقف الساعاتَ على غصن هشٍّ
يأخذني فرحٌ
لا أحدَ الآن يطالبني أن أحملَ شيئا
والشمس تصب على كفي عسلا
أشربه
عَلِّي أَشْفَى من ليل وأغلَ
يا شمسا مشرقةً
ثَمَّ عصافيرٌ لا تسألني
وتغني الآن معي
لحنا منسيا
أضحكُ حين تصيرُ الريحُ قميصا أوسعَ
ثُمَّ أساقط ما علقت على الحائطِ
قد يَسَّاقطُ خوفٌ من صدري
حتى أشعرُ أني نصفٌ كاملُ فوقَ
الأشجارِ وحرٌّ
أتمنى نوما لا أحملني فيه
لا يُبْقِي ظهري جسرا
وسريرا من غيمٍ
يحتاج إلى كتفٍ تسند ضعفي
وتكفُّ الكفَّ الباردةُ الليلة عن إمساك يدي
وأنا أغرق في نومي
آهٍ يا نصفي الصامِتَ
جرب أن تسقط وحدك حرا ووحيدا
قد تنجو
وتطيرُ
فقد أتعبني كوني بجناحٍ أوحدَ آهٍ
يا هذا لو تتكلمْ
صمتك أثقل من حملكَ فاصْنَعْ شيئا وَابْكي
فالصامت أصدق من يبكي
كم أتمنى أن تسرق خبزي
أو فنجانَ القهوة
أو شيئا من هذا
دعني لأراك تُفَضِّلَ شيئا
هذا الشبعُ الباردُ يفضحُ موتي
أتمنى أن تتركني أو تغضبَ
فالغضبُ الحقُ حياةٌ
أو تنهض عن مائدتي وتغادر
او نَرْجِعَ وَاحِدَ
أتعبني أن أحمل نعشك وحدي
يقفُل بابَ الصمتِ عليَّ
ويطلق في روعي
لا تتمنى إلا ما خطت كفُّ قضائك في لوحكَ
إني الخوفُ من الآتي والأمنُ معا
فتشبث بي
كي لا تَبْتَلِعَ الوحدةُ ما يَتَبَقَّى منك
امْسِكْ يدكَ الآن فلا تَتَفَلَّتْ
إني أفرش للحب طريقا
وأنا وتد الخيمةِ
لو تخلعني ستدور بك الريحُ
ولا تتمنى أن أتكلم إني
صمت سنينٍ
لو نطقَ انكسرت ذاتك
لا تتمني أن أبعثَ
لو قمت الآن ستعرف أنك أنت الميتُ
لا أحتاج بأن أحيا
نم واحملني
فكلانا يعرف أن لا نومَ بغير أناكَ
وظهرٍ محنيٍّ بي
لا يمكنني أن أسقط إلاك معي
يا هذا
لي أحبابٌ ورفاقٌ
قد صاروا كضجيجٍ من أيام العافية الأولى؟
كم كنت محبا لرفاقي كم
وإذا خانت قدمٌ يمشي قلبي
فعلى أية حالٍ شكرا لرفاقٍ كسروني
شكرا لبعادٍ رممني
شكرا لخيانة سيدةٍ كانت تَتَنَفَّسَنِي
شكرا لامرأةٍ طيبةٍ لا تفرق نصفاً عن نصفٍ
وترى رجلا واحدَ
يجلس عند المائدة الأولى
ويداه من الرعشة فوق الكوب تئنُّ
ولا تدري أني كنت أقسم خبزا بيني وشريكي
في الليل ترى موتي وحياتي بيدٍ واحدَ
ثم تنام بصبر يكفي لحياتين
لواحدةٍ تَتَحَرّقُ شوقا لحياةٍ
وحياةٌ أخرى برَّدَهَا الموتُ
ولكن حين نعانقها
نحن الاثنان نصير بها جسدا واحد أكثر دفئا
حين يرش المَيِّتُ بي وجعي
تتفلتُ كفي من كف الرحمة عمدا
لتنام بدون ضجيجٍ
وأظل أُقَسِّمُ ليلي
بين القلب الوارفِ عشقا
وحياتي.

نص رائع حقيقي