اللوحة: الفنان الغاني أليكس منساه
إن البحث عن حقيقة أغنية قديمة في دهاليز الموسيقى العربية، يشبه تماما السير في «شارع الضباب» تظن أنك تملك الحقيقة كاملة، فإذ بقطرة حبر من مذكرات قديمة، أو وثيقة مطبوعة على اسطوانة «جراموفون» عتيقة، تقلب الطاولة، وتحول مسار البحث من النقيض إلى النقيض!
ولعل واحدة من أكثر الحكايات طرافة وتعقيدا وتخبطا في الأرشيف الغنائي، هي قصة تلك التحفة الموسيقية التي تاهت بين بيروت والقاهرة، بين حنجرة «جارة القمر» السيدة فيروز، وصوت «العندليب الأسمر» عبد الحليم حافظ.
إنها حكاية الأغنية التي ولدت بلبنانية رقيقة لتنتهي بعامية مصرية حالمة: أغنية «ضي القناديل».
- المتاهة البحثية.. عندما يصبح الأرشيف خصمك
قبل أن نلج إلى كواليس القصة، دعونا نتأمل معضلة الباحث الموسيقي.. إذا فتحت الإنترنت اليوم، أو استمعت إلى برامج إذاعية عربية شتى، ستجد طوفانا من المعلومات المتضاربة التي تُساق بثقة مفرطة:
• فريق يجزم بأن فيروز وعبد الحليم وقفا معا وسجلا «دويتو» سويا اسمه «شارع الضباب».
• فريق ثانٍ يصر على أن الأغنية كتبها شاعر لبناني آخر ضاعت حقوقه الفكرية هو «هنري زغيب» ومَصّر كلماتها الشاعر المصري «أحمد شفيق كامل» وفي رواية أخرى «حسين السيد».
• فريق ثالث يخلط بين أغنية لفيلم سينمائي قديم وأغنية عاطفية مستقلة، و«هلم جرا».
هذا التخبط ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج «الفبركات الرقمية» الحديثة التي دمجت صوتهما تقنيا، ونتاج غياب التوثيق الدقيق في ستينيات القرن الماضي، وربما لغياب أي تعليقات أو لقاءات فنية لفيروز والرحبانية، حيث كانت الاتفاقات الفنية تعقد على طاولات المقاهي وفي الصالونات الثقافية دون عقود مسجلة في لحظتها. لكن، حين نلجأ إلى أهل الذكر، وتحديدا إلى قلم الإعلامي جورج إبراهيم الخوري (رئيس تحرير مجلة الشبكة والكاتم الأكبر لأسرار تلك الحقبة) في كتابه عن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، تبدأ خيوط الضباب في الانقشاع لتظهر الحقيقة ناصعة.
- كواليس طريفة
بدأت القصة في ستينيات القرن الماضي، عندما كان موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب يبحث عن تعاون فني يدخله إلى الحصن الرحباني، فقد كان معجبا بصوت فيروز حد الفتنة، ويريد أن يضع بصمته المصرية على هذا الصوت الساحر.
التقى عبد الوهاب بالأخوين رحباني (عاصي ومنصور)، وقدموا له نصا شعريا كُتب بلغة بيضاء (لبنانية يفهمها المصريون) تحت عنوان «شارع الضباب». طار عبد الوهاب بالكلمات، ووضع لها لحنا عبقريا يجمع بين تطريبه الكلاسيكي وحداثة الأوركسترا الغربية.
- لكن، هنا بدأت العقدة الطريفة
كان الأخوان رحباني يفرضان ما يشبه الحماية الصارمة على صوت فيروز. كانا يخشيان أن يقوم عبد الوهاب بـ «تمصير» فيروز، أو إخراجها من قالب الأغنية اللبنانية القصيرة السريعة إلى عالم الآهات والتقاسيم الشرقية الطويلة.
لم يقل الرحابنة لـعبد الوهاب «لا» بشكل مباشر، فمن يجرؤ على قول «لا» لموسيقار الأجيال؟، بل تم استخدام الدبلوماسية اللبنانية الناعمة: «اللحن بديع يا أستاذ، لكنه لا يتناسب تماماً مع المساحات والميكانيزم الصوتي الذي اعتاد عليه جمهور فيروز في هذه المرحلة». واعتذرت السيدة فيروز بلطف، وبقي اللحن يتيما يبحث عن حنجرة تصدح به.
- من الضباب إلى القناديل.. العندليب ينقذ الموقف!
في تلك الأثناء، كان العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ متواجدا في بيروت التي كانت بمثابة الرئة الثقافية للعالم العربي، وعبر لقاءات الصداقة التي جمعته بالصحفي جورج إبراهيم الخوري والرحابنة، علم عبد الحليم بأن هناك لحنا وهابيا رحبانيا قد رُفض من قِبل فيروز.. لم يتردد حليم، الذي كان صيادا ماهرا للروائع. التقط الفكرة فوراً وقال: «أنا من سيغني هذا العمل».
ولأن كلمات «شارع الضباب» بصيغتها الأصلية كانت تحتاج إلى لمسة تناسب الهوية الغنائية لعبد الحليم وشوارع القاهرة الدافئة، فقد جرى اتفاق «جنتلمان» بمباركة الأخوين رحباني، وتمت إعادة صياغة المفردات، وضُبطت البوصلة اللغوية لتتحول الأغنية من برودة الشتاء في «شارع الضباب» إلى دفء الليالي المصرية تحت «ضي القناديل».
ورغم هذا التعديل، ظلت الأغنية تحمل الختم الرسمي الفريد والتاريخي على أسطوانات شركة صوت الفن: كلمات: الأخوين رحباني، ألحان: محمد عبد الوهاب، غناء: عبد الحليم حافظ. وهو التعاون الوحيد والمعلن الذي يجمع حليم بالرحابنة.
والجدير بالذكر أن تعاون عبد الحليم مع الرحابنة بدأ وانتهى مع ضي القناديل. ورغم الصداقة الكبيرة والاحترام المتبادل، فإن السيادة الفنية المطلقة للأخوين رحباني على نتاجهما لصالح فيروز، والنجومية الطاغية لعبد الحليم في مصر، جعلت من الصعب تكرار التجربة، لتظل تلك الأغنية الوهابية – الرحبانية حدثا استثنائيا فريدا في تاريخ الطرب العربي.
- مفارقة فنية أخيرة
الطريف في الأمر، أن الأذن الموسيقية اللماحة حين تستمع لأغنية ضي القناديل اليوم، ستلحظ فورا تلك الروح الرحبانية الهاربة في التوزيع؛ فمقدمة الأغنية واستخدام الآلات الوترية وآلة البزق بطريقة معينة يعطيانك إيحاء تاما بأنك تسير في ضواحي بيروت، قبل أن يتدخل صوت عبد الحليم الحنون ليعيدك إلى قلب القاهرة.
في النهاية، تظل حكاية هذه الأغنية درساً بليغا لكل باحث فني: لا تصدق كل ما تسمعه في الإذاعات، ولا تبصم على كل ما يُنشر في الفضاء الرقمي، فخلف كل «قنديل» مضيء حكاية تاهت يوماً في «شارع الضباب»
