اللوحة: الفنان الفرنسي أونوريه دومييه
كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحاً، وكان المجهر الإلكتروني يعكس ظلالاً زرقاء على وجه الدكتور عاصم. أمامه، كانت تقبع قنينة زجاجية صغيرة تحتوي على “المصل X-7“. خمس سنوات من الأبحاث حول مرض السرطان كانت على وشك أن تذهب أدراج الرياح، لأن منظمة الصحة العالمية والجهات الرقابية تطلب سبع سنوات أخرى من التجارب السريرية على الحيوانات.
”سبع سنوات؟” همس عاصم بسخرية. “في سبع سنوات سيموت الملايين. العالم بحاجة إلى منقذ، والمنقذ لا ينتظر إذن البيروقراطيين”. جهّز حقيبته وأخذ القنينة، وقرر أن يبدأ غداً، ليس في المختبر، بل في أزقة المدينة الأكثر ظلاماً.
في حي “عشش الملح”، حيث لا يسأل أحد عن وثائق أو تراخيص طبية، افتتح عاصم عيادته المجانية. بالنسبة للناس، كان هو “طبيب الرحمة” الذي يعالج بالمجان. أما بالنسبة له، فكانت تلك العيادة المسرح المثالي للتجارب.
كان يفحص المرضى بدقة متناهية، يختار أولئك الذين نهش المرض أجسادهم بالفعل، وأصبحوا على بعد خطوة واحدة من الموت. لم يكن بحاجة إلى موافقات مكتوبة؛ فنظرة الأمل في عيونهم كانت تكفي ليدفع بإبرته الملعونة داخل أورامهم.
كانت المريضة الأولى تُدعى سعاد، امرأة في الخمسين من عمرها مصابة بسرطان الرئة في مرحلته الأخيرة. حقنها عاصم بجرعة كاملة من المصل. راقب السائل وهو يغلي داخل المحقنة وشعر بقشعريرة، مزيج من الخوف والنشوة.
لم ينم في تلك الليلة. ظل جالساً بجانب سريرها في الغرفة الرطبة، يراقب نبضها، ويهمس لنفسه: “من يمت يمت، ومن يعش يعش… المهم أن تولد الحقيقة”.
لم تنجُ سعاد. في الصباح التالي، انتفض جسدها بالتشنجات وتوقفت رئتاها تماماً؛ لقد هاجم المصل الجهاز العصبي بدلاً من الورم. وقف عاصم ينظر إلى الجثة ببرود مرعب.
لم يشعر بالذنب. أخرج دفتره الأسود وكتب:
الجرعة الأولى: فشل. السبب: نسبة الكربونات مرتفعة جداً. يجب تعديل التركيبة وتقليل النسبة بمقدار 15%. الضحايا مجرد أرقام في معادلة الشفاء العالمي.
لم يكن دفن سعاد مشكلة؛ ففي الأحياء الفقيرة يُدفن الموتى في صمت ودون تشريح للجثث. واصل عاصم خطته، فحقن المصل للمريض الثاني، ثم الثالث، فالرابع.
تحولت عيادته إلى محرقة صامتة. مات ثلاثة مرضى آخرين في غضون أسبوعين؛ أحدهم نزف من عينيه، وآخر توقف قلبه فجأة. كان عاصم يراقب الموت كما يراقب عالمٌ تفاعلاً كيميائياً في أنبوب اختبار، معدلاً التركيبة مع كل جسد يُسلم إلى التراب.
وفي المحاولة السابعة، حدث ما كان ينتظره. كريم، شاب في العشرين من عمره مصاب بمرض سرطان الدم (اللوكيميا). بعد ثلاثة أيام من حقنه بالتركيبة المعدلة، تراجعت الخلايا السرطانية بنسبة 80%.
كاد عاصم يجن من الفرح. عانق الشاب الذي نهض على قدميه وبدأ يمشي. صرخ عاصم في العيادة الفارغة: “أنا عبقري! لقد صنعت العلاج!”. كان الالتفاف على القانون هو الخيار الصحيح، فالمنظمات الصحية ليست سوى عقبة في طريق التقدم.
لكن الفرحة لم تدم طويلاً. في اليوم الخامس، عاد كريم إلى العيادة، لكنه لم يكن يعاني من السرطان هذه المرة؛ لقد دمر المصل كليتيه تماماً، وبدأ جلده يتسلخ ويتساقط.
نظر كريم إلى عاصم بعينين يملؤهما الرعب: “ماذا فعلت بي يا دكتور؟”.
أدرك عاصم أن الدواء يقتل المرض، لكنه يدمر الجسد أيضاً. وقف هناك متردداً: هل ينقذه أم يتركه يموت ليرى إلى أي مدى سيصل مفعول المصل؟ اختار الخيار الثاني؛ ترك كريم يموت ببطء ليسجل ملاحظاته.
بدأت الشائعات تدور حول عيادة الدكتور عاصم: “كل من يدخل هناك لا يعود أبداً”. بدأ الخوف يتسلل إلى قلوب سكان الحي. وفي الوقت نفسه، بدأت الكوابيس تطارد عاصم؛ فكانت وجوه سعاد وكريم والآخرين تظهر له في ظلام الليل.
لكنه كان يهز رأسه طارداً الخوف: “التاريخ لا يتذكر الضحايا، التاريخ يتذكر فقط اسم الطبيب الذي هزم السرطان”.
داهمت الشرطة ومفتشو الصحة العيادة بعد بلاغ من مساعد انتابته الشكوك بسبب كثرة الوفيات. دخلوا ووجدوا عاصم محاطاً بقنينات المصل، ودفتره الأسود، وأمامه جثة الضحية الأخيرة التي كانت لا تزال دافئة.
واجهه المحقق قائلاً: “أنت مجرم، لقد قتلت أبرياء لتجرب سمومك عليهم!”.
رد عاصم بضحكة هستيرية: “لقد قتلت سبعة، لكني أنقذت البشرية! انظر إلى أبحاثي، الدواء جاهز بنسبة 90%! لولا تجاربي السريعة لكنتم انتظرتم سنوات ومات الملايين!”.
في زنزانته الانفرادية، يجلس الدكتور عاصم ببدلته التي تحولت من الأبيض إلى الأزرق. لم يعد يملك مختبرات، لكنه يملك قطعة صغيرة من الفحم يكتب بها على جدار الزنزانة تركيبته الكيميائية النهائية.
لقد خسر حريته، وسمعته، وإنسانيته، لكنه ينظر إلى الجدار بابتسامة نصر مريضة، واثقاً من أن العالم سيبحث يوماً ما بين ملاحظاته ويستخدم دواءه، ناسياً بحر الدماء الذي كان عليه أن يعبره ليصنع هذا الشفاء.
