مهزلة التحكيم في مونديال 2026 ضد المنتخبات العربية.. سقطات العدالة ووجع الانتماء

مهزلة التحكيم في مونديال 2026 ضد المنتخبات العربية.. سقطات العدالة ووجع الانتماء

اللوحة: الفنان اللبناني شوقي دلال

​إن رياضة كرة القدم، في جوهرها، ليست مجرد تنافس بدني أو صراع على اقتناص الأهداف، بل هي ميثاق شرف عالمي، وقاعدة أخلاقية تقوم على التكافؤ والنزاهة. وعندما يغيب هذا الركن الأساسي، وتصبح قرارات التحكيم هي الفاعل الأوحد في تحديد مصائر المباريات، تتحول هذه اللعبة من وسيلة لجمع الشعوب إلى ميدان للاحتجاج والشعور بالظلم الممنهج. إن ما شهدناه في مونديال 2026 من قرارات تحكيمية متخبطة أضرت بالمنتخبات العربية، لم يكن مجرد أخطاء بشرية عابرة، بل كان مشهداً مؤلماً كشف عن فجوة عميقة بين روح الرياضة وبين أدوات تنفيذها.

​لقد تجلت قمة هذا الانحياز في مباراة المنتخب المصري أمام نظيره الأرجنتيني؛ تلك المواجهة التي قدم فيها “الهرم الفرعوني” درساً في الروح القتالية والصلابة الدفاعية، لتتحطم كل هذه الجهود على صخرة حكمٍ لم يكتفِ بالتغاضي عن ركلات جزاء واضحة وضوح الشمس للمنتخب المصري، بل بدا في قراراته المريبة وكأنه يمارس دوراً موجهاً لعرقلة المسار المصري. إن احتسابه لقرارات عكسية في أوقات حاسمة، مع تعمده تجاهل تقنية الفيديو في حالات تستوجب المراجعة الدقيقة، عزز في نفوس الجماهير القناعة بوجود تواطؤ تحكيمي فاضح، حول المباراة من منافسة شريفة على العشب إلى محاولةٍ واضحة لسحب بساط التأهل من تحت أقدام المنتخب الذي أثبت أحقيته بالميدان، مما جعل هذا اللقاء وصمة في جبين نزاهة البطولة.

​لقد تابعت الجماهير العربية بقلوب واجمة تلك اللحظات الحاسمة التي كانت تقف فيها منتخباتنا على أعتاب إنجازات تاريخية، لتأتي صافرة حكم أو إشارة من تقنية الفيديو لتئد تلك الأحلام وتغتال الفرحة في مهدها. إن الانحياز الضمني قد وضع المنتخبات العربية في خانة الأطراف المغلوبة على أمرها، حيث يغدو الجهد البدني المبذول طوال تسعين دقيقة عرضة للضياع بسبب قرار ارتجالي يفتقر إلى الرؤية الشاملة أو الإنصاف في التقدير.

​إن مرارة الشعور بالظلم تكمن في كون هذه المنتخبات العربية قد قدمت مستويات فنية رفيعة، إلا أن لغة الأرقام والنتائج ظلت محبوسة في زنزانة التحكيم. إن كرة القدم عندما تفقد عدالتها، فإنها تفقد بريقها، وتصبح عرضة للشكوك التي تنهش في مصداقية الحدث الكروي الأكبر في العالم. إن التبريرات التي تُساق بعد كل مباراة، باتت لا تسمن ولا تغني من جوع أمام حجم الخذلان الذي تشعر به الجماهير التي رأت بأم أعينها تكرار سيناريوهات الإجحاف في مواقف متشابهة.

​إن الأثر النفسي والاجتماعي لهذه المهزلة التحكيمية يتجاوز حدود المستطيل الأخضر؛ فالمشجع العربي الذي ينتظر هذا المحفل الدولي بلهفة، يجد نفسه أمام حالة من الغليان العاطفي، ليس فقط بسبب الخسارة، بل بسبب الشعور بأن قوانين اللعبة تُفصل لخدمة أطراف دون أخرى. إن هذا الاحتقان هو نتيجة طبيعية عندما يرى الإنسان أن ما بذله من تعب وشغف وروح قتالية يُهدر بقرار لا يمكن مراجعته.

​ختاماً، إن كرة القدم التي لا تعترف بجهد المجتهد، ولا تنصف من بذل الغالي والنفيس، هي كرة قدم تبتعد عن جوهر التنافس الشريف. إن مطالبة الجماهير العربية بـ”العدالة” ليست مجرد صرخة احتجاج، بل هي نداء لاستعادة هيبة الرياضة التي تقوم على أساس أن الجميع متساوون أمام القانون والصافرة. إن مونديال 2026 سيظل في ذاكرة الشعوب العربية، ليس فقط لما حققته المنتخبات من أداء، بل لتلك الصور القاتمة لقرارات التحكيم التي كانت شاهدة على لحظات من القهر الكروي.

اترك رد