اللوحة: الفنانة السعودية مريم المفلح
كان المؤذن، الشيخ منصور، يدرك جيدًا أن الأشياء لا تموت عندما تسقط، بل عندما تُنسى.
في زاوية منسية من حارة قديمة بالقدس، حيث تتشابك البيوت الطينية كأيدي العجائز، كان مسجد “الأنوار” يرتفع بكبرياء، بمئذنته الخشبية التي قاومت الرطوبة والرياح لعقود. لم يكن مجرد بناء من الحجر الملحي والجير، بل كان الرئة التي نتنفس بها التاريخ.
ومع ذلك، في ذلك الصباح الخريفي، لاحظ الشيخ منصور شيئًا غير مألوف. شرخ رفيع، يشبه خيط عنكبوت أسود، يزحف ببطء من قاعدة المحراب نحو الأعلى، متسلقًا القبة. لم يكن مجرد تصدع في جدار، بل كان العلامة الأولى لتصدع الذاكرة الجماعية للحي، الذي بدأت تلتهمه ناطحات السحاب الخرسانية المحيطة به كوحوش صامتة.
في اليوم التالي، استيقظ أهل الحي على جلبة غير معتادة. عند مدخل الزقاق المؤدي إلى المسجد، وقفت سيارة سوداء فاخرة، هبط منها رجل يرتدي حلة داكنة بلون الأسفلت نفسه.
ودون أن يلقي نظرة واحدة على المارة، وبحركات باردة وآلية، علق لوحة معدنية لامعة على الجدار الخارجي للمسجد. كُتب عليها بخط كبير وجاف:
“عقار مميز للبيع – يصلح لإقامة مركز تجاري أو برج سكني. للمراجعة: الشركة الحديثة للمقاولات.”
خيم الصمت على الزقاق كلوح من الرصاص. “مسجد للبيع؟!” همس العم إبراهيم، بائع الشاي، بينما كانت حبيبات السكر تتسلل من بين أصابعه المرتجفة. كيف يمكن بيع ما لا يملكه أحد سوى السماء؟
لم يتفاجأ الشيخ منصور، فقد كان يعلم أن الأرض من حولهم قد سُوّيت وبُيعت قطعة تلو الأخرى. تحولت بيوت الجيران القدامى إلى أنقاض، ثم إلى مراكز تجارية براقة تبيع الضوء والوهم.
وقف منصور أمام اللوحة، وبأصابعه المتعبة التي تفوح منها رائحة المسك والزعتر، لمس الحروف المعدنية الباردة، وقال في نفسه:
”يريدون بيع الظل الذي يحمينا من هجير الحياة. لكنهم لا يعلمون أن الأرواح التي صلت هنا قد تركت جلودها على الحصائر.”
قرر الشيخ ألا يستسلم للغضب. دخل المسجد وتوجه نحو التصدع الذي اتسع قليلًا في المحراب. وبدلًا من أن يسده بالأسمنت الرمادي عديم الملامح، أخرج علبة صغيرة كان يحتفظ بها بعناية: تحتوي على مسحوق ناعم من الذهب الخالص، جُمِع من بقايا رقائق الذهب التي كانت تُستخدم قديمًا لترميم مصاحف المخطوطات الأثرية.
وفي مكتبه الفاخر بالطابق الأربعين، كان المستثمر الشاب “شريف” يتأمل المخططات الهندسية. بالنسبة له، لم يكن مسجد “الأنوار” سوى “نقطة عمياء” في مشروعه العملاق، مربع صغير يشوه تناسق الأبراج الزجاجية.
قال لمساعده بنبرة حاسمة:
”لقد اشترينا الأرض من ورثة الوقف عبر ثغرة قانونية قديمة. البناء آيل للسقوط، وستصدر البلدية أمر الهدم قريبًا. اتركوا اللوحة، ودعوا الناس يعتادون الفكرة.”
لم يكن شريف يرى في المسجد سوى بضعة أمتار من الأرض تساوي ملايين الدولارات. لم يكن يعلم أن هناك أشياء في هذا الكون إذا هُدمت، تزلزلت الأرض تحت أقدام هادميها.
كان الشيخ منصور يؤمن بفلسفة قديمة تشبه الفن الياباني “الكينتسوغي” (Kintsugi): الفن الذي يرمم الخزف المكسور بالذهب السائل، محولًا الشقوق والكسور إلى مواطن للجمال والقوة بدلًا من إخفائها.
قضى الشيخ ليلته بأكملها يمزج غبار الذهب براتنج طبيعي، منحنيًا على الشرخ الذي يشق المحراب. كان يملأ الفجوات بدقة متناهية، كأنه يضمد جرحًا ينزف في جسد صديق عزيز.
ومع كل لمسة ذهبية، كان يهمس بآيات مقدسة. كانت الليلة ساكنة، لكن جدران المسجد كانت ترتعش متناغمة مع دقات قلبه. هذا التصدع، الذي كان نذير شؤم في السابق، تحول بفضل الذهب إلى نهر من الضوء يتدفق في قلب المحراب الأبيض الناصع.
في اليوم المحدد للمزاد العلني على أرض المسجد، حدث أمر سريالي تمامًا. تجمع سماسرة العقارات والفضوليون في الساحة المقابلة.
وما إن بدأ الدلال ينادي بسعر البدء، حتى هبت ريح مفاجئة، ريح دافئة تفوح برائحة الياسمين البري، رغم أن الوقت كان نهاية الخريف. وللغرابة، بدا أن حركة الشمس في السماء قد توقفت!
تجمّد ظل المئذنة على الأرض، رافضًا تتبع مسار الزمن. حاول المهندسون قياس المساحة، لكن أجهزة الليزر الحديثة الخاصة بهم كانت تعطي قراءات عشوائية ومتناقضة، مظهرة على شاشاتها عبارة واحدة:
“المساحة: ما لا نهاية.”
دب الذعر بين الحاضرين، وتراجع الكثير من المشترين، خوفًا من “لعنة” غامضة تحمي المكان.
انفض الجميع، تاركين شريف، المستثمر الشاب، وحيدًا في الساحة. وبدافع من فضول ممتزج بالغرور، تحركت خطواته ودخل المسجد للمرة الأولى.
عندما وطئت قدماه العتبة الخشبية، لم يجد الظلمة التي توقعها، بل وجد متسعًا مهيبًا يغمره ضوء دافئ ينبعث من المحراب. اقترب بخطوات مترددة ورأى الشرخ المرمم بالذهب، كأنه صاعقة تجمدت في السماء.
في تلك اللحظة، لم يسمع صمتًا، بل تداخلت أصوات تهمس في أذنيه:
ضحكات الأطفال وهم يلعبون في الفناء قبل عقود.
دعاء عجوز بكت هناك ذات ليلة، متبتلة لشفاء ولدها.
ترتيل شجي لآيات الأمل والرحمة، تلاها مؤذنون رحلوا عن الدنيا، لكن أصداء أصواتهم ظلت حبيسة الخشب المعشق.
شعر شريف برعشة غريبة تسري في أوصاله، وبدأ قلبه ينبض بعنف لم يعهده من قبل.
لم يستطع شريف النوم في تلك الليلة. كان مستلقيًا في شقته الفاخرة المطلة على المدينة، لكن الكوابيس كانت تؤرقه. حلم بأن الأبراج الزجاجية التي بناها تنهار كقصور من ورق، بينما يظل المسجد الصغير قائمًا، يشع منه ذلك النهر الذهبي ليرمم شقوق المدينة بأكملها.
استيقظ غارقًا في عرقه، ونظر إلى يديه، شاعرًا بالخزي من مجرد فكرة هدم مكان كان شاهدًا على تضرع القلوب ودموعها.
على الجانب الآخر، كان الشيخ منصور يقضي ليلته الأخيرة في المسجد، متكئًا على عمود خشبي، يتأمل الضوء الذهبي الذي صنعه بيديه في المحراب. كان يعلم أن الجرافات قد تصل غدًا، لكنه كان يشعر بسلام داخلي استثنائي: فقد صان العهد وجمل الجراح حتى اللحظة الأخيرة.
في الصباح، وصلت الجرافات في موعدها. وتجمع أهل الحي بقيادة الشيخ منصور، مشكلين بأجسادهم العارية درعًا بشريًا أمام الآليات الثقيلة.
وفجأة، وصلت سيارة شريف. ترجل منها وتبدو على وجهه علامات واضحة للتعب والتحول العميق. وقف أمام سائق الجرافة وصرخ بصوت حازم أدهش الجميع:
“توقفوا! ألغوا الهدم فورًا!”
التفت نحو الشيخ منصور وأهل الحي، وأخرج من حقيبته وثيقة رسمية. وقال، والدموع تترقرق في عينيه للمرة الأولى في حياته:
”لقد اشتريت المسجد من الشركة بمالي الخاص… وجعلته وقفًا أبديًا لا يباع ولا يشترى. هذا المكان ليس عقارًا، بل هو روح هذه المدينة.”
انتهت المعركة، ونجا المسجد.
تراجعت الجرافات كحيوانات مهزومة، وعاد الهدوء ليتنفس بين أزقة الحي القديم. أُزيلت لافتة “مسجد للبيع” وصُهرت ليُصنع منها هلال ذهبي جديد يزين قمة المئذنة الخشبية.
اليوم، إذا زرت حي القدس القديم، ستجد مسجدًا صغيرًا تحيط به الخرسانة، كإطار داكن للوحة مضيئة. وعندما تدخل، سيأسر نظرك ذلك الشرخ في المحراب، وهو يلمع كالشمس بفضل عروق الذهب.
لقد علمنا الشيخ منصور وشريف أن الشقوق التي تصيب أرواحنا وبيوتنا ليست النهاية، بل هي المساحة التي ينفذ منها الضوء… وأن الأشياء المقدسة لا يمكن أن تثمن بثمن، لأنها ببساطة، ليست للبيع.
