طقوس يومية

طقوس يومية

اللوحة: الفنان البرازيلي ماركوس جينوزا

​في تمام الساعة السادسة صباحاً، يستيقظ “عادل” دون الحاجة إلى منبه. ليس لأنه رجل منظّم يقدس الوقت، بل لأن الفوضى في عقله تصدر صخباً أشد من أي إنذار.

​يمد يده نحو الطاولة المجاورة للسرير ويرتدي نظارته الطبية ذات الإطار الأسود الأنيق. عادل في الخمسينيات من عمره، يعمل مهندساً معمارياً؛ يصمم المدن بدقة هوسية. تحكم مساطره الزوايا القائمة والمُنفرجة، ولا يتسامح في مخططاته مع خطأ يتجاوز المليمتر الواحد. ومع ذلك، فهو يعيش في حياته الخاصة داخل شقة يغمرها التشتت: أوراق مبعثرة على الأرض، وساعة حائط متوقفة منذ عامين عند الثالثة والنصف، لا يهتم إطلاقاً بإصلاحها.

​يضع قدميه على السجادة الصوفية ليمارس طقسه الأول:

يحضّر القهوة متبعاً إجراءً كيميائياً صارماً؛ معلقتان من البني، ونصف معلقة من السكر، مراقباً الغليان بحذر مهندس هيدروليكي. لكنه ما إن يسكبها في الفنجان، حتى يضيف إليها ثلاث مكعبات من الثلج! قهوة ساخنة يبرّدها عمداً حتى تفقد حرارتها، تماماً كما يفعل مع كل مشاعره.

​يقف أمام المرآة ليحلق لحيته، مستغرقاً عشرين دقيقة كاملة لتشذيب كل حافة منها بدقة. ثم بعد اعتنائه البالغ بمظهر وجهه مباشرة، يرتدي قميصاً مجعداً وجوارب غير متطابقة الألوان، قبل أن يخرج إلى الشارع.

​يمشي عادل في الشارع وهو يعدّ بلاط الرصيف، متجنباً بصيانة عجيبة التعدي على الشقوق. وفي الوقت نفسه، يلقي بأعقاب السجائر على الأرض دون أي احترام، رغم أنه يجمع كل صباح القمامة من أمام باب شقته ليلقيها بنفسه في الحاوية.

​يُعرف في مكتبه الهندسي بـ “قاضي التفاصيل”؛ إذ لا يتحمل أي خطأ في تنفيذ المشاريع.

​قال يوماً لمتدرب شاب:

​”الهندسة المعمارية هي النظام الذي ينقذ العالم من الانهيار”.

​غير أن ما لا يعلمه أحد، هو أن عادل يحتفظ في الدرج المغلق لمكتبه بدفتر سرّي. لا يرسم فيه مبانيَ متناسقة، بل هو ماهر في تجسيد الشقوق في الجدران، والأنقاض، والمباني في اللحظة الدقيقة لاندثارها. يشيّد للآخرين في النهار، ويهدم العالم على الورق في المساء.

​في الظهيرة، يتصل بوالدته المسنة للاطمئنان على صحتها بنبرة مفعمة بالحنّو والاهتمام. لكن بمجرد أن يغلق الخط، تصله نغمة إشعار: إنه نص من ابنته الوحيدة، التي تحاول منذ سنوات ترميم العلاقة بينهما بعد طلاقه من أمها. يقرأ عادل الرسالة ثم يمسحها، دون أن يجيب.

​كان رجلاً رقيقاً إلى أقصى حد مع من لا ينتظرون منه شيئاً، وقاسياً كالجليد مع من يستجدون قربه.

​عاش عادل على هذا المنوال لسنوات: تناقضات متشابكة في هيئة “طقوس يومية” تمنحه شعوراً زائفا بالأمان.

​غير أنه في يوم الثلاثاء المطير، حدث ما لم يكن في الحسبان. بينما كان يراجع مشروع برج سكني ضخم في وسط المدينة، اكتشف خطأً جسيماً في الحسابات الإنشائية للأساسات. خطأ لم يلاحظه أحد غيره. لو بلّغ عنه، لتوقفت الأعمال، ولَفُتح تحقيق مع زملائه، وقد يفقد هو نفسه مكافأة نهاية الخدمة التي ينتظرها منذ عمر. ولو سكت، فسيظل المبنى قائماً لسنوات… قبل أن ينهار حتماً.

​وقف أمام المخطط. التناقض هذه المرة يتجاوز القهوة المثلجة أو الجوارب غير المتطابقة؛ إنها المفاضلة بين “المهندس الصارم” الذي يقدس النظام، و”الرجل الفوضوي” الذي يتعايش مع التداعي.

​عاد إلى بيته في تلك الليلة. لم يطبخ وجبته الصحية، ولم يضع الثلج في القهوة. جلس في الظلام، محدقاً في الساعة المتوقفة عند الثالثة والنصف. ولأول مرة منذ سنوات، لم يمارس أيًا من طقوسه. جلس يصغي إلى الصمت، واكتشف أن عاداته لم تكن سوى سور شيده حول نفسه كي لا يواجه ألمه الحقيقي: الخوف من الفشل، الخوف من القرب، والخوف من أن يكون هو نفسه المبنى المقدر له الانهيار.

​في الصباح التالي، لم ينتظر الساعة السادسة. استيقظ في الخامسة والربع.

​ارتدى هذه المرة قميصاً مكوياً بعناية وجوارب متناسقة. شرب قهوته ساخنة كما هي، متذوقاً مرارتها لأول مرة.

​ذهب إلى المكتب وقدم تقريراً مفصلاً يبرز الخطأ الهيكلي، موصياً بالوقف الفوري للأعمال ومتحملاً كافة التبعات المهنية والمالية.

​وفي الظهيرة، وبدلاً من رسم المباني الخربة في دفتره السري، أخرجه من الدرج وألقاه في سلة المهملات. ثم أمسك بهاتفه، وفتح المحادثة مع ابنته، وكتب لها بظفر المرتجف ولكن بثبات:

​”سامحيني على كل هذا التأخير… هل يمكننا أن نشرب القهوة معاً اليوم؟”

​خرج عادل إلى الشارع. مشى دون أن يعدّ البلاط، ودون أن يبالي إن كانت الشقوق مشدودة أم لا. لقد انتهت الطقوس التي كانت تحميه من الحياة، وحان الوقت أخيراً… ليبدأ في العيش.

اترك رد