اللوحة: الفنان الفرنسي جان بول بيكر
(لماذا يصر البعض على أن الكاكا فاكهة، بينما هي، في الواقع، مجرد طماطم مصابة بالاكتئاب)
- مقدمة: الشق الذي ليس فاصلاً تماماً
في هذا الكون الفسيح، المليء بالألغاز التي لا تهم أحداً سوى الفلاسفة العاطلين، توجد منطقة غامضة، شق فاصل، ليس فاصلاً تماماً، بل هو أقرب إلى خط رفيع من الغراء الذي لا يثبت شيئاً. هذه المنطقة هي ما نسميه “الشق الفاصل”. لا تبحثوا عنه في خرائط غوغل، فهو ليس موقعاً جغرافياً، بل هو حالة ذهنية، مساحة لا يجرؤ أحد على دخولها سوى أولئك الذين يملكون وقتاً فائضاً، وإصراراً غريباً على التمييز بين شيئين يبدوان، لأي شخص عاقل، متطابقين تماماً.
هذا المقال ليس محاولة لشرح “الشق الفاصل” من منظور فلسفي، أو أي من تلك الكلمات التي تبدأ بـ “ف”. نحن هنا لنتحدث عن الأشياء الحقيقية، عن التفاصيل اليومية السخيفة التي تجعلنا نتجادل مع البائع في سوق الخضار حول ما إذا كان الموز الذي يبيعه “مستورداً” أم “محلياً”، بينما الحقيقة هي أن كليهما مجرد موز، وكلاهما سيسودّ إذا تركته على الطاولة ليومين.
- الفصل الأول: في البدء، كان هناك الخيار والقثاء
دعونا نبدأ بأساسيات “الشق الفاصل”: الخيار والقثاء. شيئان، من الناحية البصرية، يختلفان فقط في أن أحدهما كان يعاني من فرط الحركة والآخر من الخمول. أحدهما أنيق، والآخر… حسناً، الآخر هو القثاء. ومع ذلك، يصر البعض على أن “الخيار” هو ملك السلطة، بينما “القثاء” هو مجرد قريبة ريفية فقيرة لا تليق إلا ببعض الأطباق الشعبية. هذا هو الشق الفاصل بعينه: خلق فوارق لا تزيد عن أن تكون فرقاً بين خيار طويل وخيار أطول.
هذا الشق يظهر في كل مكان. هل سبق لكم أن حاولتم التمييز بين “الفلافل” و “الطعمية”؟ نعم، نحن نعلم أن أحدهما مصنوع من الفول والآخر من الحمص، ولكن دعونا نكون صادقين: عند خروجهما من الزيت المغلي، كليهما مجرد قرص بني مقرمش يتسبب في حرقة المعدة. ومع ذلك، هناك من يصر على أن الفلافل هي “الفن” بينما الطعمية هي مجرد “غداء”. هذا هو سحر الشق الفاصل: تحويل الفول إلى فلسفة.
- الفصل الثاني: سيكولوجية الشق الفاصل
(كيف نخدع أنفسنا بأن الفول المقشور أطيب)
لماذا نصر على خلق هذه الفوارق؟ الإجابة بسيطة: لأنها تجعلنا نشعر بالذكاء. عندما نذهب إلى السوبر ماركت ونختار “الحليب قليل الدسم” بدلاً من “كامل الدسم”، نحن لا نقوم بخيار صحي، بل نحن نشارك في “احتمالات الشق الفاصل”. نحن نقنع أنفسنا بأن هذا النقص الطفيف في الدهون يمثل فرقاً جذرياً في “لايف ستايل” حياتنا، بينما الحقيقة هي أننا، في النهاية، نشرب الحليب نفسه، وسنظل، جميعاً، نشعر بالذنب بعد تناول قطعة الحلوى.
هذه السيكولوجية تمتد إلى كل شيء. هل سبق لكم أن رأيتم شخصاً يصر على أن “البطاطس المقلية” هي غير “البطاطا المقلية”؟ الأول يراها غربية و”كول”، بينما الثاني يراها عربية و”دسمة”. هذا هو الشق الفاصل في أوج تألقه: تحويل البطاطس إلى رمز ثقافي.
- الفصل الثالث: تطبيقات عملية للشق الفاصل في الحياة اليومية
(لماذا لا نثق بالدجاج “البلدي”)
لننتقل إلى التطبيقات العملية لـ “الشق الفاصل” في سوق السلع. لنأخذ، على سبيل المثال، التمييز بين “الدجاج البلدي” و “الدجاج الأبيض” (دجاج المزارع). البائع يقنعك بأن “البلدي” تربى على “الحب والحنان” في حديقة جدته، بينما “الأبيض” تم تسمينه بالهرمونات. هذا هو الشق الفاصل: تحويل الدجاج إلى “كلاسات”. الحقيقة هي أن الدجاج البلدي غالباً ما يكون مجرد دجاج أبيض نجا من المزرعة، أو، الأسوأ من ذلك، دجاج أبيض تم صبغه ليصبح “بلدياً”. نحن ندفع ضعف الثمن مقابل وهم “الشق الفاصل”.
وماذا عن “الكاكا”؟ تلك الفاكهة التي يصر البعض على أنها “فاكهة الملوك”، بينما هي، في الواقع، مجرد طماطم مصابة بالاكتئاب. البائع يضعها في زاوية معزولة، ويبيعها بسعر باهظ، فقط لأنها تشارك في “احتمالات الشق الفاصل”. هي فاكهة، نعم، ولكنها فاكهة تجعلك تتساءل عن معنى الحياة بعد أول قضمة.
- الفصل الرابع: الشق الفاصل في عالم التكنولوجيا
(لماذا لا نزال نشتري “آيفون” جديداً كل عام)
حتى التكنولوجيا لم تسلم من “الشق الفاصل”. لنأخذ “آيفون 13” و “آيفون 14”. آبل تبيعنا إياهما كشيئين مختلفين تماماً، بينما الحقيقة هي أنهما يتشاركان كل شيء تقريباً، بما في ذلك نفس الكابل الذي لا يتوافق مع أي جهاز آخر. هذا هو “الشق الفاصل” التكنولوجي: خلق وهم “الجديد” عن طريق تغيير مكان الكاميرا بمقدار مليمتر واحد. نحن لا نشتري تكنولوجيا، بل نشتري “احتمالاً” جديداً للشق الفاصل.
- الفصل الخامس: الشق الفاصل الأكبر: “السمك” و “الحوت”
ربما يكون الشق الفاصل الأكبر والأكثر رسوخاً في عقولنا هو التمييز بين “السمك” و”الحوت”. نحن نعلم أن أحدهما كائن برمائي والآخر كائن مائي، وأن أحدهما يتنفس من الخياشيم والآخر من الرئة. ومع ذلك، في مطاعم السمك، كليهما يصبح “غداء”. هذا هو الشق الفاصل في قمته: التمييز بين شيئين على أساس علمي، فقط لنعود ونلغي هذا التمييز على أساس المعدة.
- الفصل السادس: الشق الفاصل في اللغة
(لماذا لا نقول “مؤتمر” بل “اجتماع”)
حتى اللغة تشارك في “الشق الفاصل”. لماذا نقول “مؤتمر” في الفندق و”اجتماع” في المكتب؟ لأن “المؤتمر” يعطي انطباعاً بالأهمية، بينما “الاجتماع” يعطي انطباعاً بالعمل. الحقيقة هي أن كليهما مجرد فرصة لتناول القهوة المجانية، ومشاهدة عرض “بور بوينت” ممل، وتأجيل القرارات إلى “الاجتماع” القادم. هذا هو “الشق الفاصل” اللغوي: خلق فوارق بين الكلمات لتغطية عدم وجود فوارق في الواقع.
- الفصل السابع: الشق الفاصل الأخير: “الكاكا” مرة أخرى
لا يمكننا الحديث عن “الشق الفاصل” دون العودة إلى “الكاكا”. إنها، في النهاية، القيمة الرمزية لهذا المفهوم. هي موجودة، ولكنها غير موجودة. هي فاكهة، ولكنها ليست فاكهة تماماً. هي طماطم، ولكنها ليست طماطم تماماً. هي… حسناً، هي مجرد كاكا. هذا هو “الشق الفاصل” الأخير: التوقف عن البحث عن فوارق، وقبول الأشياء كما هي، حتى لو كانت مجرد طماطم مصابة بالاكتئاب.
- الخاتمة: العيش بسلام مع الشق الفاصل
في النهاية، “الشق الفاصل” هو مجرد خط رفيع بين ما هو حقيقي وما هو وهمي، بين ما هو خيار وما هو مجرد قثاء. نحن لا نحتاج إلى الدخول في هذا الشق، أو حتى فهمه. كل ما نحتاجه هو أن نضحك عليه. أن نضحك على أنفسنا لأننا نصر على أن الفول المقشور أطيب، وأن الموز المستورد أفضل، وأن الكاكا هي فاكهة الملوك. العيش بسلام مع “الشق الفاصل” هو قبول حقيقة أن معظم الفوارق الدقيقة بين الأشياء المتشابهة هي مجرد طريقة أخرى لنقول لأنفسنا: “نحن متميزون”.
ألا ترون أن الشق الفاصل هو منطقة غموض مريحة، تتيح لنا التمييز بين شيئين متطابقين تماماً، فقط لنشعر بالذكاء، بينما الحقيقة هي أن كليهما سيسودّ إذا تركته على الطاولة ليومين.
