اللوحة: الفنان التايواني مايكل فينسنت مانالو
أجرُّ المسافةَ
من شقٍّ في جيبِ الهواء.
كلُّ خطوةٍ
تنسى قدمًا، وتستعيرُ ظلَّ حجر.
النافذةُ لا تنظر.
إنها تؤجِّلُ بصرَها
كي يبقى الضوءُ غريبًا عن نفسه.
أُراقبُ الملامحَ
وهي تسقطُ عن أصحابِها.
الأفقُ يطوي خريطةَ المدى،
والظلُّ ينثني كغصنٍ يابس.
أمّا المدى
فيشرَبُ الظلَّ بطيئًا
حتى يصيرَ العَطَشُ لغةً.
في أعلى السقف
تتكاثرُ فراشاتُ الغبار.
كلُّ فراشةٍ
تحملُ سقوطًا أبيض.
ولا أحد يفهمُ
كيف يمكنُ للبياضِ
أن يتركَ رمادًا.
أجرّبُ
أن أكونَ الخطأَ
الذي صحّحه الفراغ.
لكنَّ الفراغَ كان مشغولًا
بترميمِ ثقوبِ الصمت.
الصمتُ يخلعُ حنجرتَه
كلَّ مساء،
ويعلّقها على وتدِ المطر.
الليلُ
يصقلُ أسنانَ النجوم،
ثم يعضُّ السماء.
فتسيلُ طيورٌ
لا تعرفُ كيف تُغنّي.
كلُّ أغنيةٍ
تحتاجُ إلى هاويةٍ،
كي تتذكّرَ
أن الصوتَ كان حجرًا
قبل أن يصبحَ هواءً.
أضعُ رأسي
على كتفِ الغيم.
فيستيقظُ البحرُ
تحتَ جفنِ الريح.
الموجةُ تستعيرُ
ريشَ سمكة.
والسمكةُ تبدّلُ ماءَها
بهواءٍ مؤقّت.
في رئةِ الماء،
لا شيء يصلُ إلى نفسه.
حتى الأشجارُ تعودُ
كلَّ ربيعٍ غريبةً
عن أخشابها.
الأوراقُ
رسائلُ الريح
بعد أن نسيت عنوانَ العاصفة.
أحملُ نافذةً في جيبي.
كلّما فتحتُها خرجَ بيتٌ
يبحثُ عن جدار.
الجدارُ يبحثُ عن شرخ.
والشرخُ يبحثُ عن صوتٍ لا يُنطق.
أقفُ قليلًا.
فتعبرُني مدينةٌ
من زجاجٍ لا يكسرُه إلّا الهمس.
أسمعُ العتمةَ تخيطُ ثقوبَ النهار
بإبرةٍ مصنوعةٍ من رائحةِ التفاح.
والتفاحُ يتذكّرُ شجرةً لم تولد.
كلُّ ولادةٍ بابٌ
أضاعَ أيَّ جهةٍ كانت أمًّا.
كلُّ موتٍ مرآةٌ
تتعلّمُ أن تمحو الوجه.
أكتبُ حرفًا، فيكبرُ إلى سلّم.
ثم يصعدُ عليه
الفراغُ كي يقطفَ
ثمرةَ السقوط.
هناك، حيثُ
تتبادلُ الألوانُ جلودَها،
ويستعيرُ الأزرقُ نبضَ الطين،
ويستعيرُ الطينُ شفافيةَ الغيم.
أعرفُ أن اللغةَ ليست بيتًا؛
إنها الريحُ
حين تخلعُ أثرَها وتمضي.
وأن القصيدةَ ليست كلامًا،
بل نافذةً تجرّبُ أن تفتحَ
الذي لا بابَ له.
أتركُ الكلماتِ تمشي عاريةً
من خُطاها،
كي لا تسمعَ الأرضُ
خطواتِ المعنى،
وكي يبقى الزجاجُ
نائمًا
في عينِ الضوء…
ولا أحد يوقظه.