​منعطفات

​منعطفات

اللوحة: الفنانة الإنكليزية سارة آن ميتشل

محمد محمود غدية

​نشيد الصباح يبهج روحي، ويسعد ذاتي، ويسمو بي؛ نترنم به في طابور الصباح، وفي طريق العودة. وعند مرسى النهر نقف لنأكل “حمص الشام” المغمور بالشطة والليمون، لا نحمل هماً؛ فالآباء والأمهات على رؤوسنا فيض غناء وعطاء.

​حتى ضرب المرض العضال والدة صديقي – توأم روحي – فتبدل الحال؛ باع الأب كل ما يملك ليشتري لزوجته لحظات سلامة، لكن الموت كان لها بالمرصاد. ذات يوم لم أجد صديقي ولا والده في شقتهما المجاورة، فتح لي الساكن الجديد الذي ابتاع الشقة، سألته عن عنوانهما الجديد، فقال: “لا أعرف، اشتريتها بالعفش والأجهزة”؛ لذا لم نسمع ضجيج انتقال العفش ولا خبر غيابهما. بكيت بحرقة، وانتابني الحزن.

​تَمُرُّ الأيام والسنوات، وأنا أرفض السفر البعيد؛ فلا حاجة لي بالمال، فقد ورثت عن والدي محل عطارة يدر أرباحاً طيبة، خاصة وقد تزوجت ممن أحببت؛ تلك التي عيناها مجرة أنبتت العشب في سمائي، وقدرتُ رفضها الزواج من غيري، رغم أن الكثيرين تنافسوا على حبها.

​في لحظة ما نكون أقرب إلى النهاية، فيهدينا القدر نسمة عابرة تعيد إلينا البهجة، فنولد من جديد. مع ولادة ولدي، أسميته باسم صديقي الذي لم يفارق الوجدان والعقل، وأبداً لا أنساه. ذات صباح رأيته وقد غزا الشيب جانبي رأسه، يحمل الكثير من الأثقال والهموم؛ عرفت منه أنه جاء خصيصاً لأجلي كي يراني. ترى، هل كان شوقه يماثل شوقي له؟

​حكى عن رحلة الشقاء، وكيف كان ووالده يفترشان الأرصفة في ليالٍ قارصة. أبكاني حين علمت بموت والده؛ كم كان طيباً ونبيلاً! وكيف اضطرا لبيع الشقة والأثاث سداداً للديون. طلبت منه أن يشاركني في تجارة العطارة؛ هو في الإدارة، وأنا في سفرياتي وتوزيع الجملة في سائر المدن والمحافظات. ابتعْتُ له شقة في الجوار، وأثثتها، واتسعت تجارتي.

​في واحدة من لحظات الصفاء، وأثناء احتساء الشاي، قال من بين دموعه: “كيف لم أنتبه لعبارة جلال الدين الرومي: هروبك مما يؤلمك سيؤلمك أكثر؛ تألم حتى تشفى!”.

سألته: “هل شفيت؟”

أجاب: “نعم، حين التقيتك”.

اترك رد