قصص.. للكاتبة الفرنسية آني إرنو

قصص.. للكاتبة الفرنسية آني إرنو

اللوحة: الفنان الألماني فيليب فرانك

ترجمة: صالح الرزوق

في تلك السنة تصادف وقت العودة إلى المدرسة مع نهاية عطلة عيد الفصح في نهاية شهر نيسان. لذلك ارتفعت حرارة القاعات الدراسية عمليا بفعل أشعة الشمس. في الساعة الحادية عشرة والنصف أنشدنا ترنيمة “افرحي يا ملكة السماء، هللويا” بأعلى أصواتنا، والشوق يغمرنا للركض أسفل السلالم لاستنشاق الهواء النقي. أصبح بإمكاننا أخيرا ارتداء تنوراتنا الصيفية، والتنافس في لعبة “حجرة وكرة” أو “الحجلة” مجددا. قريبا سيحل “شهر مريم”، وسنتلو آية من المسبحة الوردية في الهواء الطلق، داخل كهف تغطيه أوراق النباتات، أمام تمثال العذراء. احتفال صغير قبل الصعود إلى الطوابق العليا لبدء الدراسة. 

غالباً ما كانت بداية الموسم الدراسي بعد عيد الفصح هي الوقت الذي تختاره العائلات لإلحاق الفتيات الصغيرات بالمدرسة، وإرسالهن إلى صف الروضة المسائي برعاية “الآنسة غودي”. كانت تطلب الأمهات العاملات من فتاة أكبر سنا في الحي أن تسدي إليهن معروف مرافقة بناتهن، ولا سيما إذا كان لديهن في البيت عدد كبير من الصغار ويتوجب رعايتهم، لأن هذا يجعل مرافقة البنات بغاية الصعوبة. وأحيانا يطلبن ذلك من عدة فتيات، لكن الأفضل الاعتماد على فتاة واحدة؛ فالفتيات يعبثن عندما يجتمعن، وهكذا تقع الحوادث بسرعة. 

كانت “ماري بول”، الأكبر بين أربعة أولاد، في الخامسة من عمرها. عندما أحضرتها والدتها إلى المطبخ قرابة الساعة الواحدة، كانت ترتدي معطفا بنيا بكمين واسعين، على الرغم من روعة الطقس. بالحال تذكرت معطفا ارتديته لعدة سنوات، اشتراه لي والداي بمقاس كبير جدا ليدوم فترة طويلة. 

كان شعر “ماري – بول” مستقيما وأشقر، وتسريحته قصيرة مع شكالة على أحد الجانبين، وكانت تحمل حقيبة مدرسية صغيرة بإحكام. قبضت على يدها، وانطلقنا إلى المدرسة ونظرات الآباء ترعانا. 

بدا والدي فخورا لأنني أصبحت أنا أيضا فتاة صغيرة مسؤولة؛ فعندما ذهبت إلى المدرسة لأول مرة، كانت هناك طالبة أكبر سنا، وهي ابنة ميكانيكي، وكانت ترافقني في الطريق إلى هناك. كان أعلى رأسي بمحاذاة الحقيبة المنتفخة التي تضعها الفتاة تحت ذراعها. غير أنها كانت في نهاية اليوم تفضل العودة برفقة فتاة أخرى بمثل سنها، لتتبادلا الكلام معا همسا وهما تضحكان. 

استمرت هذه المشكلة حتى اليوم الأخير من المدرسة، ثم وزعت الجوائز. وبحلول اللاحق باع الميكانيكي ورشته، فتولى والداي مرافقتي إلى المدرسة بالتناوب. كنت في الصف الخامس فقط، ولم يكن هناك ما يدعو “ماري-بول” للخوف مني. كانت تنظر إلى الأمام مباشرة وهي تسير. وعندما نظرت إلى الأسفل، رأيت مفرق شعرها وقد غطته قشرة الرأس بلون داكن. سألتها الكثير من الأسئلة، لكنها كانت تكتفي بإيماءة من رأسها. وتعني نعم أو لا، وتتابع النظر إلى الأمام مباشرة، بقسوة وتوتر. قلت لها: “هل أكل القط لسانك؟”.

عند وصولنا إلى المدرسة، قدتها سريعا إلى “الآنسة غودي” وركضت لألعب لعبة “حجرة وكرة”.  وعندما ذهبت لمرافقتها في نهاية اليوم، كانت في الفناء تنتظرني على المقعد مع الفتيات الصغيرات الأخريات، ويدها على حقيبتها المدرسية المرتكزة بشكل عمودي على ركبتيها. اندفعت نحوي، ومدت يدها الأخرى الفارغة بثقة. سألتها عما فعلته في الصف، لكن بدا أنها لا تتذكر. رسومات. أرادت والدتها معرفة ما إذا كانت قد أطاعتني على نحو جيد، ولم أذكر أي شكوى. كانت تصل في ساعة إذاعة نشرة الأخبار، بعد الغداء مباشرة، بمعطفها المزرر وحقيبتها المدرسية. فتعطيها والدتي تفاحة، أو بعض الرقائق الهشة، أو بقايا الحلوى. فتقول شكراً، وتضيف كلمة “سيدتي” باحترام. وكانت والدتي تقول بتعجب: “يا لها من طفلة ذات أخلاق عالية!”، لأن عائلة “ماري-بول” لم تكن من النوع الذي يتبع هذه التقاليد، وينفقون دائماً فوق طاقتهم، على العكس منا تماما. وكنا نمر في طريق الذهاب من “شارع الجمهورية” لأتمكن من ملازمة صديقة من صفي في آخر مائة متر، ثم من “شارع روجيه – سالينغرو” في طريق العودة. 

كان “شهر مريم” قد بدأ، وكان صوت رئيسة الدير الضعيف يترنم بهدوء: “السلام عليك يا مريم، يا صاحبة النعم”، وترد التلميذات بصوت واحد: “يا قديسة مريم، يا والدة الله”. وأحيانا كان يعلو ضحك الفتيات اللواتي يقرصن أو يداعبن بعضهن بعضا. لم يكن لأحد في صف الروضة الحق بمثل هذا اللهو. وفي الساعة الواحدة والنصف، كنت أترك “ماري-بول” في باحة المدرسة دون أن أفكر بها ثانية حتى نهاية اليوم. 

كان “شارع روجيه -سالينغرو” هادئا، نصف مهجور، تحده جدران المستودعات والخلفيات الصماء للمنازل التي تبرز واجهاتها فوق الشارع الموازي، وهو “شارع الجمهورية”. لم يكن هناك سوى مقهى أغلق للتو بسبب “فضيحة جنسية رديئة”، وعيادة طبيب أسنان. ولتعبر “ماري – بول” عن فرحتها بالعودة إلى المنزل تسير بخطوات سريعة وحازمة. ولم تكن تتحدث إلا نادرا، حتى عندما كنت أداعبها قليلا. لم تكن جلستها تسليني، وكانت تمنعني من الاستغراق في أحلام اليقظة، وهو ما اعتدت عليه أثناء العودة إلى المنزل من المدرسة. 

لا أعرف كيف أو في أي يوم بدأ كل هذا، لكني أتذكر المكان: أمام المقهى الذي لوثت نوافذه بمادة بيضاء جعلت من المستحيل رؤية ما في داخلها. ربما استخدمت نغمة صوت مختلفة وأنا أبدأ، تماما كما تفعل المعلمة. ولكن، على عكس المعلمة، لم أحذرها من أنني سأروي لها قصصا. لم يكن الأمر ممتعا إلا إذا صدقت “ماري – بول” كل ما أقوله. ألهمني المقهى المهجور أن أتخيل فتاة صغيرة تموت جوعا بداخله، وقد احتجزها اللصوص وهي تبكي بدون توقف. كانت هذه هي المرة الأولى التي أكشف فيها عن أحلام يقظتي بصوت مرتفع، وقد رفع ذلك من اندفاعي. وتابعتني “ماري – بول” على الفور، كأنها تنتظر ذلك. حتى أنها وجهت لي الكثير من الأسئلة: لماذا هذا، ولماذا ذاك، مرارا وتكرارا. أكثر ما أعجبني هو أنني كنت أتمكن من إقناعها بأي شيء. كل ما كان علي فعله هو الإشارة إلى أشياء في الشارع، أو أشخاص نمر بهم في طريقنا، ثم أباشر بالاختراع. اكتشفت هذه الطريقة بشكل طبيعي. كنت أستمتع كثيرا، وكانت نزهات عودتنا إلى المنزل شديدة الحيوية. وفي إحدى الليالي، أخبرني والدي أنه شاهدنا، وقال: “كنت تبدين مثل معلمة مدرسة صغيرة!”. 

بعد فترة ضجرت من تكرار نفس الشخصيات طيلة الوقت، ولاحظت أن ماري- بول عادت لترتدي تلك الملامح التي تميز طفلة عنيدة لا تفكر إلا بالعودة إلى منزل أمها. كان يبدو عليها نوع من الانكسار، حتى وهي تضحك. لم أتمكن قط من إقناعها بخلع معطفها – كانت تكتفي بفك أزراره فقط – وقالت إن أمها ساعدتها على ارتدائه هكذا قبل أن تغادر المنزل. كان ربيعا حارا. وفي أحد الأيام اخترعت قصة امرأة ذات شعر أسود وأظافر طويلة جدا تكمن لنا خلف المقهى مباشرة؛ خاطفة أطفال. كانت تأخذ الأطفال من أيديهم وتقودهم بعيدا إلى مكان بعيد، فلا يرى الآباء بناتهم بعد ذلك على الإطلاق. 

صمتت ماري- بول، ثم شعرت بخطواتها تتباطأ. تحول وجهها إلى اللون الأرجواني، وبدأت في الصراخ. كان صراخا عاليا، وقويا، وطويلا وبلا نهاية، صراخا لم أتخيل أبدا أن يخرج من حنجرة طفلة صغيرة بهذا الحجم. شدت ذراعي بكل قوتها، فأفلتها قسرا. وبدأت تتدحرج على الأرض فوق حقيبتها المدرسية. جاهدت لأرفعها، لكنها تلوت وسقطت مجددا. وفي تلك اللحظة، رأيت أنها بللت سروالها. أخرجت منديلها من جيبها، ومسحت وجهها، وأجبرتها على تنظيف أنفها، ثم قبلتها. وعندما وصلنا إلى منزلها، لم يكن هناك أي أثر لما حدث.

إذا سلكت “شارع الجمهورية” في طريق العودة إلى المنزل في اليوم التالي، بدلا من “شارع سالينغرو”، لانتهت القصة عند هذا الحد. لكن تغيير مسارنا لم يكن أمرا واردا. مشينا بهدوء كل منا تحمل حقيبتها المدرسية، كما لو أن اليوم السابق لا يختلف عن أي يوم غيره. ومع ذلك لم نفكر إلا في تلك اللحظة التي سأتذكر فيها المرأة ذات الشعر الأسود، خاطفة الأطفال التي تترصدنا خلف النوافذ البيض للمقهى. لم يتطلب الأمر مني غير جملة واحدة لتنهمر الدموع، تماما كما حدث في اليوم السابق، ولأبدأ بالدق على الأرض بالقدمين. وهكذا استمر الأمر في جميع بقية الأيام الدراسية. 

في طريق الذهاب، كنا نتقدم في “شارع الجمهورية”، دون أن نتمكن من القيام بأي شيء لأنني كنت ألتقي بتلك الصديقة. وعلى أية حال تابعنا روتيننا؛ وتوجب علينا ادخار الأمر لما بعد المدرسة، حيث أمكننا أن نأخذ وقتنا. لم أكن أفكر بالأمر بتاتا في النهار؛ وكنت ألعب “حجر وكرة” وأستمع بانتباه إلى دروس القواعد والرياضيات. وعندما يدق الجرس أسرع إلى الكهف لأحتل مكانا جيدا على طول الجدار الأخضر الذي يمتد لأعلى نحو السماء. كنا كأننا في مهد نراقب السحب، وأصوات الصلوات تتردد بنبرة عالية. وفي الساعة الرابعة والنصف أساعد ماري-بول في القفز من المقعد ثم ننطلق ويدها بيدي؛ أنا كإنسانة بريئة، وهي كإنسانة مصابة بفقدان الذاكرة. وكانت تبدو، بشعرها المسترسل ومعطفها البني، مثل القديسة برناديت. بالطبع لم تنفرد خاطفة الأطفال بالشارع لفترة طويلة. فقد ظهر أيضا الدب الفظ “كروكونوك”، والرجل حامل سكين الجزار، عند زاوية “شارع سالينغرو”. ولتجنب الوقوع في فخهما، اقترحت على ماري-بول أن تبقي رأسها مطأطأ للأسفل، وأن تمشي على أطراف أصابعها، والأهم من ذلك، ألا تبكي. وكانت تلك إشارة لتنخرط بالبكاء والعويل. ثم تنهار على الأرض وترفض السير خطوة أخرى. فأمسح عينيها، وأقبلها، وبعد ذلك يمكننا المضي قدما بهدوء. 

لم أكن خائفة من أن تشكوني لوالدتها؛ وشعرت أن الأمر سر بيننا. فماذا عساها تقول؟ أنا لم أضربها ولم أقرصها، وكنت أحرسها بعناية عندما نعبر الشارع. وكانت تبكي بسبب الخوف من أشخاص لا وجود لهم؛ وكما يقول الآباء، كانت تبكي بلا سبب. كنت أعتقد أنه عندما يتعلق الأمر بالكلمات، فإن كل شيء مسموح به. وأحيانا تمر بنا امرأة يساورها الشك، متوقعة أن الفتاة التي تنتحب بشدة هي أختي الصغيرة. فتصرخ ماري-بول بصوت أعلى، حتى تبتعد المرأة وهي تهز كتفيها. لكن المشكلة الوحيدة كانت الملابس الداخلية المبتلة.

في أحد الأيام لم تظهر ماري-بول في ساعة نشرة الأخبار. وطيلة فترة تلاوة المسبحة الوردية في الكهف، نهشني القلق. وعندما عدت إلى المنزل، أخبرتني أمي أن ماري-بول لن تعود إلى المدرسة حتى شهر تشرين الأول؛ لأنها صغيرة جدا، وصف الروضة لا يناسبها، وسيتم إرسالها إلى مدرسة رسمية مجاورة. 

شارف شهر أيار على نهايته. وأوشكت على المغادرة للمشاركة في خلوة أول محفل. وفي أحد المساءات المغبرة، سلكت “شارع روجيه – سالينغرو” بمفردي في طريقي إلى المنزل، مستغرقة في أحلام اليقظة عن الأيام التي سنمضيها في الكنيسة مع فتيان يحدقون بنا ويدفعوننا ويتحرشون بنا. كانت نوافذ المقهى قد نظفت، لتكشف عن فراغ المكان من الداخل. مشيت ببطء، وفي حالة من الذهول. لن تمسك ماري- بول بيدي مجددا أبدا. فقد خسرتها. وبكيت من شدة اليأس. 

ما زلت أرى الكهف عند حافة الحديقة، و”شارع سالينغرو” الممتد والرمادي، وفتاتين تسيران معا، واحدة صغيرة والأخرى كبيرة، لأن ذاكرتي تراني شخصية غريبة عن نفسي. رويت هذه الحادثة عن العام الذي بلغت فيه العاشرة من عمري محاولة أن أفهم لماذا رغبت في الكتابة عنها، لكنها في نهاية المطاف، ليست إلا قصة أخرى.


*ترجمها من الفرنسية إليسون ل. سترايير Alison L. Strayer   من مجموعة “فندق كازانوفا”. نشر النص الإنكليزي في النيويوركير، عدد 8 حزيران 2026. 

*آني إرنوAnnie Ernaux     كاتبة فرنسية حازت على جائزة نوبل عام 2022. من أهم مؤلفاتها: افعل ما يقولون وإلا 1977، امرأة مجمدة 1981، الضياع 2001، استعمال الصورة الفوتوغرافية 2005، السنوات 2008، فندق كازانوفا 2020، الرجل الشاب 2022 وغيرها…  

اترك رد