فيليب سوليرس: السّياسة حفلة تنكّرية كوميدية أو مرعبة (2/1)

فيليب سوليرس: السّياسة حفلة تنكّرية كوميدية أو مرعبة (2/1)

اللوحة: الفنان الأوزباكستاني ميخائيل باشكوف

ترجمة: سعيد بوخليط

  • س – منذ تطوّر أدوات الإعلاميات وتقنيات الكتابة، ازداد اهتمام الباحثين بما يُسمّى ”علم الوراثة النّصّي”. لقد كتبتَ حتمًا بالقلم، ثمّ بعد ذلك بادرتَ إلى رقن نصوصك على الآلة، فأحسستَ بضجيج وإيقاع لوحة المفاتيح. غير أنّ كتابتكَ شفوية للغاية وعفوية، بل تبدو فطرية، كما لو تتجلّى على نحو مباشر وبكيفية فورية. هذه الكتابة الشفوية ثمرة اجتهاد طويل؟
  • ج ـ هناك جملة قالها مالارميه أحبّها كثيرًا تقول: ”تفكّر معناه أن تكتب دون ملحقات ثانوية”. يظلّ بالتّأكيد سؤال التّقنية أو كيفية تدبيج الموضوع أساسيًا، لكنّه في مرتبة ثانوية. الأكثر أهميّة، التّركيز الذّهني والانغماس الدّائمين، الاهتمام بطريقة تشكّل اللّغة داخليًا، وهذا اشتغال دائم على الذّات. أكتب وأدوّن ملاحظات في دفتر حينما تحضرني كلمة، تعبير، صيغة موجزة، والإيمان بإمكانية حدوث تطوّر. بعدها يأتي فعل تحرير الموضوع وتوثيق الكتابة. أحتاج بالمطلق إلى تحقّق تواصل بين اليد والورقة. يغدو الأمر مثل تدفّق، سائل يخرج من الجسد. طبعًا، تجري الكثير من الاكتشافات خلال نفس لحظة الكتابة. أنطلق من كلمة، صدمة الكلمات، مشهد، وكذا ”عيد الغطاس” مثلما يقول جيمس جويس، أو حلم عشته اتّسم بأهمّيته النّوعية. ثمّ تأتي الصّياغة النّهائية مع تغييرات أجريها وأنا أرقن النصّ. لكنّ الأساسي تمّت كتابته. تزعجني الشّاشة كثيرًا. لا يمكن تفكيك حيثياتها، مثلما الشّأن مع شاشة التّليفزيون. عمومًا، الكتابة نشاط بدا خلال أغلب الأوقات كفيفًا تمامًا، وشفويًا جدًا، أو تحديدًا صوتيًا بامتياز. إنّه نشاط سمعي.
  • س – ألا تسجّل ما تكتبه؟
  • ج ـ قمتُ بذلك، منذ فترة بعيدة، بهدف التحقّق خلال لحظة قوانين سنة 1972، بحيث كنت في حاجة إلى استعادة الصّوت بغية معرفة موقعي ضمن سياق الإيقاع، وشكّل ذلك نوعًا من صيغ التّدقيق المتكاملة. بهذا الصّدد، قمتُ بتسجيلات متعدّدة وكثيرة على مستوى روايتي ”فردوس” دون التّأثير في النصّ. حاليًا، توقّفت تمامًا عن هذا السّعي. أضحى جلّ الاشتغال ضمنيًا. يتأسّس الشّفاهي والمكتوب في العمق، المبدأ الأساسيّ، بغضّ النّظر عن باقي الإكسسوارات الثّانوية.
  • س – بالنّسبة إليكَ، الشّفاهي، الأصوات، النَّفَس، إثارة الحواس، معطيات جوهرية تمكّن وحدها من مقاربة حسّية وجسدية للنصّ: هل يمثّل ذلك الخطوة المهمّة صوب وجهة هذه ”المملكة”، ”الفردوس” إذا أمكنني امتلاك جرأة توظيف الوصف، التي تستحضرها باستمرار؟ هل فقط بفضل الجسد، ولاسيما الشّهوانية، التي تحضر مركزيًا في إبداعكَ بكيفية متداخلة مع اللّغة، يمكننا أن نلامس عن قرب حميمة الإنسان، وبالتالي كنه حقيقته؟ لقد وضعتَ تعريفًا للكتابة في خضمّ حديثكَ عن رواية ”فردوس”، قلتَ: يتعلّق الأمر بإثارة حالة معيّنة لدى القارئ ”انمحاء العين أمام جلّ ما تتذكّره الأذن”. هكذا حينما نقرأ أعمالك، يبدو كما لو انطلق كلّ شيء من الجسد. أو هل يوجد أفق ثانٍ؟
  • ج ـ لا أرى حقًا بغير الجسد أفقًا ثانيًا. اللّهم إذا كان الجسد أكثر تعقيدًا ممّا يقال عنه. ترتكز الإشكالية على اختبار ذلك اليسير من استثمار أغلب الأفراد لأجسادهم، بحيث يظلّون عند سطحها، غير مدركين لكيفية توظيفها جيدًا، وضع نكتشفه ببداهة ووضوح مع الشّبقية. عمومًا، لم نختبر ذلك بسلاسة نتيجة العوائق والموانع. يرتبط الأمر بفترات من الحضارة. هناك حتمًا فترات سخيّة تقريبًا بالنسبة لحرية معيّنة.
  • س – كما الحال مثلًا خلال القرن الثّامن عشر؟
  • ج ـ بالتّأكيد. بالأحرى إبّان حقبة من القرن الثّامن عشر. في كل الأحوال، تتجلّى دائمًا النّقطة المحورية في العلاقة باللّغة. لا تمثّل الشّبقية شيئًا يذكر إذا ”لم نتحدّث” عنها. بالمناسبة، تتّسم الأفلام الإباحية على نحو عام بغباوة سمعية شاملة. هذا يرمز إلى شيء معيّن. بالتالي، يمكنني أن أسلك وجهة أخرى، من خلال قراءة الماركيز دي ساد أو نصًّا شهوانيًا بشكل عنيف، عبر صور عفيفة للغاية؛ أو تناول دراسة ”إيتيقا” سبينوزا بصور إباحية. حسب سياق من هذا القبيل، أطرح علامة استفهام حول نظام طمس المجال من طرف الصّورة. تشتغل صناعة المشهد ضدّ مجرى كلّ ذلك. هنا، حسب تصوّري، يمسك ”القول” نفسه أو ”الموسيقي” بالواقع. بمعنى أستحضر الموسيقيين والموسيقيات، عندما أتحدّث عن تاريخ الجسد، الذي أبدي نحوه شيئًا من الاحترام (تبدو لي الأغلبية محطّمة جدًا أو ميكانيكية جدًا، ثم الرّياضة التي التهمها المال، تأويل لا يعني بأنّي لا أحبّ بعض الرّياضيين)
  • س – الرّاقصون، كذلك؟
  • ج – بشكل أقلّ، الوضع في الوقت الحالي بسيط للغاية، أقصد تحديدًا التّكوين التّقني، وخداع مجال الميكانيكا، بيد أنّ ممارسة الغشّ في الرّقص تبقى عملية محدودة. بشكل عام، لم تنل الموسيقى اهتمامًا كبيرًا. للمرّة الألف، سمفونية ”بحيرة البجع”، قطعة موسيقية كلاسيكية. في المقابل، أن يكون رهن إشارتها أداة أو صوتًا، باعتبارهما معطى واحدًا، أجده يردم الفجوة مع الحقيقة، أيضًا تجعلنا القصيدة أقرب من الحقيقة.
  • س – بما أنّ كتاباتكَ أساسًا موسيقية، وإذا أمكنك تحديد صوت بالنّسبة إلى نصوص عملكَ، فما الذي ستختاره؟ قهقهة مثلًا؟
  • ج ـ حسب فاعلها؟ يلزمها أن تكون قهقهة تسعدني؟ الضّحك المرتبط بالشّبقية، مهمّ جدًا. أستعيد مشهدًا شهيرًا وجوهريًا جدًا عند مارسيل بروست مع الآنسة فانتويل، لأنّه انطوى على الصوت. هناك مثالان. الأوّل حينما يباغت شارلوس وجوبيان داخل فناء غرمانت. لا يعتبر هنا متلصِّصًا، بحيث لا يرى ما يجري، لكنّه سمع صيحات، واكتشف علاقة جنسية مثلية. أمّا المثال الثّاني، عندما أوحى بأنّه رأى عبر نافذة الآنسة فانتويل وكذا ألبيرتين وقد جمعتهما علاقة جنسية مثلية وسط أشجار. لكنّه صُدِمَ أكثر عندما اختفت فجأة فانتويل داخل الغرفة، مقابل استسلام ألبيرتين – موقف أثار الغيرة – إلى الضّحك أو ربّما النّشوة الجنسية التي تبعث على الضّحك. بالأحرى نجاحها يبعث على الضّحك! موقف بديهي جدًا ضمن ردود الأفعال النّسائية، وحتمًا على نحو مسموع. بالتّالي، يعكس الضّحك معطى الاستمتاع والارتياح، لكن يلزم أيضًا بجانب الضّحك امتلاك نوع من الصّمت الدّاخلي التأمّلي، مقطع لفظي. يمكننا الاشتغال على المقطع اللّفظي الهنديّ المقدّس. بهذا الصّدد، استمعتُ كثيرًا للموسيقى الهندية وأنا أكتب رواية ”فردوس”، ترنيمة ”أوم” (om)، الصّوت المتوقّع أن يقود صاحبه إلى نوع من النّشوة. لكن الضّحك أيضًا جيّد، ومثلما يقول سيلينـ ”تضحك فقط ربّات الفنّ حين ارتعاشهنّ”.
  • س – إنّه سؤال تطرحه باستمرارـ أين مكمن الجسد في الرّواية؟ أكثر تحديدًا الجسد الفرنسي، الجسد في الأدب الفرنسي؟ هل نخاف من جسدنا؟
  • ج ـ يلزم طرح الأسئلة حسب مصطلحاتها التّاريخية. حاليًا، في الوقت الحاضر، نعيش أوج الاكتئاب. ليس الوضع على ما يرام، عكس الفترات الانفجارية، حيث تسود حرية كبيرة. إذن، هو سؤال مرتبط بسياق اللّحظة.
  • س – هل تعتقد بأنّ واقع فرنسا يكشف عن جمود معيّن؟
  • ج ـ بل أكثر إثارة للذّهول والاستغراب. يمكننا بشكل أفضل وأكثر تدقيقًا قياس الوضع الفرنسي. لأنّه، ببساطة شديدة، عاش أعلى مستويات التّناقض، مثل الشّهامة الفرنسية خلال القرن الثّامن عشر، بحيث لم يعرف أيّ بلد أوروبيّ آخر وضعًا مشابهًا، لكن الأمر لا يتعلّق فقط بتلك الفترة الزّمانية. حاليًا مثلًا، أقرأ كتابًا عن أوغست رونوار، فأتابع مجمل مشهد تيار الانطباعيين المذهل انطلاقًا من سنة 1860. تيار رفضته دائمًا الصّالونات، وقد ضمّ أسماء فنيّة رائعة مثل إدوارد ماني، إدغار دوغاس، أوغست رونوار، وفيما بعد أوغست رودان. إنّه انفجار عظيم. طبعًا، مختلف هؤلاء الفنّانين آزروا بعضهم البعض جرّاء إحساسهم بكونهم يحيون وسط الجنّة، غير أنّ المجتمع رفض ذلك تمامًا مع أجواء الحقبة. أيضًا، هناك مؤشّر نسائي، الذي جسّد دائمًا معيارًا جيدًا. أين موقع النّساء خلال هاته اللّحظة أو تلك؟ تقريبًا يبدو التّساؤل طبيعيًا. أمّا عن الرّاهن، فألاحظ انعدام الأمن، وأزمة هويّة، شيء ما يحدث ليس على ما يرام. لذلك، ينتاب البشر إحباط واضح، فليسوا في حالة جيدة، ولا يشعرون بالارتياح. إنّها إشكالية أزمة حضارية عميقة. بناء عليه، يمكننا استيعاب تصوّر شخص مثل ميشيل ولبيك الذي وجد في نهاية المطاف بأنّ الإنسان الغربي لا يقوم بأيّ شيء ويسرع نحو ما توفّره خدمات الدّعارة في تايلاند، هكذا تحدّث عن الدّعارة بكيفية مثيرة، كأنّها تعوّض فراغًا. يصعب معرفة الوقت الذي يمكن للوضع السّلبي الحالي استغراقه. أنا ضدّ التيّار تمامًا وأقوم بالعكس. عمومًا، الأسئلة الملحّة تتجاوز كونها ذات طابع جنسي فقط، بل إدراكية. يمكن تحضير طبق كامل عن موضوع الجنس، يشمل الجسد وفق دلالته الواسعة، مع حواسّه: معرفة النّظر، الإصغاء، التّذوّق، اللّمس، التّنفّس.
  • س – حين التكلّم عن الشّبقية، فأساسًا تلك اللّغة التي نتكلّم بها حقيقة.
  • ج ـ تمامًا. ها أنت تنظر ألوانًا لم ترها قط، تتفاعل روائح، عطور، أصوات، تطابقات، إلخـ ”الطبيعة معبد ركائز حيّة”.
  • س – يمكن حاليًا التحدّث عن ”تجاربكَ الرّوحية” بالمعنى الواسع للكلمة.
  • ج ـ لكن نفس الشّيء. الجسد روحي أيضًا والفكر جسدي.
  • س – ما الذي تعنيه لكَ كتابة الدراما، وكذا المقصود ب ”التّمارين الرّوحية” ضمن سياق الحوارات التي أجريت معكَ وصدرت بين دفّتي كتاب عنوانه ”نظرة إلى نيويورك”، ودلالة هذا الانغماس الممتلئ للذّات في اللّغة، ثمّ الذّات المنبعثة من اللّغة؟ هل يتطابق تفكيك الذّات مع فترة الطّليعة وكذا حلقة تيل كيل التي غادرتَها فيما بعد، وأنت حريص على تأكيد ذاتكَ باعتبارها سلطة خاصّة مع ذات ستحظى بدعم أكبر ضمن نصوص رواياتكَ الصّادرة بعد ذلك؟
  • ج ـ حتمًا، يتوافق ذلك مع حقبة في حياتي. فقد كتبتُ رواية ”دراما” خلال سنة (1964-1963)، وكنتُ في عمر الثّامنة والعشرين. كتاب أتمسّك به كثيرًا لأنّي بدأت حينها بقول أشياء بين صفحاته. عملي الآخر رواية ”المنتزه” مَثَّلَ أكثر لوحة مائية. ظاهراتيًا، كنت سعيدًا للغاية لأنّ ذلك معناه اهتمامي بالأشياء نفسها. بالموازاة اشتغلت على أولى كتاباتي حول دانتي. الاهتمام بالفكر الهندي ومعه يقينًا الهند، وفي غضون ذلك الصّين، ثم تسليط الضوء في الصفحة الأولى من الكتاب على عبارة أمبادوقليس: ”الدّم الذي يغمر الفؤاد بمثابة فكر”. هاته العبارات الافتتاحية مهمّة للغاية. قصدتُ عدم التّركيز على اسم المؤلِّف، قصد إظهار تجاوز معطى الاسم، الذي يعكس ذلك سلفًا فعل تملّك، وأنّ مختلف ذلك يشتغل بكيفية متوازنة، دونما حاجة إلى تصنيف. هكذا تعريف طبيعة الإنجاز في رواية ”المنتزه”، بدمج الأسماء أيضًا، لكن دون حروف كبيرة. بمعنى تمثيل نفس النّسيج، فكل ما تجلّى كتابيًا، والتّفكير فيه، وقوله، يعكس نسيجًا واحدًا. يوضّح كلّ شيء تمّت كتابته أو يستدعي إعادة كتابته باستمرار، بأنّ الحياة، ما نسمّيه حقًا حياة، يكمن في هذا ولا شيء آخر. أيضًا، تصوّر يختلف عن مجرى التيّار تمامًا، لأنّه غير القصّة، والفيلم، والرّسوم المتحرّكة، والرّواية… تجربة جذرية كليًا مع بنية، ومشهد للّعبة، إلخ.
  • س – هي إذن تجربة زهد، قريبة من تأمّل معيّن يتوافق مع جُلّ العناصر؟
  • ج ـ يمكنك قراءة أولى الصّفحات وقد انطوت على مختلف العناصر قصد توضيح ما سيجري. بمعنى، نظرة نحو السّماء، ثمّ الحلم، الذي أعتبره مهمًا جدًا. غالبًا، أبدأ كتبي بحلم قويّ، ثمّ تنساب الجُمَل. عندما أمسك بالبداية، فقد وضعت يديّ على مجمل الكتاب. يلزم أن تكون البداية هي البداية، لذلك أعتبر إشكالية البداية قضيّة جوهرية.
  • س – شهدت سنوات الثّمانينيات صعود الفردانية، ونعاين جليًا بين طيّات نصوصكَ هذا التحوّل من ذات متعدّدة إلى عودة الذّات.
  • ج ـ ليس عودة إلى الذّات. الذّات رهان، كيان متخيّل يلزم الاشتغال عليها، ملامح صورة اللاّعب بصيغة التّعريف وليس لاعب. لقد بلورتُ حيثيات ذلك مع روايتي ”نساء”، الصّادرة خلال فترة سابقة.
  • س – كذلك رواية ”فردوس”؟
  • ج ـ رواية فردوس نصّ مختلف، شكّلت انفتاحًا على مختلف المصادر التي ينبغي لها أن تتلاقى، فضاء نهر كبير. بعدها، أدركتُ ضرورة إدخال التّاريخ المضبوط، بمعنى ليس فقط الذّات. طبعًا، الأخيرة حاضرة هنا، إنّها ”الأسطورة السّيرية” بين طيّات التّاريخ.
  • س – لماذا ”يلزم” استحضار التّاريخ؟
  • ج ـ قصد تجنّب أن يمسك بي المجرّد. فأنا لست تجريديًا، يمكنني تصوير ما أريده متى أردت. أستعمل دائمًا المقارنة مع بيكاسو، وأفهم جيدًا دلالة قرار خروجه خلال لحظة معينة من التيّار التّكعيبي، ممّا أثار صدمة أصدقائه الذين استمرّوا على الإيمان بقناعات التّكعيبية. اعتقدت بأنّ هذا يفسح المجال أمام تأويل متزمّت يلزمني التغلّب عليه. وإلا، فلن ينكشف أمر تلك النّار الكامنة في الخلف.
  • س – ألم تشغلكَ أيضًا إرادة أن تصبح ”مقروءًا” أكثر، والخروج من نطاق الهامش واقتحام جمهور واسع؟
  • ج ـ لا، بل تحديد مصدر ذلك، ولحظته والفاعل، ثمّ عبر أيّة تجارب عملية. إنّها استدلالات عملية. تضمّنت رواية ”بورتريه اللاّعب” عناصر كثيرة، يوجد طبعًا الكاتب ضمن مركز هذا الاستدلال العملي. ليست صوفيا في هذه الرّواية شخصية مجردة بل صوفيا نفسها. هناك رسائل، حوارات، جلّها تبقى مرجعية.
  • س – هل تلك الرسائل حقيقية؟
  • ج ـ نعم حقيقية، إذا أمكن ذلك! ليس الأمر بديهيًا. لقد شعر كثيرون بالصّدمة خلال تلك الحقبة، وأخبرني العديد منهم بأنّي اختلقتها. لم يكن تأويلهم صحيحًا.
  • س – ربما لا نستسيغ فكرة أنّ امرأة مصدر تلك الرّسائل. لازال مفهوم شهوة المرأة محظورًا جدًا.
  • ج ـ هذا ما ينبغي توضيحه.
  • س – تحوّلتَ من شكل روائي نُعِتَ بالتّجريبية نحو آخر أكثر كلاسيكية. هل يكمن أصل القطيعة الشّهيرة سنوات الثّمانينيات ضمن مساركَ الإبداعي إلى تراجع النّخبة، أو يبقى موصولًا بتطوّرك الشّخصي؟
  • ج ـ الاثنان معًا. أعتقد بأنّ مختلف ذلك عرف سوء فهم كبير. توجد حقب تقريبًا ثورية وتقدّمية. بديهي مضيّ حقبة الستّينيات وبالضّرورة نحو أحداث 1968. حاليًا عندما نستعيد تلك الفترة، لا نتخيّل فعليًا حقيقة العالم قبل التّلفاز بالأبيض والأسود، وقلّة التّواصل، إلخ. تغيّر كل شيء. هناك لحظة تشعرني بضرورة القيام بأشياء جذرية، هكذا كتبت عملي ”دراما” (1965) ثمّ ”أعداد”. يبدو هذا تمامًا غير تقليدي، لكن بالنسبة إليّ، كان مهمًا جدًا انطواء رواية ”أعداد” على رموز تعبيرية صينية. أمّا حقبة السّبعينيات، فقد اختلفت عن سنوات الحشو، هكذا كتبتُ ذات يوم رواية ”نساء” التي تحكي عشر سنوات من تاريخ سنوات السّبعينيات، فكان عملًا ضخمًا قارب نسبيًا كلّ شيء، فأنا في إيطاليا ثمّ أمريكا، يمكن القول بأنّ الرّاوي أمريكي. حقيقة، إذا استعدنا النّظر إلى الحقبة المقصودة، سيُلاحظ بأنّي رسمتُ لوحة للمشهد. صراع بين شخص يتمتّع بحرية أكبر مقارنة مع الآخرين ويواجه عقبات. تتجلّى العوائق طبعًا في نماذج نسائية سلبية أو إيجابية. المعطى واضح جدًا، بكيفية استدلالية. هنا أيضًا، أستخلص دروسًا عبر حقبة تاريخية. نفس الشّيء بالنسبة لعقد الثّمانينيات. أضاعف المحاولات حتى أظهر الهيكل التّنظيمي لما يمكن أن يشكِّل مجتمعًا-مضادًا، مجتمع المتعة الذي يواجه مجتمع الرّقابة مثلما نعيشه. لقد تطوّر مسار الأمنـ عدْ إلى بيتكَ وتحلّ بالحكمة. لذلك، يمكن تأريخ كلّ عمل من مؤلّفاتي حسب الفترة المقصودة، مسألة ينبغي استحضارها. على الأرجح، مصدر الانزعاج نحو موضوعاتي يأتي من المماثلة التّاريخية بغضّ النّظر عن الملاحظات الموجَّهة إليّ – مختلف ذلك يغطّيه نوع من الدّعاية – بحيث توافقت كتاباتي مع سياق اللّحظة التّاريخية.
  • س – غير أنّ النّقاد لم ينظروا بعين الرّضا؟
  • ج ـ نعم، لم يحبّوا ذلك. رفضوا خلال كلّ مرّة هذا النّزوع نحو الاستعادة. لقد امتدّ إصدار أعداد مجلة تيل كيل طيلة عشرين سنة، امتلكت خلالها على امتداد تلك الفترة مكاتب وجامعيين، ثمّ انصبّت مختلف تلك المجهودات على شرح ما يجري. فجأة، اختبر هؤلاء واقع البطالة. بادرت الجامعة إلى إعلان موتي سنة 1968، لأنّي كنت أحد الذين ألهبوا حماس الأجواء، حيثيات ينبغي تأمّلها بين صفحات رواية ”بورتريه اللاّعب” التي كتبتها سنة (1983-1984)، ضمن نطاق تجارب مهمّة للغاية، وينبغي التّركيز خاصة على طبيعة نسخة التّعاقد النّسائي. أيضًا، نفس المعطى بخصوص رواية ”زنبق الذّهب” التي أصدرتها بعد ذلك بفترة قليلة. أقارب موضوعًا يعيش تحوّلاً، مع أخذ بعين الاعتبار معطى التّغيير الذي تعيشه العلاقات بين الرّجال والنّساء، بحيث أحاول وصف الكيفية التي تمكّن ربما هذا التحوّل من المشي ثانية لأنّه متوقّف حاليًا. يقدّم الذّكور والإناث صورًا تمويهية، هناك شيء ما لا يؤدّي وظيفته. نعود إلى المفهوم الكبير لدى غي ديبور: عالم الانفصال. يرغب المجتمع في مراقبة الأفراد المنفصلين، وتستثمر مختلف الوسائل من أجل هذه الغاية: الأسرة، المدرسة، السّوق. بالتّالي أبدعتُ انطلاقًا من ذلك عددًا معينًا من الكتب التي اقترحت جميعها نماذج عن مجتمع-مضاد، أو تجارب متفرّدة للغاية تمضي سرًا أو عند زاوية ضمن المشهد.
  • س – كما الشّأن مع روايتكَ الأخرى ”السرّ”، مع راوٍ سرّي؟
  • ج ـ نعم، استندت رواية ”السرّ” على خلفية تاريخية محدّدة جدًا، بحيث يمكن إعادة قراءتها في الوقت الحالي مع تاريخ البابا، إلخ، إنّها رواية مهيكَلَة.
  • س – لماذا رَفْض التصاق الكاتب بحقبته؟
  • ج ـ لأنّ ذلك يؤسّس لوجهة نظر محافظة، جامعية. يحتاج الموقف إلى خلق مسافة معيّنة. أنا أعيش حقبتي تمامًا، لكن أيضًا وفق حرّية تصرّف مؤكَّدة. يحبّون ما يلي: رؤية أشخاص لا يتحرّكون أبدًا، الكاتب ليس هنا، على منوال جوليان غراك، الذي يثير الإعجاب كأيقونة ثابتة. أنا كاتب ملتزم جدًا، أحاول كتابة أشياء حيث الشّخص الذي يقدّم نفسه راويًا يجتاز فضاءات عدّة وتجارب مختلفة، يذهب من الأعلى إلى الأسفل، يرسم خطوطًا قُطْرية تعبر الحدود، ثمّ يعود ويروي ويهتم بما تحت الخرائط، وتأكيده بأنّنا لا نقول الحقيقة بل يسود التّلاعب كلّ شيء. في نهاية المطاف، يثير الالتزام الصّدمة. لكن طبعًا، وفق دلالة مختلفة عن تصوّر سارتر، الذي لم يكتب روايات منذ تبلور نظريته حول الالتزام. أنا ملتزم سواء في الرّواية أو الحياة.
  • س – هل وحده الالتزام من يستحقّ اهتمام الكاتب؟ وماذا عن السّياسة؟
  • ج ـ أنا أحتقر السّياسة.
  • س – مع ذلك شكّلت مجلة تيل كيل خلال حقبتها مجلة منخرطة في الشّأن السّياسي، أليس كذلك؟
  • ج ـ نعم، لكن في الواقع، شكّل الأمر لعبة فقط، وإلا أضحى المشروع متحجّرًا! إنّها مناورة أثارت صدمة كبيرة مادامت الرّؤية السّياسية إلى العالم اتّسمت بالكهنوتية على المستوى الجامعي وكذا الفلسفي. مختلف ذلك أفضى صوب تبعات نعاينها اليوم بشكل ملحوظ تمامًا: السّياسة حفلة تنكّرية كوميدية أو مرعبة. ولا يقف التّوصيف هنا على الماسكين بزمام السّلطة.
  • س – تؤكّد على ضرورة تمسّك الكاتب باستقلاله نحو كلّ نظام سياسي ومؤسّساتي حتى لا يغدو حبيس مجموعة معيّنة. في الوقت ذاته، تجرّ خلفكَ التّجربة الطّويلة لمجموعة تيل كيل؟
  • ج ـ أشياء كثيرة! تحديدًا تجربة المراقبة، وكذا المغامرة الجماعية التي تخلق تصدّعات، وتثير سجالات. حاليًا، لم أعد قط في حاجة إلى خلق صراعات كي أدرك ما يلزمني فعله. لكنّها تجربة غير سيّئة، أحيانًا بلغت تلك الصّراعات مستوى عنيفًا، وإقصاء، ولم أعد أصادف حاليًا سوى قلّة قليلة من شخصيات تلك الحقبة. لقد امتطينا حينها قاربًا وسط بحر مضطرب، هكذا سقط الكثيرون وسط الماء. كان مفيدًا جدًا، نظرًا لوجود هدف: إعادة ترتيب كلّ الخزانة: أنطونين أرتو، جورج باطاي، أليغيري دانتي، جيمس جويس… مشروع عمل كبير ستحظى من خلاله جماعة تيل كيل بإعادة التّقدير في يوم من الأيام. مثلًا، كان من اللاّزم ترجمة دانتي إلى الفرنسية، فأنجزت جاكلين ريسي المشروع. بغضّ النّظر عن السجالات وكذا الضّغائن الجامعية، يسهل جدًا بالنسبة لمن رغب في تأليف كتاب يوثّق مضمونه لمختلف هاته القيم، عمل ينصبّ على إعادة تصنيف الهامشيين كمرجعيات أدبية، لكن هذا الانتقال بين الحدود أثار صدمة أيضًا. هذا أفضى بشكل طبيعي جدًا لما بلورتهُ بين طيّات أبحاث مثل ”معركة الذّوق أو مدح اللاّنهائي”، حيث انتقلتُ بسلاسة من بليز باسكال إلى لاماركيز دو ساد ثم أنطونين أرتو. يمكننا الإبحار بكلّ حريّة عبر العصور. الفكرة موسوعية. إنّه عمل حول الأنوار.
  • س – تارة في الهامش ومرة أخرى وسط العالم، مثل ”عين من الألماس”، هل هي الحريّة الوحيدة التي تلتمسُها؟
  • ج ـ الحقيقة مفارقة. ينبغي الارتياب دائمًا حين غياب المفارقات. الحياة مفارقة. دائمًا هناك الدّاخل والخارج، إذا أمكنني إثبات بأنّ مختلف التّصنيفات تظلّ خامدة، تشكّل في نهاية المطاف رغبة للقتل، أسائل الرّغبة الكامنة وراء ذلك، رغبة إنسانية عميقة بالقضاء على الجمال. يقول فلوبير: ”أومن بكراهية الأسلوب اللاّواعية”. بالتّالي، وجهة النّظر، أنّ المجتمع سيّئ في كل الأحوال. قد تزداد نسبة أعداد السّيئين أو تقلّ، غير أنّ المجتمع مثلما هو يبقى زائفًا، سيّئًا، مع رغبة عنيفة بالانتهاء من الفنّ.
  • س – هل يعتبر الفنّ علاجًا لأمراض المجتمع؟
  • ج ـ علاج؟ ليس الأمر كذلك. لا أعرف متى أشرتُ سابقًا إلى تصوّر دوركايم، منذ القرن التّاسع عشر حينما أكّد عن تحوّل الإله إلى المجتمع. تواجد الإله، ثمّ الإله موجود، وأخيرًا مات الإله. إنّها على أيّة حال واقعة مهمّة للغاية. لقد مات، لكن ليس من أجل الجميع، مادام هناك أفراد عكس التيّار يحاولون الانتساب له ويفجّرون أنفسهم يوميًا معتقدين بالذّهاب إلى الجنّة، أقصد الكاميكاز. إعلان موت الإله في العالم الغربي، النّموذج الكوكبي المعاصر، يعني بأنّ المجتمع صار البديل. كلّ شيء مجتمعي، ويحدّد باعتباره معطى مجتمعيًا، بمعنى ينبغي لكلّ شيء أن يصبح قدر الممكن متجهًا نحو الامتثال للجمعي، الطّائفة، الجماعة، الوطن أو الدّولة. والحالة تلك، يجسّد الفنّ الفردانية الأكثر جذرية. فرد ”تتشبّع فردانيته” بكيفية أكثر تميّزًا، على نحو غير متوقّع، وطارئ، وضع غير مرغوب فيه يخلق صعوبات. أخبرنا بودلير بذلك في عمله ”قلبي العاري”: ”تخلق الأوطان عظماءها رغماً عنها”. بالتّالي، ف”الشّخص العظيم”، وصف يسري على الفنّان الكبير، يمثّل قوة هجومية، تعادل مقاومة ثمانية ملايين شخص. أعتقد بأنّه يمكن القول حقًا، انطلاقًا من حقبة محدّدة جدًا، بداية القرن العشرين، لم يتطلّع المجتمع إلى تحفة فنّية أو لوحة تشكيلية. يحدث الفنّ انقلابًا على مستوى الوضع، يكشف عن خفايا الخرائط. أفق يتحاشاه الأفراد، والأسر، ثمّ المجتمع.
  • س – هل يشكّل بالنّسبة إليكَ الشرط الأساسي للفنّان انسحابه من العالم، مع التقاط تامّ لأبسط التموّجات، على صورة ”كتابات-العالم” أو أيضًا مجلّتكَ ”اللاّنهائي” التي بلور مشروعها ملتقى ومفترق طرق بين سخاء الفرديات وكذا التوجّهات؟
  • ج ـ نعم، نعزّز قدر ما نستطيع، فرديات مختلفة جدًا، مما يفترض بأنه لدينا عطاء اندفاع نحو عشق أشياء متباينة جدًا، أفراد مختلفين للغاية، وكذا أعمال تختلف على مستوى ماضيها. أشخاص، رجال ونساء، لا يمكنهم ربما ضمن سياق تاريخهم اليومي الملموس، تحمّل بعضهم البعض. مما يفترض إبداء الاهتمام بالأسلوب، وليس الشّخصية الظّاهرة، بمعنى المجتمعية، مادامت الأنا المجتمعية، كما يقول بروست، على نحو صحيح، بناء يشكّله الآخرون، بمعنى أنهم يحيلونني على سوليرز لا تربطه أيّ علاقة معي. يعتبر من جهة أخرى مسليًا ومثيرًا رؤية تلك التّأويلات والتّقييمات، بعيدة عن الصّواب.

مرجع الحوار: الذي أجرته إيرين سالاس مع فيليب سوليرز: L’infini ـ83. été 2003, pp ـ10- 26

فيليب سوليرس (1936–2023) كاتب وناقد ومحرر أدبي فرنسي، وُلد في تالانس قرب بوردو باسم فيليب جويو. عُرف بغزارة إنتاجه وتجديده في السرد الفرنسي. أسس وحرر مجلات أدبية مؤثرة، وارتبط اسمه بمشهد الفكر الفرنسي المعاصر.

اترك رد