ثنائية الجرح والهوية.. قراءة في ديوان «في الطريق إلى نفسي» للقمان محمود

ثنائية الجرح والهوية.. قراءة في ديوان «في الطريق إلى نفسي» للقمان محمود

يُشكل ديوان «في الطريق إلى نفسي» للشاعر لقمان محمود محطة تراجيدية ووجودية تختزل ثنائية الجرح والهوية في مسيرته الشعرية؛ فهو ليس مجرد ديوان يضم قصائد متفرقة، بل هو بيان وجداني يبين فيه الشاعر مرارة المنفى، ويتوزع الديوان على عتبات نصية وشعرية تتخذ طابع المكاشفة الذاتية، حيث يتقاطع الخاص مع العام، ويبحث الشاعر من خلالها عن ذاته وسط ركام المنفى، والحروب، والأسئلة الكبرى حول الحقيقة والكذب، والوطن والحرية، ليقدم نصوصا تعبر عن أوجاع الإنسان المعاصر وتوقه الأبدي للسلام والكرامة. 

ويأتي الديوان مؤكدا على أهمية الشعر كأداة لفهم الواقع؛ فالشعر في رؤيته «وهمٌ جميل يساعد في فهم الواقع»، ويقسم الديوان رؤيته الشعرية بين تأملات عميقة في ماهية الشعر، وهموم الهوية، والمنفى، والبحث الدائم عن الحرية والحقيقة، فيستهل الشاعر ديوانه بنصوص نثرية تستقرئ الشعر نفسه، وتعتبره كائنا حيا «لا يتعب، ولا يموت»، ويرفض الشعر الاستهلاكي المرتبط بالسلطة أو المجموعات الحزبية، ويدعو إلى الابتعاد عن البلاغة الزائدة لأن «الشعر لا يفصح عن الألم، الشعر يخفيه»، وإلى قول الحقيقة بطريقة غير مباشرة، تماما كمن يرمي حجرا في الماء ليصعد الصمت إلى السطح.

  • بين المنفى والوطن

المنفى في ديوان لقمان محمود ليس مجرد مكان جغرافي بديل، بل هو كائن حي تتزايد داخله الهواجس وتنضج الأسئلة، فالشاعر يعيش في السويد، لكنه يحمل وطنه كردستان في قلبه، فيعيش محاصراً بين ثقل الذاكرة وصعوبة العودة، ويتحول المنفى مرادفا للفقد المطلق:

«حين أفكّر في حياتي

لا أعرف

كيف تبعثرت في الوطن

كيف تجمّعت في المنفى؟!

المنفى مثل الفقد، 

أعيش على فكرة العودة، 

لكني لن أعود أبداً».

أما الوطن، فهو المكان الذي تستطيع العيش فيه بكرامة يقول: «الوطن، ليس فقط هو المكان الذي ولدت فيه، وإنما هو المكان الذي تعيش فيه بكرامة»

وعلى امتداد الديوان، تتكرر ثيمة الجرح لتصبح هوية، ففي «قصيدة كردستان»، يتجسد الشعور بالاغتراب المكاني والوجودي منذ لحظة الولادة على أرض منهوبة، حيث يتحول العالم إلى مسرح عبثي يكرر نفس المسرحية يوميا: 

«هذا العالم سيءٌ بما يكفي 

يتحوّل تدريجيا إلى شيء مألوف 

مثل مسرحية تُعرض كل يوم

هكذا، مرةً تلو أخرى

نموت في تلك الأرض

التي يتآمر عليها الجميع».

  • انتظار وموت بطيء

يهيمن شعور ثقيل بالانتظار على مقاطع الديوان؛ فهو يشغل مساحة واسعة في بنية الديوان النفسية، وهو انتظار عدمي يستهلك أعمار البشر، فالناس مهدرون في العراء بانتظار الواقع أو بانتظار معجزة ما، ويتداخل هذا مع رؤية تشاؤمية واقعية تعكسها الحرب وتبعاتها:

«إذا كان هناك شيء

في هذا العالم 

فهو الانتظار».

ويتأزم هذا الانتظار حين يتطابق مع بطء الحياة وضراوة الموت، وفي ظل هذا العبث المستشري، يتحول الركض في الحياة إلى فخ محتم:

«كان كل شيء يتحرك ببطءٍ شديد: 

الناس، الأنهار، الجداول، الهواء، الطيور، القطط، الكلاب.. إلخ. 

وحده الموت كان يتحرك بسرعة وغضب.

وكأنّ الموت يصبح أكثر شراسة

حين تتباطأ الحياة».

  • ثنائية الحقيقة والكذب

يحاول الشاعر تفكيك مفهوم الحقيقة، وإخضاعها للشك الفلسفي عبر هوامش لاذعة، فيرى أن الحقيقة ليست شيئا مقدسا، بل هي بناء مراوغ:

«من مصلحة الحقيقة

من مصلحة الحقيقة

أن يكون 

عمر الكذب طويلاً.

*** 

لولا الكذب 

 لتعفنت الحقيقة

*** 

الحقيقة نفسها 

 من الممكن أن تصبح 

 محنة»

وهو يرى أن التاريخ والواقع ما هما إلا سرديات يكتبها المنتصرون، وحيث إن الحقيقة تتغير باستمرار، فإن البحث عنها هو الغاية بذاتها لا الوصول إليها.

  • الحب ودكتاتوريته العاطفية

وفي نصوصه عن الحب، يرفض الشاعر الرومانسية الساذجة، ويعامل العاطفة بشجاعة مطلقة بعيدا عن الاحتياط المفرط، فالمرء يجب ألا يكون حذرا في الحب، بل يذهب نحوه بلا خوف، لكنه في الوقت ذاته يعكس وجه الحب الحقيقي، ويقدم مقاربة واقعية قاسية ومكثفة. فالحب ليس نزهة، بل هو سلطة طاغية:

«الحب، دكتاتور 

الكل يحبونه قسرا أو طوعا،

 لكنه لا يحب أحدا».

وعلى الرغم من هذا القسوة، يرى الشاعر أن الحب يعكس حالة من الوحدة العميقة التي ترافق المحبين، روغم ديكتاتوريته وتسلطه، ما يزال طاقة إنقاذية وسط هشاشة العالم وخرابه.

«إذنْ، في الحب لا تكن حذراً 

ولا تكترث للموت وهو خلفك 

اذهبْ، اذهبْ، 

فإنك ذاهبٌ نحو الحياة».

أما عن الأمل فيرى أنه: «هذا السلام المشدود بسلاسل الحرب»، ويعد ديوان «في الطريق إلى نفسي» شهادة شعرية على اغتراب الإنسان المعاصر، وصرخة محتج ضد قبح العالم والحروب والمنفى، وقد نجح لقمان محمود في سبك رؤيته في قوالب شعرية مبسطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها، مستخدماً لغة تلامس الحقيقة والوجع الإنساني الخاص.

اترك رد