اللوحة: الفنانة الكندية راشيل أولينوك
عندما أقفُ عن قصدٍ أو غير قصد أمام قصيدةٍ ذات ميزةٍ خاصة، أتساءل وأنا أدنو من تخوم لغتها الشعرية، تلك المنطقة الشفيفة التي تتلمس فيها الذات أولى إشراقاتها: أهكذا يُعاد اختراع الشعر؟ أفضاءٌ هو، أم فجوةٌ شفافة نُلقى فيها فنرتدّ أكثر امتلاءً؟ كيف للكلمة أن تتخفف من معناها المألوف لتصير جسدًا آخر نلمسه من الداخل لا بالحواس؟ وهل نحن من نقرأ القصيدة، أم هي التي تجرّنا إليها كما لو كنا احتمالاتٍ مؤجلة في سطورها؟
حالة انخداع وانخظاف ممتدة
في قصيدة «وسيم الروح»، لا يغدو الشعر مجرد تعبيرٍ لغوي، بل حالة انخداعٍ وانخظافٍ ممتدة؛ كأن المعنى معلّقٌ على خيطٍ خفي بين نبضتين، فنظل معلقين معه، لا نريد السقوط ولا نطلب النجاة. ثمة نعومةٌ خفية تُقيم فينا، تتسرّب كضوءٍ رقيق إلى مفاصل الوجدان، حتى نصير جزءًا من النص دون أن نشعر. تتراقص الكلمات هنا لا بوصفها أدواتٍ للبيان، بل ككائناتٍ مخمورة تنقل إلينا سُكرها البطيء؛ ذلك السكر الذي لا ينقضي عند الصحوة، بل يترك أثره كوشمٍ خفي في الذاكرة.
إننا أمام هذه القصيدة لا نقف عند حدود القراءة الهادئة، بل ندخل طقسًا من التحول الشعوري والوجودي. تغرس الشاعرة حنان عبد القادر في أرواحنا أشجارًا شفيفة، أشبه بكائناتٍ هائمة تتسامى عن التسمية والتأطير، لنلوذ بظلها كلما اشتد وضوح العالم وقسوته. أحلامٌ تأتي بلا موعد، تشبه الليل حين يهبط على المدن دون استئذان، وعندها ندرك أن الشعر ليس كلامًا يُقال، بل مأوى تُسكن فيه الروح.
الكيفية التي تُدار بها شاعرية حنان عبد القادر
وقبل الولوج إلى قراءة المقاطع وتحليلها، لا بد من الإصغاء إلى الكيفية التي تُدار بها شاعرية حنان عبد القادر في هذا النص؛ فهي لا تكتب بوصفها ذاتًا تعبّر فحسب، بل بوصفها طاقةً تخلق وتحوّل. تمسك الخيال كما لو كان خيطًا شفيفًا بين إصبعين، تمدّه برفق حتى يغدو أفقًا؛ لا تطارد المعنى مباشرة، بل تتعقبه عبر مراياه، تلتقط ظلاله، ثم تعيد بثها في صورٍ تنمو بهدوءٍ داخلي. في «وسيم الروح» تستعيد اللغة فطرتها الأولى، وتتخفف من وظيفتها الإبلاغية لتغدو مجالًا للحلول الوجداني، حيث لا تكون الكلمة خاتمةً لمعنى، بل بدايةً لاهتزازه في الوعي.
يفتتح المقطع الأول القصيدة بنبرة نقصٍ ظاهري واعترافٍ بضيق الزمن:
لم أملكْ الوقتَ..
لأعْبُرَ كلَّ المسافاتِ إلى قلبك.
غير أن هذا النقص ليس فقدًا ولا عجزًا، بل تأسيسٌ لعالمٍ بديل يتسع بالخيال. فالشاعرة لا تعبر المسافات الجغرافية، وإنما تبتكر جسورًا رمزية تتجاوز حدود المادة:
لم أملكْ..
غيرَ نجمةٍ ألقيتُها
هنالك في الأفقِ..
كي تطالَها يداك.
النجمة هنا ليست مجرد استعارة، بل فعل إرسالٍ رمزي؛ كأن الذات تُلقي بشرارتها في الفضاء لتُلتقط في جهةٍ أخرى من الوجود. وحين ترسم صورة الآخر:
يداك اللتان ترسمان لي سماءً.. وسحبًا.. وطيرا
فإنها لا تصفه بوصفه موضوعًا للعاطفة، بل تمنحه دور الخالق للكون الداخلي للذات. هنا تتأسس علاقة جمالية دقيقة؛ الذات تهب النجمة، والآخر يهب السماء. ومن تلاقي هاتين الهبتين يولد فضاءٌ شعري لا يقوم على الاكتمال الجاهز، بل على تواطؤ نقصين يصنعان وفرة.
ثم ترتفع اللغة إلى مستوى أكثر كثافة:
تكوِّران من بياضِ القلبِ قمرا
يبسمُ في الفضاءِ.. لنجمتي الوحيدةِ
ومن ضياءِ السِّحْر يُهديها البريقَ.
تنسج الشاعرة شبكةً من الرموز الضوئية؛ (القمر، البياض، النجمة، البريق)، لتجعل النقاء صورةً متحركة للضوء. غير أن هذا الضوء لا يُوجَّه إلى العالم كله، بل يهبط على «نجمةٍ وحيدة»، فيتحول الكون بأسره إلى خلفيةٍ لمشهدٍ وجداني بالغ الخصوصية. وهنا تكمن براعة البناء؛ إذ يتسع الأفق ليزداد الإحساس عمقًا، ثم يعود هذا الإحساس ليعيد تشكيل الأفق من جديد.
الانتقال من هندسة الصور الفلكية إلى استعارة وجودية للحب
بعد ذلك تنتقل الشاعرة من هندسة الصور الفلكية إلى استعارة وجودية للحب، حيث تغدو التجربة أكثر التصاقًا بالروح:
لا بأسَ إن علمتني العشقَ قليلا
فقبـلَك لم أذقْه بنكهةِ الفرحِ!
لا تعيد هذه الجملة تعريف الحب فحسب، بل تعيد تعريف الزمن أيضًا؛ فما قبل اللقاء يبدو وكأنه لم يكن سوى انتظارٍ طويل لتولد الحياة بمعناها الحقيقي. ولا يؤدي تكرار عبارة «لا بأس» وظيفةً إيقاعية فقط، بل ينهض بوظيفة نفسية؛ فهو إذنٌ داخلي يسمح للذات بأن تتخلى عن تحفظها، وتنساب نحو التجربة بكامل هشاشتها. ويتصاعد هذا الانجراف حتى يبلغ ذروته في قولها:
إن أترعتَ لي كأسَ الهوى..
أسكرْتَني بالحبِّ.. حتى أدمنـَك.
وهنا يغدو الحب ضرورةً وجودية لا حالةً عاطفية عابرة. ومن أكثر صور القصيدة إشراقًا وعمقًا قولها:
فقبلَ أن يُضيءَ لي وجهُـك بالغرامِ..
كنتُ أطهو العمرَ في تنُّورِ الوقتِ..
أخبِزُ الأحلام.
استدعاء مفردات الحياة اليومية ومنحها أبعادًا وجودية شفيفة
تستدعي الشاعرة مفردات الحياة اليومية: (الطهي، التنور، الخبز)، ثم تمنحها أبعادًا وجودية شفيفة. فالحياة قبل اللقاء كانت فعل إعدادٍ دائم، وكانت الأحلام تنضج على نار الانتظار دون أن تكتمل. ومع حضور «وسيم الروح» يغدو ذلك الخبز صالحًا لأن يكون قوتًا للروح، فتكتسب الحياة مذاقها المؤجل.
وفي المقطع الأخير تبلغ الشاعرية ذروتها التركيبية والفلسفية:
الآن.. يا وسيمَ الروحِ..
مُذ وجـدتـُك..
والقلبُ منهمكٌ..
يَحيكُ معطفًا يليقُ بك
يطرِّز الحنينَ قُبلةً!
فالحياكة والتطريز هنا ليسا فعلَي عنايةٍ وحسب، بل فعلَي خلق؛ كأن الذات تعيد نسج العالم ليصبح على قياس المحبوب. ثم تأتي الدعوة:
«تعال… تعال نقطفها بلهفةٍ…»
لتنقل القصيدة من الترقب إلى التحقق، قبل أن تبلغ ذروتها في قولها:
فيُزهِر في الحنايا..
بعدٌ رابعٌ للكونِ
لم يطرقْهُ أحدٌ قبلـَـنا.
هنا تتجاوز القصيدة حدود الغزل التقليدي إلى أفقٍ وجودي؛ فالحب لا يضيف شعورًا جديدًا فحسب، بل يبتكر بعدًا جديدًا للكون، لا يُقاس بالمكان أو الزمن، وإنما يُدرك بالوجدان. وليس قولها: «لم يطرقه أحد قبلنا» مجرد مبالغة شعرية، بل إعلان عن فرادة التجربة الإنسانية، حيث يُعاد خلق العالم مع كل حبٍ حقيقي.
بناء شعري يعيد تشكيل العلاقة بين الذات والآخر
وهكذا تغدو «وسيم الروح» أكثر من قصيدة غزل؛ إنها بناءٌ شعري يعيد تشكيل العلاقة بين الذات والآخر، وبين الزمن والانتظار، وبين الواقع والتخييل. تمسك حنان عبد القادر بخيط الصورة الشعرية برهافةٍ نادرة؛ فلا تفرط في المجاز حتى ينفلت، ولا تقيده حتى يفقد دهشته. لذلك لا تُقرأ هذه القصيدة بوصفها نصًا لغويًا فحسب، بل تُعاش كتجربة وجودية، يصبح فيها الشعر حقًا خبزًا خفيًا للروح، وقوتًا دائمًا للوجدان.
الصديق الشاعر والكاتب المتميز صالح مهدي محمد
أسعدني ما قرأت في رؤيتك لقصيدتي
وأسعدني اختيارك لهذا النص تحديدا ، فشكرا لانتباهك له.
قراءة أنيقة كقلمك، وعميقة كفكرك، وممتعة كأسلوبك في الكتابة.
شكرا من القلب صديقي الرائع.
حنان عبد القادر.