اللوحة: الفنانة الإنكليزية نيكي هير
محمد جودي

الْمَمَرُّ
لعلَّ المَمَرَّ هو عُسر المكان، عَجزه عن إتيان البَدْء أولًا، حيرةُ كيف يبتدئُ المكان، فكانَ المَمرُّ.
ليسَ الممرُّ مكانًا راسخًا رسوخَ الأمكنة، وليس هو طريقًا أيضًا، لا فضاءات للتعطُّل فيه ولا رحابة للذاكرة، للممرات ذات الملامح من ضيق الصدر والدهان المتقشر، ذات الانكسارات والمتاهات، وذات مخارج الطوارئ بأبوابها المقفلة دومًا، والرائحة ذاتها.
يمتثلُ الممرُّ لصورةٍ واحدةٍ، ممرٌّ واحدٌ، خافتُ الإضاءة، متقاربُ الجدران، ولعلِّي لمْ أنتبه لممراتٍ شديدة الإضاءة إلَّا في المشافي، التي هي بدورها ممراتٌ ومسالكُ بين الحياة والموت.
قدْ يطولُ المَمرُّ، يلتفُ حول نفْسه ويبدأُ من حيث انتهى، دونَ أنْ تنتبهَ وأنتَ تجتازهُ، تأخذك الجِهَة على سبيل الحَدس، لا يسعك سوى أنْ تعبر، أنْ تخرجَ منه إلى المكان أو الطريق، لأنَّ المَمَرَّ ليس أيًّا منهما.
طاولةٌ لشخصٍ واحدٍ
الطاولةُ التي تكفي لشخصٍ واحدٍ، لا تعجُّ بالغائبين، تريحك من الانتظار وهوس الترقبِ، دون حديثٍ أو إصغاء، متروك في بياض المحارم وانطواءات المنديل، تقابل فراغكَ في كرسيِّهِ الشاغر أمامك، وجهًا لوجه، وبينكما يدورُ صمتٌ ونظراتٌ تخرِقُ الجالس وفراغهُ، في ركن المكان الآخر.
شيءٌ وراء المكان وصمتهِ، يتساقطُ من الطاولةِ شيئًا فشيئًا، وراء الزحمة وحركة النُّدل السريعةِ، وما يُرفَع من الكؤوس ويهبط، حتى تبدو الطاولةُ بلا أحدٍ، فراغٌ يشغلها وحدَهُ.
لو كُنتَ تتحدثُ أو تنصتُ لتُحرِّك الساعةَ، لتدفعَ الرُّكام إلى طرف الطاولة الآخر، لتهيَّج غُبار المسافة بين الاثنين، لكنَّ طاولةً تكفي لشخصٍ واحدٍ ليبسط يدَيه، كأنَّهُ يُفلتُ شيئًا أو يمسكه في الفراغ، تكفي لوجبةٍ وكأسٍ ومنفضةٍ وهاتف، ويدَينِ حائرتَين، ندماء الجالس وحدهُ.
يتساءلُ لأنَّهُ نسيَ، كيف تبدأُ الأشياءُ لتنتهي مثل كل مرةٍ يأتي هنا، كأسهُ التي لا تحفظُ الثلج، ومنفضةٌ لا تتركُ اللحظة إلا رمادًا.