الأشياء.. وصورةٌ جماعيَّة

الأشياء.. وصورةٌ جماعيَّة

اللوحة: الفنان الإسباني ماريانو أغيلار مالويندا

 محمد جودي

الأشياء

باقيةٌ هي الأشياءُ ومتوحدةٌ، متوقدةٌ كأشجار الميلاد، تختار زاويةً في البيت أو ركنًا في الكراج لتعيش معنا، تدخل حياتنا بكل عنفٍ ورغبة، لتشهدَ مصائرنا بصمتٍ. 

نأتي بها، نكركبها، نجمعها، ندخلُ المَنْزل محملينَ بأوزانٍ منها، كثيرةٌ ومتشابهة بحوافها وأشكالها وأصوات تحطّمها على الأرض، حاضرةٌ وغائبة، نُدوِّن القوائمَ بأسمائها، نحفظها، نطلبها من بعيدٍ لتأتي بصناديق، تملَأُ المنزل وتتخذُهُ عَرشًا دائمًا، حتى يبهت لونها ويصبح الغبارُ جزءًا منها.

نأتي بالأشياء ونصفُّها قرب بعضٍ، نعلقها، نفرشها، نودعها الأدراج، بعضها لنْ نستعمله، بعضها نتخلى عنه أو نتركهُ في مكانه ونرحل، تمرُّ في حياتنا كمشاهد الحلم المكررة، التي يراها الشخص ذاته بالأشكال ذاتها.

تذهبُ وتأتي الأشياء وتتجدّد ونحن أيضًا نذهب لكن دون عودة، نفقد غَرضًا معيَّنًا منها، فنهمُّ باحثين عنه، أو نستبدله بآخرٍ، لكنها لا تفتقدنا ولا تهجس بغيابنا ولا رغبة لها باستبدالنا، مستغنيةً بالفراغ العميم وخلو المكان مِنَّا، هامدةٌ في أماكنها، ضاجَّةٌ بنفْسها حَدَّ الملل.

صورةٌ جماعيّة

نَستعيدُ الألبوم، ونتساءلُ عن بقية حياتنا: أينَ نَجدها؟ الذين كانوا معنا في الصورة، كيفَ نفسِّرُ لهم شغورًا عميقًا حلَّ في الصدر والصوت؟ كيف نحكي عن يباس الجوهر وعن تلك الصورة التي جمعتنا بهم؟ كانتْ الخاتمة.

صورة أخيرة دونَ أنْ يحدثَ بعدها شيءٌ أو حدث بعدها كل شيءٍ، حيثُ يقف أحدنا مائلًا برأسه قُرب حافتها، حافة النهاية.

في الذاكرةِ البعيدةِ، طيفٌ لكل ما انتهى، يعيشون فيه بلا وجوه وأسماء، وبوسعنا أنْ نطمئنَّ عليهم من بعيد.

صورتهم إلحاحٌ في الذاكرة، تعدٍّ على الصمت المُريح بالنسبة لنا، تُظهِرُ عَجْزنا أمامَ تذكُّر أغلب الأسماء، أمام وجوههم المكشوفة بالكامل، وأمام الرفيق الذي نطوقه بذراعنا دونَ أنْ نَعرف اسمه الآن، كأننا لم نكن بينهم مَرةً.

اترك رد