اللوحة: الفنانة الإنجليزية أنجيلا إدواردز
لا أحد يعلم بالضبط متى تبتدئ الكآبة، لكن الجميع يعرفون كيف تستقر في الروح: كحجرٍ قديم في قاع بئر.
كنتُ في منتصف الجسر وكانت المدينة تلفظ أنفاس اليوم الأخيرة. ليس الغسق إلا محاولة الشمس الأخيرة لتأجيل الظلام، لكنها تغرب على أية حال. هكذا هي الأشياء التي نظنها انتهت؛ نضع لها شواهد قبور، وننقش عليها تواريخ الوداع، ثم نكتشف بعد سنوات أننا لم نكن ندفنها… بل كنا نغرسها.
ليست الندبة أثر جرحٍ برئ، بل هي الدليل الدامغ على أنه كان هناك، وأنها بطريقة ما… لا تزال تتنفس.
قالت لي ذات يوم، وهي تتلفع بمعطفها في ليلة خريفية قارسة:
«كل بداية تحمل في رحمها نهايتها، لكن الخطيئة الحقيقية هي أن نعتقد أن النهاية جدار.»
لم أفهم كلامها حينها. كنتُ صغيراً بما يكفي لأعتقد أن الفراق يعني العودة إلى نقطة الصفر. لكنني اليوم، وأنا أفتش في أدراج المكتبة القديمة، أجد ورقة مطوية سقطت بين صفحات كتاب لم نكمله أبداً. باهتٌ هو الحبر، واصفرّت الورقة، لكن الكلمات تنبض بالدفء ذاته الذي كُتبت به قبل عشر سنوات.
هل انتهت تلك القصة حقاً؟ وإذا كانت قد انتهت، فما الذي يجعل قلبي يقفز الآن كطفلٍ مذعور؟
في المحطة، لا تتوقف القطارات لوداع أحد. تأتي لـتأخذ، أو لـتُنزل ركاباً آخرين.
جلستُ على الدكة الخشبية المتهالكة، أراقب ملايين البشر الذين يمرون كل يوم. كان كل واحدٍ منهم يحمل في حقيبته نهايةً ما: حباً مطروداً، أو حلماً معلقاً، أو شخصاً رحل دون سببٍ واضح.
يعتقد الناس أن الرحيل موتٌ صغير، لكن الحقيقة هي أن الرحيل هو الشك الأكبر. أن تظل تسأل نفسك: هل يبكون كما نبكي؟ هل ينظرون إلى السماء المظلمة في اللحظة ذاتها؟ النهاية الحقيقية تتطلب النسيان، والنسيان فضيلة لا يملكها العشاق ولا الشعراء.
كتبتُ لها رسالة لم أرسلها أبداً:
«يا رفيقة الفقد..
لا ننتهي لأننا نبتعد، بل ننتهي عندما نكف عن الحنين. وأنا، للأسف، لا أزال أشعر بوجودك في أركان الغرفة. في رائحة القهوة المحترقة هذا الصباح، وفي الفترات الطويلة من الصمت التي تتخلل أحاديثي مع الآخرين. أنتِ لستِ الماضي؛ أنتِ الحاضر الذي يصر على أن يرتدي رداء الغياب.»
وضعتُ الرسالة في صندوق خشب الصندل، الصندوق الذي يحفظ العشرات من أمثالها. صندوقٌ ليس إلا مقبرةً لكلماتٍ حية.
في منتصف الليل يبدأ المطر بالهطول. قطراتٌ منتظمة تطرق زجاج النافذة كأصابع تبحث عن مأوى.
الذكريات كالماء: تجد دائماً طريقاً عبر أصغر الشقوق. يمكنك أن تغلق الأبواب، وتغير رقم الهاتف، وتنتقل إلى مدينة لا تعرف فيها أحداً، لكن كيف تفر من صوتٍ يتشكل في عقلك كلما حل الصمت؟
النهايات التي نتوهم أننا أغلقنا دفاترها تعود دائماً على هيئة أسئلة بلا إجابات.
لقيتها مصادفةً في زقاقٍ ضيق كان يألف ظلال المساء.
لم نصرخ، ولم نتبادل العتاب، ولا تساقطت دموع درامية. مجرد توقف. حيينا بعضنا ببرودٍ مستعار، وسألنا عن الأمور العادية: العمل، والصحة، والطقس الغائم.
لكن الأعين كانت تخوض حرباً أخرى. كانت هناك لغة كاملة تُحكى تحت الصمت. عرفتُ حينها أن النهايات ليست لحظة انقطاع حاد، بل جريانٌ مستمر. كنا شخصين قد أغلَقا الصفحة، لكنهما يحملان في داخلهما نبضاً ينفي تلك النهاية.
سألتني: «كيف حالك؟»
أجبتُ بابتسامة باهتة: «بخير.. بالقدر الذي يُسمح لي به للمضي قدماً.»
قالت وهي تنظر بعيداً: «لم نخطئ، كل ما في الأمر أننا وصلنا إلى الحد الذي لم تعد الغيمة تحمله من المطر. كان علينا أن نسقط.»
تأملتُ كلامها. ليس السقوط نهاية المطر، بل هو بداية الحياة للأرض التي يستقر عليها. ربما كانت نهايتنا هي الطريقة الوحيدة ليبقى شيءٌ منا حياً في مكانٍ آخر.
الشاعر لا يبرأ من قصائده، والعاشق لا يبرأ من نهاياته.
كلما حاولتُ كتابة نص جديد، أجدكِ تتسللين بين السطور. أردتُ الكتابة عن البحر، فكتبتُ عن عينيكِ. أردتُ وصف الوحشة، فوصفتُ ليلتي الأخيرة معكِ. أنتِ لستِ موضوعاً للكتابة، أنتِ الحبر الذي أكتب به.
وكيف لنهايةٍ أن تكتمل، إذا كان الحبر يرفض أن يجف؟
يُقال إن الوقت يتكفل برتق الأرواح المكسورة. هذا نصف حق. الوقت لا يرمم؛ إنه يعلمنا فقط كيف نعيش مع الكسر دون أن نصرخ. يمنحنا القدرة على الابتسام ونحن نحمل في أضلعنا جثة أملٍ قديم.
أنظر إلى ساعة الحائط. تدور العقارب في دائرته المفرغة، لا تتوقف، لكنها تعود دائماً إلى النقاط ذاتها. هكذا هي نهاياتنا: دوائر مكتملة من الحنين، نتوهم أننا خرجنا منها، لنكتشف أننا في مركزها تماماً.
الآن ينسحب الليل ببطء، تاركاً المجال لضوء رمادي باهت.
أغلق صندوق الخشب، وأضع القلم جانباً، وأنظر من النافذة. تبدأ المدينة بالاستيقاظ، ويخرج الناس بحثاً عن بدايات جديدة، غير مدركين أنهم يجرون خلفهم أذيال نهايات لم تكتمل بعد.
لن أقول وداعاً، فالوداع كلمة للمسافرين الذين لا يعودون. وأنتِ لم ترحلي قط حتى تعودي.
سأترك الباب موارباً، لا انتظاراً لكِ، بل احتراماً لنبضٍ يصر على ألا يموت… بدايةٌ أخرى تبدأ الآن، تنبض بالحياة.
