اللوحة: الفنانة الهولندية نيكي ديكورت
أدب ما بعد الخراب
في لحظة يتحول فيها الأدب العربي إلى نشرات إخبارية موجعة أو إلى شعارات، تختار جميلة وهبان طريقاً ثالثاً. بين 15 يونيو و12 أغسطس 2026 نشرت 9 نصوص نثرية على منصات التواصل، شكلت مجتمعةً ما يمكن تسميته “أنثروبولوجيا الحنين”.
لا تكتفي وهبان بالبكاء على الأطلال. هي تقوم بتفكيك آليات الحنين نفسها، وتسأل: لماذا نحتاج أن نتذكر؟ وماذا نفعل بالذاكرة في زمن يريدنا أن ننسى؟
هذه قراءة نقدية في بنية نصوصها ولغتها ووظيفتها.
أولاً: البنية – ثلاثية الزمان: الطفولة، الجامعة، الآن
تشتغل النصوص على قوس زمني واضح، لكنه غير خطي:
1. زمن الطفولة: جوارب العيد.
هنا الفرح “يأتي راكضاً على أطراف جوارب بيضاء”. الطفولة ليست نوستالجيا، بل معيار. “اكتشفنا أننا لا نشتاق للجوارب، بل للبياض الذي كان يسكن قلوبنا”. الطفولة عندها هي الحالة الصفر للإنسان قبل أن تلوثه “عباءة الجدية”.
2. زمن التكوين: في حضرة العمر الذي كان
الجامعة ليست مؤسسة تعليم، بل “رحم”. المكان هنا يلدنا مرتين. الخروج منها كان “بشهادة في اليد وأحلام في القلب”، والعودة إليها كانت “زيارة للفتاة التي كنتها”. المفارقة المركزية: “كنت أظن أنني أخذت نصيبي من المكان، لكنني اكتشفت أن المكان هو الذي أخذ نصيبه مني”.
3. زمن الآن: القعقاع الفتى الطائر، من خلف الكواليس.
حيث يسقط القناع. وهنا يحدث الانكسار الأكبر. من “دهشة البدايات” إلى “موت ونحن نحاول أن نحيا”.
هذه الثلاثية تمنح المشروع تماسكاً روائياً رغم أنه نصوص متفرقة.
ثانياً: اللغة – بلاغة “الحفاء”
تتعمد وهبان “تجريد اللغة من ربطة العنق” كما تقول في “حين تبتسم الثقافة”. سمات لغتها:
1. التكرار الإيقاعي
“حين يأتي المطر”, “هناك خلف كواليس الأرواح”. التكرار هنا ليس عجزاً، بل طقس. كأنه استدعاء للكلمة كي تحضر.
2. الاستعارة المركزية
أنسنة كل شيء. الباب “قلب عجوز”، الغيم “يحمل رسائل”، الذاكرة “تمشي أمامي”. العالم عندها ليس أشياء، بل ذوات تنتظر من يفهمها.
3. الخاتمة المقلوبة
كل نص ينتهي بجملة تقلب السطح. “لم أزر جامعتي… بل زرت الفتاة التي كنتها”. “نحن لا نموت بالرصاص وحده”. هذه التقنية تجعل النص يرنّ بعد الانتهاء منه.
فإذا كانت أحلام مستغانمي تكتب من منفى الجغرافيا، فإن جميلة وهبان تكتب من منفى الزمن.
ثالثاً: الثيمات الكبرى – 3 مقاومات
1. مقاومة النسيان: “ذاكرة القلوب”
في “في ذاكرة القلوب“ و“مالم يقله الغيم“، الذاكرة ليست فعلاً فردياً. هي فعل أخلاقي. “الأبواب قد تُغلق، لكن آثار العابرين تبقى”. المطر عندها لا يغسل، بل “يُعيد إلينا ما أخذه الغياب”.
هذا رد على خطاب الحرب الذي يريد اختزال الناس إلى أرقام.
2. مقاومة التصلب: “حين تبتسم الثقافة”
نص إشكالي ومهم. تهاجم فيه جميلة وهبان “مثقف الجنازة الدائمة”. تطالب بثقافة “تبكي أحياناً وتضحك أحياناً”. الأطروحة: “الروح الخفيفة لا تعني عقلاً خفيفاً”.
هذا نقد ذاتي للخطاب الثقافي العربي الذي حوّل المثقف إلى “منصة لإلقاء الأحكام”.
3. مقاومة الموت: “القعقاع” كرمز
نص “القعقاع الفتى الطائر“، هو قلب المجموعة النابض بالألم. ينتقل من “الجوارب” إلى “الفتى الذي يغزل من عروقه حبالاً”.
القفزة درامية ومقصودة. تقول: لا يمكن أن نتحدث عن الحنين دون أن نتحدث عن من يدفع ثمنه.
“سبايدر مان اليمن” ليس بطلاً، بل ضحية. سقوطه “يعلن أن الفقر هو البركان الأكبر”.
رابعاً: الإشكالية – هل الحنين فعل سياسي؟
هنا مربط الفرس. هل نصوص وهبان هروب أم مواجهة؟
الجواب في نصها “عن أولئك الذين يسكنهم الضوء“. تدافع عن “النقاء كاعتذار جميل من الحياة”. النقاء هنا ليس سذاجة، بل موقف. في عالم “يحمي الجميع أنفسهم بدروع من الحقد”، أن تمشي “حاملاً زهرة صغيرة” هو فعل تمرد.
وهبان لا تنكر الخراب. هي فقط ترفض أن يكون الخراب هو كل الحكاية.
ما أود أن أقوله هنا أن كتابة الكاتبة الأصيلة وهبان تتجلى كـ “ضماد لا يُرى”
تقول في “في ذاكرة القلوب“: “الكلمة الطيبة ضماد لا يُرى”. وهذا ما تفعله بالضبط.
نثر جميلة وهبان ليس أدباً للمتعة. هو أدب للبقاء. “زاد يكفيني لما تبقى من الطريق”. في زمن يتسابق فيه الجميع على من يصرخ أعلى، تختار أن تهمس. وفي زمن نريد فيه إجابات كبرى، تذكرنا بـ”جوارب العيد”.
ربما لهذا السبب تحديداً، وصلت. لأنها خاطبت فينا “الإنسان الذي لم يمت بعد رغم كل شيء”.
