اللوحة: الفنانة المجرية سابرينا ماهاريتا
كان صخب الشارع يتسلل كهمس بعيد، عاجزاً عن اختراق النوافذ الزجاجية المغلقة لغرفة “إياد”. كان الرجل، ذو الأربعين عاماً، يجلس أمام أربع شاشات ضخمة تسقط ضوءاً أزرق بارداً على وجهه المنهك. كانت الشاشات تعرض رسوماً بيانية في حركة مستمرة، خطوطاً حمراء وخضراء تتأرجح بحَدّة، ومؤشرات مالية لا تهدأ. لم تكن تلك الشاشات بالنسبة لإياد مجرد أدوات عمل في سوق الأسهم، بل كانت الجدار الواقي الأخير الذي أقامه بينه وبين العالم.
ممسكاً بكوب القهوة الذي أصبح بارداً، كان يراقب حركة الأسهم دون أن يبدي أي تفاعل عاطفي؛ لا فرح بالارتفاع، ولا هلع عند الهبوط. على مدى السنوات الخمس الماضية، أتقن فن تحويل كل تفاعل بشري إلى معادلة رياضية جافة. كانت الأرقام ملجأه الآمن: منطقية، صارمة، ولا تدع مجالاً للمشاعر المفاجئة أو الخيبات غير المتوقعة.
في تلك الغرفة شبه المظلمة، كان إياد يمارس طقسه اليومي في التخدير. لم يكن يتعاطى أدوية أو مواد كيميائية، بل كان يحقن نفسه بجرعات هائلة من البيانات، وساعات عمل شاقة تمتد لـخمس عشرة ساعة متواصلة. كان يغرق في أدق التفاصيل اللامهمة كي يستنزف أي طاقة ذهنية قد تعيد فتح صفحات الماضي، مغلفاً عقله بضباب من الأرقام كي لا يمنح أفكاره حتى دقيقة واحدة من الهدوء.
ارتدى إياد معطفه الداكن وخرج من الشقة. في المصعد، وقف جامداً يتطلع إلى صورته المنعكسة في المرآة الجانبية: ملامح مسترخية، عينان خاليتان من الشغف، وشعر تتخلله خصلات رمادية. وما إن وطأت قدمه الشارع المزدحم، حتى وضع سماعات العزل الصوتي. انسابت منها موسيقى كلاسيكية هادئة عملت كحاجز يمنعه من سماع جلبة الحياة حوله: الباعة الجوالون، آلات تنبيه السيارات، وضحكات المارين.
كان يمشي في المدينة كطيف مُبرمج لاتباع مسارات محددة. يقضي حاجاته بنفس الروتين الآلي، يدفع الحساب دون أن يرفع بصره ليلتقي بعيني أمين الصندوق، ثم يعود مسرعاً إلى عزلته الذهبية. ترجع جذور هذا التبلد النفسي إلى حادث أليم وقع قبل سنوات، عندما أطارت أزمة مالية حادة بالمشروع الذي كرس له شبابه، بالتزامن مع نهاية قصته العاطفية الوحيدة.
ولّدت فيه تلك الصدمة المزدوجة يقظة قاطعة: المشاعر هي مصدر الألم، والاندماج في الواقع هو الخطوة الأولى نحو الهزيمة. قرر حينها إغلاق كل المنافذ الحسية، مفضلاً العيش في منطقة محايدة بلا فرح ولا حزن، بلا أمل ولا يأس. ومع اعتقاده بأنه يحمي نفسه من جراح جديدة، لم يدرك أنه اختزل وجوده إلى مجرد وظيفة بيولوجية خالية من أي نبض حقيقي.
حلّت ساعات الليل، وهي الأشد قسوة على من يمارس التخدير الاختياري. عندما تباطأت حركة الأسواق المالية، وجد إياد نفسه في مواجهة الصمت الكثيف الذي يلف المنزل. وهنا بدأت المرحلة الثانية من استراتيجيته الدفاعية: الغرق في ماراثون من المحتوى المرئي على الشاشات الكبيرة، دون ترك لحظة واحدة فارغة للتفكير.
جلس على الأريكة الجلدية، يتابع الوثائقيات والمسلسلات التلفزيونية متواصلة. لم يكن المحتوى يهمه كثيراً؛ كان المهم هو إبقاء الشاشة مضاءة والعقل مشغولاً بأصوات وصور خارجية. كان يتجنب الرد على اتصالات أصدقائه القدامى، وتراكمت لديه رسائل أقاربه دون أن يقرأها. وكان يختلق أعذاراً مستمرة تتعلق بضغط العمل ليتملص من أي مناسبة عائلية أو تجمع اجتماعي.
في ذلك المنزل، كان الأثاث يبدو كأنه محنّط: المجلات في نفس مكانها منذ أشهر، الأطباق تُغسل فوراً كي لا تترك أثراً للحياة، والستائر مسدولة باستمرار لمنع الشارع من انتهاك تلك القوقعة. تحولت شقته إلى شرنقة من الرماد، يقطنها كائن لا يتصل بالعالم الخارجي إلا عبر كابلات الإنترنت ومنصات التداول، معتقداً أنه نجح في ترويض الحياة بإبقائها خارج حدوده.
في صباح يوم ثلاثاء ممطر بغزارة، انكسر هذا الروتين الصارم على نحو غير متوقع. تسببت عاصفة مفاجئة في انقطاع التيار الكهربائي عن الحي بأكمله. انطفأت الشاشات الأربع في الحال، تاركة إياد في ظلام دامس وصمت جنائزي. حاول تشغيل مولد الطوارئ، لكنه اكتشف أنه معطل. ولأول مرة منذ سنوات، وجد نفسه وجهاً لوجه مع الصمت المطلق داخل بيته: لا أرقام، لا شاشات، ولا موسيقى في السماعات.
بدأ القلق يتسلل إلى جسده. هذا الصمت الذي طالما هرب منه أصبح الآن يحاصره من كل جانب. وإذ جلس على الكرسي ممسكاً بمسنديه بقوة، شعر بدقات قلبه المتسارعة وأفكاره التي تفجرت كأنها نهر جارف بعد انهيار السد. ذكريات الخيبات القديمة، وجوه الأشخاص الذين خذلهم أو ابتعد عنهم، والأسئلة المعلقة حول معنى هذا الوجود، طفت كلها على السطح دفعة واحدة.
وللهرب من هذه الهشاشة الذهنية المفاجئة، ارتدى معطفه، وأخذ حاسوبه المحمول، وقرر الخروج بحثاً عن مكان تتوفر فيه الكهرباء والإنترنت لاستئناف العمل. سار بخطوات سريعة على الطريق المبتل، تملكه انزعاج شديد لأن درعه الواقي أظهر – ولأول مرة – شرخاً واضحاً.
دخل إياد مقهى هادئاً في أريكة الشارع. كان المكان يفوح برائحة القهوة المحمصة ويدفئ الأجواء، بينما كانت قطرات المطر تضرب الزجاج العريض. اختار طاولة في أبعد زاوية، وسارع بفتح حاسوبه محاولاً الاتصال بعالمه الرقمي، لكن الشبكة كانت بطيئة جداً مما منعه من الانغماس الفوري في العمل.
وبينما كان ينتظر تحميل الصفحة، وقعت عينيه رغماً عنه على الطاولة المجاورة. كانت تجلس هناك شابة تدعى “رانيا”، تنبعث منها طاقة غريبة تتناقض تماماً مع هالة إياد الانطفائية. كانت ترسم في دفتر كبير، وتتوقف بين الحين والآخر لتنظر عبر النافذة تتابع حركة المظلات الملونة وتستمتع برشفة من الشاي الدافئ.
لاحظت رانيا نظرات إياد الشاخصة والمتشنجة المرتسمة على وجهه. لم تكن نظرة بحث عن تواصل، بل نظرة غريق يتطلع إلى الشاطئ المقابل. ابتسمت له ابتسامة خفيفة، لكنه سرعان ما أدار وجهه، مجبراً نفسه على التحديق في شاشة الكمبيوتر التي واصلت الدوران في فراغ.
استمر المطر في الهطول، وظل إياد أسيراً لمحاولاته الفاشلة في الاتصال، شعوراً بأنه مشاهد غريب عن هذا العالم. كان يراقب الحياة داخل المقهى: أشخاص يتبادلون الأحاديث بدفء، آخرون يضحكون، وأزواج يتشاركون المشروبات. كان الجميع يبدون مشاركين ومتصلين باللحظة الحاضرة، بينما بقي هو على هامش الزمن، محصناً بمخاوفه ومتجمداً في أفكاره.
استعدت رانيا للمغادرة؛ جمعت أدوات الرسم، أغلقت الدفتر، وارتدت معطفاً أصفر أضفى لمسة دافئة على تلك اللوحة الرمادية. وقبل أن تتخطى العتبة، وقفت للحظة بجانب طاولة إياد. وضعت ورقة صغيرة مطوية بجوار كوبه، وأهدته ابتسامة هادئة أخيرة ثم مضت دون أن تنطق بكلمة.
حدق إياد في الورقة بحذر، وكأنها جسم غريب قادر على تهديد نظام عالمه المثالي. تردد لعدة دقائق قبل أن يمد يده ويفتحها. احتوت الورقة على رسم سريع لرجل يشبهه بدرجة مذهلة، يجلس داخل صندوق زجاجي سميك وممسكاً بدرع حاد بين يديه. وتحت الرسم، كتبت بخط واضح:
“العيش داخل صندوق زجاجي يمنع الصدمات بالتأكيد، ولكنه يحرمك من نسيم الحياة، ويجبرك على مشاهدة العالم دون أن تعيشه أبداً.”
كان لهذه الكلمات المكتوبة تأثير أعمق بكثير مما يتوقع. كانت تشخيصاً دقيقاً ومباشراً للحالة التي طالما أسماها “الحماية الذاتية”. وهو يتطلع إلى الرسم، رأى نفسه بوضوح تام: رجل تحصن في مجرة من صنعه كي لا يتألم، ولكنه بذلك ألغى أي فرصة لشعور بالفرح أو الدهشة.
أغلق الحاسوب فجأة، متخلياً عن فكرة الاتصال. جلس في صمت يستمع إلى صوت المطر وهو يلف المقهى، وصرير الكراسي، وهمس الطاولات المجاورة. اكتشف أن هذه الأصوات لم تكن تؤذيه كما كان يتوهم، وأن العالم الخارجي لم يكن ساحة معركة دائمة كما صور له عقله الخائف.
بدأ مفعول التخدير النفسي يتلاشى تدريجياً. عادت صور خيباته القديمة إلى ذهنه، لكنه هذه المرة لم يحاول دفنها تحت أرقام التداول؛ تركها تمر، شعر بمرارتها المتبقية، وقبل وجودها. اعترف لأول مرة بحجم الوحدة التي فرضها على نفسه، وبالسنوات التي أهدرها في مطاردة وهم الأمان المطلق.
دفع إياد الحساب وخرج من المقهى. هذه المرة تجنب ارتداء السماعات، تاركاً إياها في جيبه. وقف عند العتبة يتطلع إلى الشارع المبتل؛ لم يرفع غطاء الرأس ولم يفتح المظلة. خطا خطواته الأولى على الرصيف، تاركاً قطرات المطر الباردة تبلل وجهه وثيابه مباشرة.
أحدث شعور البرودة على بشرته قشعريرة قوية، وكأن حواسه الخدرة بدأت تستيقظ دفعة واحدة. استنشق هواء المدينة الرطب المترع برائحة التراب والأسفلت، واستمع إلى معزوفة الشارع بكامل أبعادها: خطوات المشاة، آلات التنبيه البعيدة، ونقر الماء على أوراق الشجر.
لم يعد المطر مجرد خطوط مائية يراقبها من خلف زجاج البيت، بل واقعاً ملموساً يتفاعل معه. أدرك إياد في تلك اللحظة أن الألم والهشاشة جزء لا يتجزأ من التجربة الإنسانية، وأن المخاطرة بالخطأ أفضل بمليون مرة من الانسحاب من الحياة والموت البطيء تحت تأثير النسيان.
عاد إياد إلى شقته. كانت الكهرباء قد عادت، وعادت الشاشات الأربع للعمل، معلنة من جديد عن الرسوم البيانية والأرقام المتحركة. لكنه هذه المرة نظر إليها بمنظور مختلف تماماً: لم تعد معبداً يلجأ إليه، بل مجرد أدوات عمل لها حدود وساعات محددة.
اقترب من المكتب وأطفأ ثلاث شاشات متتالية، أبقى على واحدة فقط وللضرورة القصوى. فتح النوافذ التي ظلت مغلقة لأشهر، سامحاً للهواء النقي ورائحة المطر بأن تغمر الغرفة، جارفة معها ركود الأيام الماضية والصمت الثقيل الذي هيمن على البيئة.
أمسك بالهاتف في يده وفتح قائمة الرسائل المهملة. تردد للحظة، ثم بدأ بالرد على أصدقائه القدامى، كاتباً كلمات بسيطة تعبر عن رغبته في رؤيتهم ومقترحاً لقاءً قريباً. لم يعد مواجهة الماضي أو الحاضر تشكل تهديداً؛ لقد فهم أن معاناته الحقيقية لم تكن تنبع من الفشل السالف، بل من استمراره في العيش داخل خدر اختياري يحرمه من حاضره.
مرت أسابيع عدة منذ ذلك اليوم الممطر. تغير وجه شقة إياد: أصبحت الستائر تُفتح كل صباح لتدخل الشمس، ووجدت بعض النباتات الخضراء مكانها في غرفة المعيشة ليعتني بها، كرمز لحياة جديدة تنمو ببطء. لم يعد العمل يبتلع يومه بالكامل؛ وضع جدولاً منتظماً، وما إن ينتهي حتى يخرج للسير في شوارع المدينة أو القراءة في الحدائق.
كان يجلس الآن على مقعد في حديقة عامة، ممسكاً بكتاب، يراقب الأطفال وهم يلعبون والمارة يتبادلون أطراف الحديث. وفي جيبه، كان يحتفظ بالورقة التي تركتها له رانيا؛ لم يكن بحاجة لقراءتها مجدداً، فقد انطبع معناها في وجدانه. زال مفعول المخدر تماماً، ومعه الخوف المجرد من الفشل أو الحزن.
تنفس بصلابة، مستمتعاً بدفء شمس الظهيرة على يديه. ابتسم لنفسه ابتسامة حقيقية لم ترتسم على شفتيه منذ زمن طويل. كان يعلم جيداً أن الحياة لن تخلو من العقبات، وأن المستقبل سيحمل معه لحظات من الضيق كما سيحمل الفرح، ولكنه الآن مستعد لمواجهتها بقلب مفتوح. لقد استعاد الشجاعة للشعور، وعاد أخيراً ليعيش.
