الغياب.. والصوت

الغياب.. والصوت

اللوحة: الفنان الأمريكي أندريس سيرانو

 محمد جودي

الغياب

ثمةَ في اللغة متسعٌ لمواراة الشخص قبلَ كلِّ شيء، تبطلُ الأسماء وتختلف النبرة.

يحدثُ ثقبٌ صغيرٌ من جِهَة القَلْب أو كدمة في الرأس، ارتخاءٌ مفاجئٌ في العينَين، حتى يتغيرُ كلُّ شيء، في اللغةِ لا قيمة لكومة الأنسجة والغَضاريف النائمة على النقَّالة، تتخلَّصُ اللغة من الجسد قبل الزوجة والأبناء، تهجس بالموت قبْلَ الجميع وتكتشفُ أمره، تنزع اسمه وهويته المدموغة بالأختام، وتُبطِل جلالة المُنادى.

لا ندري حين نقول “جثة فلان” أنناَ ندفعُ عنه تهمة الغياب أكثرَ من كونه قولًا بريئًا، كأنَّ الكلام عن الجثة وليس عنه.

لكنَّ الجسد لا يزال ينجو ويحفظُ لونه حتى لو بدا بلا حراك وتخلصتْ منه اللغة، حتى لو كان بحجم قبضةٍ وأخف من الهواء، لأنَّ الرماد دلالتنا الوحيدة على ذلك، لا زغللة في العينِ ولا اضطراب في الأنفاس، يُسمَعُ منه وقوع الأشياء، كل ما ينتهي إليه الجسد هو سكنةٌ فقط، سكنةٌ نكون فيها قريبين من الأرض، وتهمةٌ نَدْفعها عن الشخص الذي ما عادَ موجودًا، مختفيًا من اللغة قبلَ كل مكان.

الصَّوت

في الهاتف، يغيبُ الوجهُ ويحضرُ الصوتُ، الوجهُ البعيد الذي يبعث بصوته وارتجافة عروقه وإنْ كانَ هادئًا أو مَخْرومًا وعلى أيِّ درجةٍ يقفُ في مقاييس الوحدة، نتلمسُ الصوتَ كأول مَرَّةٍ نسمعه فيها، صوتُ الحكاية وهي تبدأُ ليلًا في مهادنا حتى تتلاشى مع النوم.

يغادرُ الصوتُ، لكنهُ لا يغادرنا، يظلُّ في الطَّنين والمكان والحديث الذي نخوضه وحيدين عن الاشتياق والموحِش بعد الأليف.

نصحو لأنَّ البثَّ البعيد ينقطعُ والسكون يَحلُّ في الجانب الآخر من الهاتف، لأن طائرًا يعلو فوق الصمت ويُكسِّرُ الموجة في هذا الليل.

اترك رد