اللوحة: لفنانة البولندية المعاصرة إيفا مازور-كوي
قبل بداية ظهور مفهوم ونموذج وهيئة ”الفيدور” أو الحارس الشّخصي، عاش أفراد جيلي حقبة استئناس طويلة مع حيثيات ثقافة الحارس بمفهومه التّقليدي أو ”العسّاس” حسب المصطلح العامّي المتداول: حارس ضيعة فلاحية (الحرّاز)، حارس ورشة بناء، أو دكاكين تجارية داخل ”الحومة” بواسطة نعت اشتُهر ضمن الأدبيات التّراثية بتسمية ”البيّات” ولازالت صورته تلك حاضرة أمام خيالي، رجل يرتدي جلبابا شتويا قصيرا في حدود الرّكبتين على طريقة بورتريهات الجنود المغاربة خلال الحرب العالمية الثانية، يحمل عصا غليظة في يده اليمنى وقنديلا أو مصباحا في يده اليسرى، يجهّز له أهل الحيّ مبدئيا ركنا عند مدخل الدّرب كي يضع فيها بعض حوائجه التي تعينه على أداء مهمّته.
لكن يظلّ حرّاس فضاءات المدرسة أكثر رسوخا ضمن رمزية هذه الذّاكرة، بل هناك من ارتبط تاريخه بتاريخ مدرسة معيّنة وأجيال تعاقبت على فصولها، لذلك وبمجرّد النّبش خلال جلسة نوستالجية حين التقاء هؤلاء الأصدقاء القدامى حتّى تتّجه بوصلة الحديث مباشرة وقبل كلّ شيء صوب استعادة أسماء هؤلاء الحرّاس عبر مضامين قصص إنسانية عالقة تفاصيلها في الأذهان بكيفية دائمة: السّي لحسن، السّي إبراهيم، السّي المحجوب، مولاي العربي، ابّا التهامي، عمّي الجلالي، إلخ، بل نساء اشتغلن أساسا داخل المطعم المدرسيّ لكنّهنّ تكلّفن بين الفينة والأخرى بتحريك الجرس الحديديّ إيذانا بحلول مواعد الدّخول أو الخروج، ثمّ فتح أبواب المدرسة وإغلاقها وكذا تنظيم شغب التّلاميذ بطريقة أموميّة أكثر تهيّئ من غلواء اندفاعهم.
تطوّر اللّقب والصّورة والوضع، جرّاء تحوّلات ثقافة المجتمع. اختفت نسبيا سلطة الحارس مثلما توارثها الخيال الشّعبي حيث معاني الحنوّ والسّكينة والطّمأنينة، كي يحلّ محلّه مفهوم الفيدور وفق نموذج يجسّد معالم شخصية تتعارض تماما مع السّابقة: العنف، القوّة، البنية الفيزيائية الضّخمة، الدّخل المادّي، الدّونجوانية بحكم حراسته ومصاحبته بنات اللّيل. جملة مواصفات تتباين جذريا مع سمات الحارس الكلاسيكيّ.
عرف فضاء مراكش مع بداية الألفية الثّالثة، بداية تداول شبابها لغويا لمصطلح ”الفيدور” (Le videur) واستساغة نموذجه وتخيّلها وظيفة جديدة لاتضمن فقط لقمة العيش وإن استمرّ الوضع في نهاية المطاف أقرب إلى بطالة مقنّعة، لكن الأهم إمكانية حدوث تفاعل كيميائيّ خلال صدفة ما مع سائحة غربية تشكّل جسرا لانتقال الفيدور وجهة العالم الأوروبيّ. كنتُ بهذا الخصوص شاهد عيان عن أصحاب غادروا المغرب، بعد فترة من اشتغالهم في مسابح بعض الفنادق أو منتجعات سياحية.
أوّل خطوة ضمن هذا السّبيل اقتضت من صاحبها الانتماء غالبا إلى نادٍ رياضيٍّ لكمال الأجسام أو الفنون الحربيّة كي يمتلك بنية جسديّة وكتلة عضليّة، تمنحه مؤشّرات جواز المرور نحو عوالم المهنة وحيثيات تفاصيلها.
عاش أفراد جيلي على بطولات بروسلي وتشاك نوريس ومحمد علي وجاكي شان، شغف ظلّ فقط سينمائيا وخياليا بحيث اقتصرت آنذاك الثّقافة الرّياضية في الغالب الأعمّ على ممارسة كرة القدم أو الجري، أمّا هاجس الذّهاب إلى الأندية والتشبّع بهذه العادة فلم تكن حاضرة أو أضحت حينها تقليدا معتادا، مثلما تبلورت مقوّمات التّقليد فعليا عقد التّسعينيات نتيجة التّأثير القويّ لبعض نجوم السّينما خلال تلك الفترة كما الحال مع ”جان كلود فان دام”، الذي حفّزت أفلامه كثيرا من شباب مراكش في خضمّ ارتيادهم قاعات السينما، كي يسرعوا نحو فنون الحرب والحصول على الحزام الأسود باعتباره المدخل الأساسي لامتهان وظيفة فيدور.
ذات التّجربة اختبر تفاصيلها الشّاب محمد الجبلي الذي فضّل دائما المناداة عليه بالوجدي نسبة إلى انحداره من مدينة وجدة التي غادرها صوب مراكش للعمل كحارس في مؤسّسة فندقية أو سياحية، وخلال شروعه في البحث التقى الحاج حمّان صاحب مقهى ومطعم، فاقترح عليه إمكانية توظيفه بداية ربّما وفق شروط لا تتماهى مع طموحاته المتخيّلة، غير أنّه سيحقّق مكتسب الالمام ببعض حيثيات المهنة ومن ثمّة إغناء سيرته.
لم يكن المطعم من الصّنف الممتاز، بل يوفّر وجبات مختلفة ليلا ونهارا دون توقّف، وقربه المكاني من مراقص وملاهي، مما جعله قبلة مناسبة لزبائن ا للّيل. لذلك، وظِّفَ الوجدي الفيدور قصد تأمينه السّير العام والإبقاء على استباب الأمن والطّمأنينة، والتصدّي لفوضى سلوكات السّكارى والثّمالى. إذن، فيدور يمتلك مؤهّلات تقنيات فنون الحرب، يعتبر حتما الشّخص المناسب تماما لحماية المطعم وزبنائه وعماله.
مع بداية كل صباح ونهاية دوام فريق اللّيل، يحضر الباطرون الحاج حمان، وقبل أيّ شيء، يبادر بتوجيه متواليات أسئلة تهمّ طبيعة الظّروف التي ميّزت أجواء الأمسية المنصرمة:
– ”ألم تحدث مناوشات ليلا؟ سباب، شتائم، خصومات؟ معارك أو محاولة الاعتداء على أحد أو التحرّش بإحداهنّ؟ سمعت بأنّ مطعما عاش قبل يومين فوضى أنهاها الفيدور بقدرات مذهلة صارت عبرة لمن لايعتبر…”.
تتكرّر نفس المداخلة الصّباحية من طرف ربّ العمل. أيضا، يمضي تعليق الفيدور وجوابه دون تعديل يذكر:
– ”الأمور طبيعية للغاية، وإن لاحظت بداية تبلور ملامح وضع غير عادي، أبادر إلى التدخّل بلطف كي أطفئ الشّرارة في مهدها… ”.
يصغي إليه الحاج حمّان وهو يحكّ شَعْره دون أن يحرّك رأسه، ولو من باب التّظاهر بالإصغاء أو مجرّد افتراضه الإقرار بما ورد في كلام الفيدور، لاسيما وأنّ الوضع فعلا على مايرام، والأهم استمرار خدمات المطعم بكيفية عادية.
قبل أن ينهي كلامه يقاطعه رئيسه، كي يضيف:
– ”ألتقيت وأنا في طريقي صاحب مطعم ،فأخبرني بأنّ الفيدور الذي يشتغل عنده كسّر البارحة عظام أحد المتربّصين بالسّير العام وطرده شرّ طردة بحركة الكاراتيه” مَايْ غِيرِي” مباغتة وفعالة، ألهمت إعجاب وتصفيق الحاضرين كأنّهم بصدد مشاهدة فيلم سينمائي !أيضا، صادفت منذ فترة غير بعيدة في المستشفى حارسا بصدد إجرائه بعض الفحوص،و إبّان تجاذبنا أطراف الحديث أخبرني بخوضه كلّ ليلة نزالا حتّى بغير مناسبة دفاعا عن سكينة المطعم وهيبته… !أذكر تلك الأمسية المرعبة حينما كنت وعائلتي داخل مطعم خلال إحدى الأسفار،فلاحظنا وجود فيدور يرهب الجالسين وأنا منهم طبعا بنظراته العدوانية الحادّة وإيماءاته الصّارمة بحيث يتابع ويرصد بدقّة غريبة أنفاس كل واحد مبديا في نفس الوقت تأهّبه الفوريّ نحو خوض معركة تشفي غليله”.
يصغي الفيدور احتراما لرئيسه، دون أن يفهم حقيقة المقصود من كلامه وما الغاية الفعلية من إيحاءاته؟
يعود إلى منزله على وقع تقليب خلفيات هذا الحوار الرّوتيني، متسائلا عن تضمينات كلامه. يعجز ذهنه عن استيعاب الأبعاد المجازية التي تفضي بعد كلّ شيء إلى تحريضه على العراك داخل المطعم كي يثبت جدارة وظيفته حسب تصوّر الباطرون، ولابدّ من تقديمه الدّليل العملي على أنّه محارب فعليا، أمّا روحه الغاندية المسالمة فلا تبدو مقنعة.
هكذا، يجادل الفيدور نفسه متقلّبا على فراش النوم. تتنازعه وتتجاذبه أفكار متناقضة: سيحاول تغيير نهجه وتقمّص شخصية أخرى غير لطيفة، بهدف استمالة رضا الحاج! لكن ماذا لو غابت شروط الوضع الجديد، وقد اعتاد الزّبناء على طريقة تعامله منذ بداية عمله بحيث أظهر أسلوبه نجاحا تواصليا؟ يصعب جدا بجرّة قلم أو بمحض رغبة مسرحية، اكتساء شخصية طارئة غير الأولى الأصيلة مع إتقان الدّور، بغير وقع عميق لآثار صدمة نفسية تخلق ارتجاجا نوعيا؟ هل يمكن افتعال شجارات مجّانية كلّ سهرة بهدف إثبات الجدارة البدنية؟ أينبغي بالضّرورة الانسياق وراء بهيمية الجسد عوض مثالية الذكاء وانسيابيته الرّخوة اللاّنهائية…؟
أسئلة وأخرى، تمزّق خيطها النّاظم بغتة على استفاقة وَقْع قطرات ماء بارد على وجه الفيدور، بالكاد فتح عينيه وبصعوبة بالغة ميَّز ضمن المتحلّقين حوله،رئيسه الحاج حمّان يولول ويصرخ فقد تعرّضت بعض تجهيزات مطعمه للتّخريب، وصبّ لعنات الأرض والسّماء على الفيدور، المغشيِّ عليه أرضا بين الحياة والموت، منذ اللّكمة التي تلقّاها البارحة ليلا من أحد الزّبائن في خضمّ معركة ضارية لأسباب واهية.
