كؤوس الردى وعتبات التناهي

كؤوس الردى وعتبات التناهي

اللوحة: الفنان الجزائري صالح المقبض

أَمَا يَا نَفْسُ قَدْ حَانَ التَّنَاهِي

وَمَا لِلْمَرْءِ مِنْ عُمُرٍ يُبَاهِي

أَرَى الأَكْفَانَ تُنْسَجُ لِلْمَنَايَا

وَأَهْلُ الأَرْضِ بَيْنَ لَهْوٍ وَلَاهِي

وَلَوْ نَفَعَ الْغِنَى فِي الْقَبْرِ رُوحًا

لَأَغْنَى المَوْتُ ذَا مَالٍ وَجَاهِ

فَمَا بَعْدَ الْمَمَاتِ سِوَى حِسَابٍ

وَمَا بَعْدَ الْحَيَاةِ سِوَى التَّنَاهِي

يَسِيرُ المَرْءُ فِي الدُّنْيَا سَرِيعاً

وَيَطْلُبُ مَأْمَناً وَالمَوْتُ دَاهِي

رَعَى رَيبُ الزَّمَانِ النَّاسَ طُرّاً

كَمَا اقْتِيدَتْ إِلَى مَوْتِ الشِّيَاهِي

نُمَاشِي الدَّهْرَ فِي لَذَّاتِ عَيْشٍ

وَنَخْدَعُ أَنْفُسَاً فِيمَا نُدَاهِي

وَتَسْقِينَا النَّوَائِبُ كُلَّ حِينٍ

كُؤُوسَاً بِالرَّدَى وَالْمَوْتِ مَاهِي

فَكَمْ نَقْضِي الزَّمَانَ بِغَيِّ نَفْسٍ

وَفِي ثَوْبِ الضَّلَالَةِ فِي تَمَاهِي

وَنَجْرِي خَلْفَ مَطْمَعِنَا كَأَنَّا

ضَمِنَّا العَيْشَ فِي كَنَفٍ رَفَاهِي

وَنَنْسَى حُفْرَةً ضَاقَتْ عَلَيْنَا

وَنُورُ الصَّالِحَاتِ بِهَا تجَاهِي

تَغُرُّكَ مَنْهَلُ الأَيَّامِ صَفْواً

وَفِي جَنَبَاتِهَا غُصَصُ الدَّوَاهِي

فَكَمْ مِنْ قَبْلِنَا طَارَتْ عُرُوشٌ

وَبَادَ جَبَابِرٌ عَتَوْا نَوَاهِي

مَضَوْا لِلَّحْدِ فُرْدَاناً وَأُخْلُوا

مِنَ الحُرَّاسِ وَالجُنْدِ الشَّوَاهِي

فَأَيْنَ الأَوَّلُونَ وَمَنْ أَقَامُوا

حُصُونَاً شَادَهَا بَانٍ وَبَاهِي؟

أَبَادَهُمُ المَنُونُ فَمَا أَنَابُوا

وَأَمْسَوْا فِي الثَّرَى قَيْدَ الشِّبَاهِي

كَمْ عَالِمٍ قَدْ مَاتَ أَوْ مُتَعَبِّدٍ

لَمْ يُغْنِهِ عِلْمٌ وَلاَ نُسْكٌ يُضَاهِي

فَلا تَفْرَحْ بِفَانِيَةٍ تَزُولُ

وَكُنْ لِلَّهِ ذَا سَمْعٍ وَسَاهِي

تَزَوَّدْ لِلْمَعَادِ بِصَالِحَاتٍ

تَقِيكَ إِذَا بَدَا يَوْمُ التَّبَاهِي

فَمَا يُغْنِي التَّمَدُّحُ يَوْمَ حَشْرٍ

إِذَا شَخَصَتْ عُيُونُ أُولِي الْمَنَاهِي

أَمَا يَكْفِي النَّذِيرُ بياض رَأْسٍ

وَصَوْتُ الحَقِّ لِلْغَافِلْ نَبَاهِي؟

أَطَعْتَ النَّفْسَ فِي الشَّهَوَاتِ حَتَّى

غَدَوْتَ بِأَسْرِهَا نِضْوَ المَبَاهِي

أَمَا تَخْشَى الحِسَابَ بِغَيْرِ سِتْرٍ

وَعَدْلُ اللهِ لِلْمَظْلُومِ زَاهِي؟

أَمَا تَخْشَى السُّؤَالَ إِذَا وُقِفْتَا

بِمَحْكَمَةٍ مَلِيكُ الحَقِّ نَاهِي؟

فَيَا رَبِّ ارْحَمِ العَبْدَ المُقِرّاً

بِذَنْبٍ قَدْ جَنَاهُ وَأَنْتَ جَاهِي

عَسَى عَفْوٌ يُبَدِّلُ كُلَّ وِزْرٍ

فَمَا لِي غَيْر عَفْوِكَ يَا إِلَهِي

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك تعليقاً