اللوحة: مدينة زحلة للفنان اللبناني موسى طراد
مَنْ تكون جارة الوادي التي غنى لها عبد الوهاب، ونافسه عليها فيروز ونور الهدى؟
في محراب الموسيقى العربية وتعانقها مع الشعر الفصيح، تظل قصيدة: «جارة الوادي» قنديلا متوهجا يعبر شعاعه العقود دون أن يفقد بريقه.. إنها الأثر الفني الذي تصاهرت فيه الكلمة باللحن الخالد، وتنافست على عتباته حناجر المبدعين، لتروي فصولًا من التلاقح الثقافي والإنساني البديع بين مصر ولبنان.
ميلاد النص في حضن «زحلة»
بدأت الحكاية في خريف عام 1927، حين شد أمير الشعراء أحمد شوقي رحاله مستجما في ربوع مدينة زحلة الملقبة بـ «جارة الوادي»، هناك، بين هدير نهر البردوني الساحر ونسمات البقاع العليلة، تفجرت قريحة شوقي بفيض من الشجن، فكتب قصيدته الشهيرة مناجيا طبيعتها الساحرة، ومستحضرا أطياف الهوى والصبا والصبابة، والتي ألقاها أول مرة في حفل تكريمي حاشد أقامته المدينة احتفاء به.
ولم تلبث الكلمات أن سافرت إلى مصر، فالتقطها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب في عام 1928 ليصنع منها تحفة لحنية طوّع فيها القصيدة الفصحى الكلاسيكية لمقام البياتي الشرقي الأصيل، مقدّما أسلوبا حالما حلقت فيه الأغنية في فضاء الرومانسية، واختار أن يبدأها من البيت الذي وسم به اسمها:
يا جارة الوادي.. طربت
وعادني ما يشبه الأحلام من ذكراك
ولذا، عرفت باسم «جارة الوادي» بدلا من عنوانها الأصلي: «زحلة»
شجن فيروزي وانعطافة رحبانية
بعد عقود من غناء اللحن بصوت عبد الوهاب، شهد عام1961ولادة ثانية للقصيدة؛ إذ أعادت فيروز تقديمها برؤية معاصرة مع الأخوين رحباني بتوزيع موسيقي جديد، وقد صُبغ هذا التسجيل التذكاري بشجن إنساني عميق؛ إذ تصادف أن دخلت فيروز الاستوديو لتسجيل الأغنية في نفس اليوم الذي غيّب فيه الموت والدتها «ليزا البستاني»، ليمتزج بكاء الروح بنقاء الصوت، وتخرج الأغنية محملة بصدق عاطفي وشجن حزين وكأنها مرثية للأم الراحلة.
وقفت فيروز خلف ميكروفون الأستوديو وهي تبتلع نحيب فاجعتها العائلية لتقدم للعالم واحدة من أرقى أغاني الغزل، دون أن يدري أحد أن النبرة الشجية كانت في الحقيقة مرثية مخنوقة بالدموع!
توهج نور الهدى وارتجالاتها الصوتية
على جانب أدائي طربي آخر، تألقت الفنانة نور الهدى في تسجيل شهير للأغنية لصالح تلفزيون لبنان عام 1969. وفي هذا الأداء، استعرضت نور الهدى مساحات صوتها الارتجالية ببراعة مذهلة، مستغلة الفواصل المقامية التي وضعها عبد الوهاب؛ لتبسط سلطنتها، وتطوف بين النغمات في أداء عبقري مميز، حظي بإشادة ومديح استثنائي من الموسيقار محمد عبد الوهاب نفسه.
وجدير بالذكر أن نور الهدى منذ غضاضتها، صعدت بتلك الأغنية إلى النجومية، فقد كانت تتغنى بها عبر مقاهي وملاهي الشام، وانطلقت شهرتها الحقيقية حين التقت بالفنان يوسف وهبي في حلب عام 1942، والذي أعجب بصوتها واصطحبها معه إلى مصر لتبدأ مسيرتها الفنية.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنها جمعت مجموعة من العمالقة، سواء في الكلمة أو اللحن أو الأداء الصوتي، ولهذا ستظل «جارة الوادي» واحدة من أشهر وأجمل القصائد العربية الكلاسيكية المغناة، والتي تقدم برهانا جليا على أن الروائع لا تموت.
