مرآة الانكسار وسقف اللوائح.. فصول من رواية قيد الإنجاز

مرآة الانكسار وسقف اللوائح.. فصول من رواية قيد الإنجاز

اللوحة: الفنان الأمريكي نيك آد

الفصل الثامن.. شظايا المرايا المتطابقة

من بين ظلال تلك المجموعة البشرية، كانت المرأةُ الستينيةُ هي الأكثرَ دنوًا من قلب ندى، والأقربَ إلى روحها بوعيٍ وألفة. لم تكن تُكثر الكلام في الجلسات الجماعية الصاخبة، لكنها امتلكت ذلك الدفء الهادئ الذي يجعل الإنسان يشعر، منذ النظرة الأولى، أنه يقف أمام روحٍ أتعبها كَدُّ العمر، لا أمام قلبٍ قسّته الأيام.

كانت تجلس دائمًا على مقربةٍ من ندى، تضم كفّيها إلى بعضهما كأنها تخشى أن يتسرب من بين أصابعها ما تبقّى من رمق قوتها، وتستمع إلى ترّهات الآخرين بعينين مطفأتين، تخبئان وراء جفونهما غصّات سنواتٍ طويلةٍ من الحرمان.

وفي إحدى الأمسيات، طرقت تلك المرأةُ بابَ غرفتها بخفّةٍ شابها ترددٌ وادع. رحبت بها ندى بسرورٍ حقيقيٍّ نابع من الأعماق، ربما لأنها كانت هي الأخرى في أمسّ الحاجة إلى ملامح وجهٍ لا تشعر أمامه بأنها متهمةٌ بالجرم أو غريبةٌ عن الوجود. جلستا معًا قرب النافذة الوحيدة في الغرفة، فيما كان الليل يهبط بوقارٍ وبطء على الغابة الكثيفة المحيطة بالمصحّة، وتسللت بينهما تلك الأحاديث الشفيفة التي تبدأ عابرةً كالمطر، ثم تنفتح فجأةً على أوجاعٍ غائرةٍ ودفينة.

نظرت المرأة خارج النافذة، وتنهدت بصوت متهدج يفيض بالأسى، ثم التفتت إلى ندى وقالت:

ـ هل تعرفين ما الذي أتى بي إلى هذا المنفى العلاجي يا ندى؟ 

لقد أفنيتُ زهرة صباي وعمري في مستشفى ناءٍ على ضفاف إحدى الجزر. 

كان زوجي يملكه ويديره، لكني لم أكن مجرد موظفة عابرة تحت إمرته، بل كنت شريكته الحقيقية في الحلم، والبناء، والتعب الجارف. وقفتُ بجانبه بكل ثبات منذ الخطوة الأولى، وساندته بقلبي وجهدي حتى غدا الصرح ناجحًا يشار إليه بالبنان.

سكتت برهة كأنها تبتلع غصة مريرة، ثم تابعت وقد التمعت عيناها ببريق وجع قديم:

ـ كنت أظن، بسذاجة المرأة المخلصة، أن السنوات الطوال التي طحنت عظامنا معًا قد صهرت بيننا حياة متينة لا تزعزعها عواصف الأيام. لكني أفقتُ متأخرة جدًا على كابوس مروع… لقد كان يخون عهدي وفراشي مع إحدى الممرضات الشابات. وحين واجهته بحقيقته العارية، لم أجد في عينيه حتى أثر الندم الذي كنت أترقبه لأرمم به كرامتي الجريحة، بل وجدت نفسي فجأة في مواجهة شرسة مع رجل غريب تمامًا، كأني لم أقاسمه قطرة واحدة من دمي وعمري!

ارتجفت كفاها المطويتان، فأمسكت ندى بيدها بإنصات وثيق، لتستطرد المرأة بمرارة أشد:

ـ لم يكتفِ بالخيانة، بل تحالف مع عشيقته ضدي، وأحاطاني بأساليب التنمر والإذلال، حتى تحولت سنوات إخلاصي وتفانيّ في نظرهما إلى تهمة شنيعة أُعاقَب عليها كل يوم. ثم رماني بقرار الطرد والانفصال جافًا بلا رحمة، كأن العمر الذي انسلخ من جسدي معه يمكن محوه بجرة قلم واحدة.

سألت ندى بنبرة مواسية مسكونة بالدهشة:

ـ وكيف استسلمتِ لهذا الطغيان؟

ردت المرأة وعيناها تشتعلان بصلابة متعبة:

ـ لم أستسلم! رفعت دعوى قضائية ضده، وخضت معركة قانونية طويلة ومضنية، وانتهت بكسبي للقضية واستردادي لقرار عودتي إلى العمل بقوة القانون. غير أن ذلك الانتصار لم يكن سوى خديعة، إذ لم يحمِني من غوائل الهزيمة اليومية والاضطهاد الذي كان ينتظرني خلف الأبواب. 

تضاعفت حدة العداء من حولي، وصِرت أذهب إلى العمل كل صباح بكره شديد، كمن يدخل ساحة حرب صامتة لا ترحم. وشيئًا فشيئًا، انهار جسدي المتعب تحت وطأة القهر، حتى اشتبه الأطباء بإصابتي بالسرطان، واستقرت في أعماق روحي كآبة حادة كليل بهيم لا ينجلي. والآن، وها أنا ذا هنا في هذا المصح، أحاول جمع ما تبقى من حطام نفسي، علّي أحصل على إعفاء نهائي من العمل وتثبيت تعويض مالي يردّ إليَّ كرامتي المستباحة.

كانت ندى تستمع إلى فيض حديثها بتركيزٍ عميقٍ، وتشعر بأنها تقف أمام مرآةٍ تشبهها في الجوهر والنزف، ذلك الشبه في التفاصيل، وفي الانكسار الوجودي الذي يحدث حين يتحول أقرب الناس إليك، ومن تظنه ملاذك، إلى مصدرٍ أساسيٍّ للأذى والطعن. رأت فيها امرأةً سُحقت ببطء وتلذذ تحت سياط الخيانة، تمامًا كما سُحقت هي في محطاتٍ مختلفة من حياتها تحت قسوة مَن كان يفترض به أن يكون حاميها ومرفأ أمانها.

لكل ذلك، بدت لها قصة هذه المرأة أكثر صدقًا وعمقًا من قصص الآخرين التي كانت تترامى إلى مسامعها في الجلسات الجماعية الرتيبة. كانت ندى، في سريرة نفسها وبصيرتها المُرّة، ترى أن بعض النزلاء إنما جاءوا إلى المصح محمولين على أوجاعٍ عابرةٍ وخدوشٍ سطحية لا ترقى بحال إلى ما ذاقته هي أو تلك المرأة من خرابٍ داخلي زلزل الأركان.

 فأحدهم تهاوى من شرفة منزله فأسقطت الحادثةُ روحه في وهدة الذعر، وآخر فقد كلبه فغرق في سوداوية عابرة، وأخرى تشك بان زوجٍها يخونها وهي مثقلة بالمسؤوليات.

كانت ندى تتعاطف مع مآسيهم، نعم، لكنها لم تستطع كبح نفسها عن الشعور بأن معاناتهم قاطبةً أقل قسوةً وضراوة من الجحيم الممتد الذي عاشته هي وتلك المرأة.. جحيم لا يقوم على فجيعةٍ مفاجئة، بل على سنواتٍ كاملةٍ من الاستنزاف البطيء والممنهج للروح والكرامة.

نظرت المرأة الستينية حول جدران الغرفة بضيق وتذمر مفاجئ وقالت:

ـ حتى هذا المكان الذي جئناه هربًا من العذاب، لا يترك لنا فرصة للراحة! 

هل تسمعين هذه الموسيقى الصاخبة القادمة من المخيم الشبابي المجاور لأسوار المصح؟ إنها تحرمني من تذوق طعم النوم.

أيدتها ندى على الفور بلهفة، وقد سرت في أوصالها راحةٌ خفية لأنها وجدت أخيرًا من يشاركها الضيق ذاته:

ـ آه يا عزيزتي، وأنا كذلك لم أذق طعم النوم والراحة منذ وصولي، بسبب ضجيج الموسيقى العنيف الذي يستمر حتى ساعات متأخرة من الليل ومن نظام هذا المكان كله والذي يبدو مناقضًا تمامًا لفكرة السكينة والاستشفاء!

 فعاملات التنظيف يأتين قبل بزوغ الفجر بوقت طويل، يطرقن الأبواب بقسوة ويبدأن عملهن بجلبة تجعل النوم مستحيلًا، ويصبح لزامًا علينا مغادرة غرفنا في بواكير الصباح لنتسكع لساعات في الممرات الباردة الطويلة بانتظار الفحوصات الروتينية.

ضحكت المرأة بمرارةٍ لاذعة وهي تقلب كفيها:

ـ يبدو، يا عزيزتي، أننا جئنا إلى مكانٍ يعالج التعب… بحرماننا من النوم والراحة!

ضحكت ندى معها إثر ذلك، ضحكةً قصيرةً صادقةً خرجت من جوف روحها. فالمشاركة الإنسانية، حتى في تفاصيل الشكوى والألم، كفيلةٌ بأن تخفف شيئًا من وطأة الوحدة القاتلة وتكسر صقيع الاغتراب.

الفصل التاسع.. الجلساتُ العلاجية وسقف اللوائح

كانت الجلساتُ العلاجية الجماعية تمضي وِفقَ الإيقاع اليومي الرتيب للمصحّة، ولم يعد الحديثُ العنصري المقيت يطفو على السطح علنًا كما حدث في تلك المواجهة الأولى، ربما لأنهم صُدموا بما كشفته ندى من صلابةٍ وبأسٍ لم يتوقعوهما في امرأةٍ اعتادوا هدوءَها الطويل وانكفاءها، أو لأنهم أدركوا، على نحوٍ أربك حساباتِهم، أن الصمتَ الذي كانت تلتحف به لم يكن عجزًا بل نوعٌ من الكرامة المتعبة التي تتقن الصبرَ بمقدار ما تملك من قدرةٍ على الانفجار، لتضعهم فجأةً أمام مرايا عيوبهم العارية، أمام خوفهم المزمن من الآخر المختلف، وضيق أرواحهم، وتلك القسوة الفطرية التي كانوا يدارونها خلف أقنعة اللياقة والتحضر المصطنعة.

ومنذ تلك اللحظة الفارقة، تبدّل شيءٌ خفي في نظراتهم نحوَها، صاروا أكثر حذرًا وتوجسًا.

كانت الجلساتُ تُدار تحت شعار فضفاض هو “المشاركة والإنصات”، حيث يُمنح كلُّ فردٍ مساحةً كافية للحديث عن ندوبه، عن الخسارات الفادحة التي أوصلت قدميه إلى هذا المنفى، عن هواجسه، عن تعبه الكافر، وعن الحفرة السحيقة التي يحاول الفكاك منها. كان الجميع يتكلمون بفيضٍ من الحرية، يبكون تارةً، ويضحكون تارةً أخرى، ويتلقون شحناتِ التعاطف والاهتمام كما لو أن الألم يصبح أخفَّ وطأةً حين يُسكب أمام عيون الآخرين.

وحين جاء دورُ ندى في الكلام، أخذت تسردُ ببطءٍ وئيد، كمن يفتحُ مصراعَي نافذةٍ ظلت غارقةً في عتمة الإيصاد لسنواتٍ طوال. تحدثت بشفافيةٍ عن تصدع حياتها مع زوجها السابق، وعن تلك العلاقة التي استنزفت نضارتَها قطرةً قطرة، وعن العمل المضني الذي كانت تعود منه منهكةً في قسوة كل مساء كأنها تنوء بحمل المدينة كلها على كتفيها النحيلتين، وعن غياهب التنمر المرير الذي كابدت عيشَه طويلًا.

وللمرة الأولى، انتابها شعورٌ بأن القاعة تنصت إلى أنينها حقًا، لمحت في عيون الحاضرين شيئًا يشي بالتعاطف، وربما ملامح من الذهول. كان صوتُها وادعًا مستكينًا، لكنه كان مغموسًا بذلك الصدق العاري الذي يجسّد الألم ويجعله مرئيًا للعيان مهما حاول صاحبه كتمانه.

غير أنها، وقبل أن تضع اللمسة الأخيرة على لوحة حديثها، فوجئت بالمشرفة تقاطعها بجفافٍ فج، وتمنح الكلمة مباشرةً للشخص الذي يليها، كأنما رأت أن ما تبوح به ندى قد تجاوز السقف المسموح به في اللائحة.

ساد الصمتُ أرجاءَ القاعة للحظةٍ حابسةٍ للأنفاس. شعرت ندى بأن الكلمات قد اختنقت في مجرى حلقها وامتصتها الغصة. أرادت بشدة أن تعترض، أن تصرخ في وجه هذا الصلف وتقول إنها لم تنه فصول حديثها كما أُتيح لغيرها من النزلاء، لكنها آثرت التراجع في اللحظة الأخيرة، فلم تعد تحتمل مرارة مواجهةٍ جديدة، ولا عادت تملك من طاقة الروح ما يكفي للدفاع عن حقها في الكلام لمرةٍ أخرى.

وفي موعد الجلسة الفردية، التي كان يُفترض بحسب الجدول اليومي أن تستغرق ساعةً كاملة، لم يدم اللقاءُ أكثر من عشر دقائق، باردةً، ومقتضبة، ومعقمة من الإنسانية. جلست المعالجةُ قبالة ندى بملامح رسميةٍ متيبسة، ثم قالت بنبرةٍ تعليمية جافة خالية من أي تعاطف:

ـ ينبغي ألا تُغرِقي القاعةَ في تلافيفِ معاناتكِ الدرامية، لأن هذا التدفق يؤثر سلبًا في سيكولوجية المجموعة ويصيبهم بالحزن والكآبة، وهذا أمرٌ غير مسموح به في لوائحنا هنا. عليكِ يا ندى أن تستمعي أكثر.. وتتكلمي أقل.

رفعت ندى عينيها نحوها بدهشةٍ مستترة، وسألت بنبرة مستنكرة:

ـ ولكن.. أليس البوح ومشاركة الألم هما جوهر هذا العلاج؟

أجابت المعالجة ببرود:

ـ ليس بهذا الأسلوب الصادم، فقصتُكِ ثقيلةٌ جدًا، وتُلقي بظلالها السلبية على مناخ الآخرين.

طأطأت ندى رأسها ببطءٍ يفيض بالانكسار، وشعرت بجليدٍ قارص يهبط في غياهب أعماقها مع أحساس بوجع التعب العميق الذي يصيب الإنسان حين يكتشف أن ألمه، حتى في المصحات المتخصصة لمعالجته، غدا تهمةً يُطلب منه تلطيفها وتخفيف حدتها كي لا يخدش رفاهية الآخرين ويزعجهم.

وفي سريرة نفسها، مرّ سؤالٌ موجع تلوى كهمسةٍ مكسورة الجناح:

“وماذا عني أنا؟ مَن سيخفف هذا الثقل الجاثم على صدري؟ وكيف لامرأةٍ قطعت الفيافي تبحث عن طوق مساعدةٍ ونجاة، أن تُجبر مرةً أخرى على تعلم طقوس الصمت المُرّ، فقط كي يشعر الآخرون بالراحة؟”

والأشدُّ مضاضةً ومرارةً في وجدان ندى، أن المعالجة لم تعرج، ولو بالإيماء التلميحي، على ذكر الإهانات العنصرية الشنيعة التي تجرعتها في اليوم السالف على مرأى ومسمع من أفراد المجموعة، كأن ذلك الإذلال لم يكن سوى تفصيلٍ هامشيٍّ عابر لا يستحق عناء الالتفات أو التدوين.

كانت ندى قد ولجت إلى الجلسة الفردية وفي حنايا روحها بقية من ضوءٍ ضئيل، تتوقع فيه أن تبادر هذه المرأة المهنية إلى الاعتذار عما فرط في حقها، أو أن تبدي، على الأقل، تفهمًا لحجم الأذى الغائر الذي تركه الحادث في نفسها. لكن الصدمة كانت عارية، لان ألمها، في ميزان تلك المرأة والمؤسسة، لم يكن سوى عبءٍ ثقيل يشوه أجواء المجموعة، لا معاناة إنسانٍ يستحق الإنصات، والاحتواء، والتضميد.

رفعت رأسها قليلًا، وشخصت بنظرها نحو المعالجة في صمتٍ طويلٍ وممتد، فيما كانت الأسئلة تتزاحم وتتلاطم في جوفها كغبارٍ خانق:

“كيف يمكن لمن اختارت مهنةً مقدسةً لتضميد الأرواح ومداواة القلوب، أن تمرَّ بهذا البرود والجلافة فوق كرامة إنسانٍ يُذل؟ وكيف استطاعت ببلادةٍ أن ترى في دموع الآخرين حالاتٍ علاجيةً مشروعة، بينما رأت في دموعها دراما فجة ينبغي إسكاتُها ونفيها وراء جدران الصمت؟”

يتبع


التحرر من عبء التبرير.. فصول من رواية قيد الإنجاز

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك رد