في زمنٍ صارت فيه القصيدة ترفاً، يأتي عيسى العزب بديوانه “الحب ذو العصف” ليذكرنا أن الشعر لا يموت في أزمنة الخراب، بل يتحول إلى مقاومة ناعمة. إنه ليس مجرد ديوان غزل، بل هو بيان حب مكتوب بالرصاص الناعم للغة، في وجه عواصف الحرب.
1. العنوان: انزياح قرآني وتأسيس للمفارقة
يختار العزب عنوانه من الآية الكريمة: “والحب ذو العصف والريحان”. لكنه يمارس “الانزياح الجميل” حين يفصل “الحب” عن “الريحان” ويتركه وحيداً مع “العصف”.
فالعصف هنا ليس نعمة ورزقاً، بل عواصف الحرب والخذلان والوجع. بهذه الحركة يعلن الديوان منذ العتبة الأولى أنه سيتحدث عن حبٍ لا ينبت في الربيع، بل في الخريف. حبٌ “مفعم بالجمال” لكنه مشروط بالفقد.
2. لغة الشلال: التلقائية ضد التكلف
تُميز نصوص العزب “تلقائية لا تحس معها بتكلف شاعر، ولا بوعورة لغة”. إنها لغة “شلال المشنة” ــ إشارة إلى شلالات إب مسقط رأس الشاعر ــ تتدفق بلا حساب، وتأخذك “أخذاً وبيلاً”.
هذه السهولة الظاهرة ليست سذاجة، بل مهارة عالية. فالعزب، الذي عمل في صيدلية “يصرف الدواء ويصرف معه دواء الروح”، تعلم كيف يكتب وصفة شعرية خفيفة على اللسان، ثقيلة على القلب.
3. الحب في زمن الأفعى: المفارقة كأداة كشف
أخطر ما في الديوان هو قدرته على قلب الصورة الرومانسية. ففي لحظة تتويج لقصيدة حب، يختمها الشاعر بمفارقة صادمة: “كلٌّ له في قلبه امرأةٌ.. إلا أنا فحبيبتي (أفعى)”.
هنا لا يهجو العزب الحب، بل يهجو زمناً جعل الحبيبة أفعى. إنه حبٌ جريح، يدرك أن النعومة لم تعد كافية. لذلك نراه في قصيدة “أفول” يعلن رحيله إلى “وجهة اللاوجه”، إلى “حيث لا غِلّ”. إنه اعتزال الصوفيين، لكنه اعتزال شاعر لا راهب.
4. بين إب والمنفى: جغرافيا الوجع
ديوان “الحب ذو العصف” هو إضافة نوعية “للتجربة الشعرية الشبابية في اليمن”. فهو يكتب من إب “قبضة من لؤلؤ على بساط أخضر”، لكنه يكتبها في زمن جعل هذا البساط الأخضر حقل ألغام.
لذلك لا نجد في الديوان هروباً إلى الغزل الخالص، بل نجد حباً مشتبكاً مع الأسئلة الكبرى: الهوية، والغياب، والجنون. “فإن قيل معتوه فقل ذاك شأنهُ.. وإن قيل مجنون فقل سوف يعقلُ”.
ما أود قوله هنا:
إننا أمام شاعر مطبوع في زمن مصنوع، فـ عيسى العزب شاعر “مطبوع” بمعنى الكلمة. لا يتصنع القصيدة، بل تنبثق منه. وفي “الحب ذو العصف” يقدم لنا نموذجاً للشاعر اليمني الجديد: الذي لا يفصل بين قلبه وبندقيته، بين غزله ووجعه الوطني.
هو ديوان “يقترف الجمال” من عنوانه، ويمارسه في تفاصيله. ولعل أهم ما فيه أنه يثبت أن الحب، حتى وهو “ذو العصف”، لا يزال قادراً على أن يكون فعل مقاومة.
