أثير المخادمة

أثير المخادمة

اللوحة: الفنان البولندي ستيفان كريجير

​في أقصى أزقة قرية “المخادمة” بمدينة قنا، حيث تلتصق البيوت المبنية من اللبن ببعضها وتفوح في الأزقة رائحة الطين المحروق وأوراق النبت العتيق، لم يكن دكان ” الشيخ حسين النادى” مجرد مكان لبيع الأنتيكات والنحاسيات، بل كان مستودعاً لأسرار الصعيد المنسية.

​كان “هاشم” شاباً صعيدياً في منتصف العشرينيات، أسمر اللون كطمي النيل، بعينين حادتين تتألقان بشغف مجنون للموسيقى. لم يستطع أبناء عمومته في القرية فهم شغفه؛ فالرجال هناك يحملون السلاح أو يفلحون الأرض، أما هو فكان يرى العالم تردداً ونغماً. تسلل هاشم ذات مساء إلى دكان الشيخ حسين، وهناك، خلف صناديق المندرة القديمة، وقعت عيناه على آلة وترية أسطورية: طنبور قديم لا يشبه الطنابير النوبية ولا العيدان الصعيدية المتعارف عليها.

​كان الصندوق الصوتي للطنبور مصنوعاً من خشب أبنوس أسود جُلب من أقصى الجنوب، حُفرت عليه رموز هندسية تشبه خطوط “المسند” الحِميري والرموز الفرعونية القديمة. أما أوتاره التسعة، فكانت مسبوكة من معدن غريب يلمع ببريق فضي داكن، ولا يتأثر بالحرارة أو الرطوبة.

​”هذه ليست للعبث يا ولد عمي،” قال الشيخ حسين وهو يتكئ على عصاه، وصوته يخرج كحفيف النخيل في الليل. “هذه الآلة نزلت مع شهاب سقط في جبل الكولة منذ مائتي عام. أخذها جدي، ولم تستجب لأصابع أحد. إنها لا تطلع النغم… بل تطلع السر.”

​اشترى هاشم الطنبور بكل ما يحمله في جيبه من قروش قليلة، وغطاه بشاله الأسمر، وعاد به إلى بيته المهجور على ضفاف القرية”.

​عزل هاشم نفسه في غرفته الطينية المرتفعة المطلة على السبيل. كانت الغرفة مكدسة بأوراق النوتة الموسيقية المكتوبة بمداد أسود، ورائحة الفحم والبخور الصعيدي تملأ المكان. قضى أسابيع يحاول فك تشفير السلم الموسيقي للآلة.

​لم تكن الأوتار تنطق بالمقامات الشرقية المعروفة كالبياتي أو الراست، بل كانت تتجاوز التقسيمات الربع-تونية المألوفة إلى ترددات رياضية دقيقة جداً. وفي ليلة صيفية شديدة الحرارة، عندما كان النيل ينساب في الظلام كأفعى سوداء حالمة، بدأ هاشم في تأليف مقطوعته السادسة التي أسماها «اصداء الأثير».

​ضبط أوتار الطنبور الفضية، وضرب ضربته الأولى بالمضراب المصنوع من قرن الغزال.

​لم يخرج الصوت إلى أذنيه بالطريقة التقليدية، بل أحس برنين حاد يضرب جمجمته مباشرة من الداخل. تصاعدت النغمات في بناء توافقي مذهل، وعند الانتقال إلى النغمة الرابعة عشرة، حدث ما لم يصدقه عقل.

​سكن صوت صرار الليل تماماً، وتوقف هدير ماء السبيل خارج النافذة، وكأن الزمن كتم أنفاسه.

​في منتصف الغرفة الطينية، فوق الحصيرة المصنوعة من خوص النخيل، بدأ الهواء يتشقق! ظهرت أطياف ضوئية بلورية تتلألأ بألوان السدم والمجرات؛ أشكال هندسية متداخلة من الضوء السائل تُحيط بها هالة أثيرية ذات ترددات مبهرة.

​ارتجفت يدا هاشم وسقط المضراب من يده. وفي اللحظة التي صمت فيها الوتر الأخير، انقبضت الأطياف الضوئية واختفت في ثقب أثيري صغير، ليعود صوت السبيل وصرار الليل يملأ المكان فجأة.

​جلس هاشم على الأرض، ونشيج أنفاسه الصعيدية يتردد في العتمة، ينظر إلى الطنبور برهبة ودوار، مدركاً أن بين يديه حقيقة تتجاوز حدود الأرض والزمان.

​جلس هاشم على الحصيرة الطينية يلملم شتات أنفاسه، عينان شاخصتان في النقطة التي انشق عنها الهواء منذ لحظات. تحامل على ركبتيه، ومسك الطنبور الأبنوسي مجدداً. كانت أصابعه السمراء ترتجف، لكن شغف الفنان فيه كان أقوى من الخوف. أعاد وضع المضراب على الأوتار الفضية، وبدأ بالعزف من النوتة التي توقف عندها.

​مع تصاعد النغمات المتوازنة لمقطوعة «اصداء الأثير»، عاد السكون ليخيم على مجرى السبيل. انشق نسيج الهواء مرة أخرى، لكن الظهور هذه المرة كان أكثر ثباتاً واكتمالاً.

​تجسد في منتصف الغرفة كائنان من الضوء السائل، يتألفان من أشكال هندسية متداخلة كالبلورات الكونية التي تغير زواياها باستمرار. لم تكن هناك وجوه أو أطراف، بل مجرد تراكيب ضوئية تتوهج بالأزرق والأرجواني، وترسل رنيناً ينعكس على جدران الغرفة الطينية.

​توقف هاشم عن الحركة، محاولاً ألا يقطع العزف حتى لا تتلاشى البوابة. وفجأة، لم يسمع صوتاً بالمعنى المادي، بل شعر بموجات دافئة تتسلل إلى نسيج دماغه مباشرة، وتترجمها أفكاره بلهجة فصيحة تشبه صدى الأجراس البعيدة:

​”أكمل العزف يا ولد المخادمة… لا تقطع التردد.”

​فتح هاشم فمه بذهول، وحافظ على إيقاع أوتاره ببراعة. همس في سره: “من أنتم؟ وكيف تتحدثون في رأسي؟”

​جاءه الرد الذهني من الكائن الأول، الذي بدا وكأنه القائد: “نحن المعمارجون من البعد الخامس. ما تعزفه ليس مجرد ألحان، بل هو الشفرة الرياضية التي تخترق أبعاد الزمكان السبعة. لقد أوجدت ثقباً توافقياً بين عالمنا المادي وعالمك.”

​استمر هاشم في العزف بيده اليمنى، بينما كانت عيناه تتأملان الكائنين الضوئيين بذهول أبن الصعيد الذي لم يتخيل يوماً أن يتجاوز حدود المخادمة.

​بدأ الكائن الثاني — الذي اتضح أنها مهندسة الترددات في عالمهم وتُدعى “كايرا” — بإظهار صور أثيرية داخل الضوء المتوهج. رُسمت أمام عينيه مشاهد لبُعدهم الخامس: عالم لا يملك أرضاً أو صخوراً، بل يتكون من سدم ضوئية وهياكل بلورية معلقة، تُبنى وتستقر وفق إيقاعات ونغمات كونية.

​لكن المظاهر كانت تتفتت؛ رأى هاشم بللورات عالمهم تتكسر وتحتضر وتتحول إلى هباء أسود.

​قال الكائن الأول “أورفيون” بأسى يتردد في عقل هاشم: “عالمنا يموت يا هاشم. يمر بما نسميه ‘النشاز الكوني’، وهو خلل تردد في نواتنا التوافقية يُدمر هندسة وجودنا. أوتار طنبورك المصنوعة من معدن السدم المفقود، مع مقطوعتك الدقيقة، هي الشيء الوحيد في هذا الكون القادر على إعادة ضبط إيقاع نواتنا وإنقاذ ملايين الأرواح في البعد الخامس.”

​انقبض قلب هاشم، ونظر إلى جدران غرفته الطينية، ثم إلى الكائنات الضوئية التي تبحث عن الخلاص بين أصابع شاب صعيدي يقطن أقصى الجنوب.

​”لكن… كيف وصل هذا الطنبور إليّ؟” سأل هاشم أفكارهم.

​أجابت كايرا: “سقطت قطعة من معدن عالمنا على أرضك منذ قرنين، وسُبك منها هذا الطنبور ليكون مستقبلاً للترددات. كان ينتظر العازف الذي يملك روحاً تستطيع تأليف ‘المعادلة’. والمقطوعة السادسة هي تلك المعادلة.”

​أنهى هاشم النغمة الأخيرة من الجزء الأول للمقطوعة، فتلاشت الكائنات برفق بعد أن تركت انطباعاً دافئاً في ذهنه، وهمس أورفيون الأخير يتردد في عقله:

“استعد يا هاشم… فالعبور الكامل لإصلاح النواة يتطلب عزف المقطوعة كاملة دون توقف، ولن تخلو الرحلة من ثمن.”

​مضت أيام وهاشم حبس نفسه داخل العليّة. كان النهار يمر عليه كالأشباح، ينظر إلى السبيل المتدفق من النافذة في صمت. لكن شيئاً غريباً كان يحدث له كلما جلس لتمرين أصابعه على أوتار الطنبور الفضية.

​في صباح أحد الأيام، خرج إلى سوق القرية لشراء احتياجاته. واجهه ابن عمّه “محيي” عند مجرى الترعة وسلم عليه بحرارة الصعيد المعتادة:

“كيفك يا هاشم؟ أبوي بيسأل عليك، قال إنك قاطع الجوابات من جمعتين.”

​نظر إليه هاشم بذهول. حدق في ملامح محيي السمراء والشامة الصغيرة أسفل جبهته… لم يتعرف عليه! كان الاسم غريباً على لسانه، والوجه كأنه يراه لأول مرة في حياته.

​تراجع هاشم خطوات إلى الخلف وهو يعتذر بارتباك، ثم ركض عائداً إلى بيته المهجور، وقلبه يخفق كطبل حربي. جلس على الحصيرة ومسك الطنبور وضرب الوتر الأول ليتصل بـ “أورفيون”.

​تجسد الطيف الضوئي للأخير على الفور. سأله هاشم بنبرة مرتجفة:

“ما الذي يحدث لي؟ لقد نسيت وجه ابن عمي اليوم! نسيت اسمه!”

​جاءه صوت أورفيون الذهني مليئاً بأسى عميق:

“هذا هو الثمن يا هاشم… فتح البوابة بين البعدين لنقل الطاقة التوافقية يستهلك كميات مهولة من الطاقة. طنبورك يستمد هذه الطاقة من مخزون ذكرياتك. كلما عزفت المقطوعة لنقل التردد إلى عالمنا، امحت قطعة من ذاكرتك البشرية لتتحول إلى طاقة أثيرية.”

​سقطت دمعة سريعة من عين هاشم الأسمر، وجف حلقُه. إنه ينقذ عالماً كاملاً في البعد الخامس، لكنه يفقد عالم نفسه، يمسح تاريخه، ووجوه أهله، وحكايات الصعيد التي نشأ عليها.

​لم تكن الخسارة الداخلية هي الخطر الوحيد؛ ففي تلك الأثناء، كانت أجهزة الرصد في “المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية” بالقاهرة تُسجل قراءات كهرومغناطيسية شاذة وغير مفهومة تنبعث بانتظام من بقعة محددة في شرق قنا.

​في ليلة شديدة العتمة، بينما كان هاشم يستعد للعزف، سمع صوت سيارات دفع رباعي تتوقف بالقرب من البيت المهجور. أضواء كاشفة قوية تخترق شقوق الجدران الطينية، وأصوات خطوات ثقيلة تقترب من الباب الخشبي.

​تواصلت معه “كايرا” مهندسة الترددات بسرعة في ذهنه:

“هاشم! رجال من عالمك يحيطون بالمكان. يحملون أجهزة قياس سينزعون منك الطنبور فوراً إن وجدوه. إذا أُخذت الآلة قبل إتمام المقطوعة، سينهار بعدنا تماماً ولن تتصل بالعالمين مجدداً.”

​احتضن هاشم الطنبور إلى صدره، وغطاه بشاله الأسود. تسلل من النافذة الخلفية المطلة على مجرى السبيل مباشرة، وقفز تحت سترة الظلام، بينما كانت قوات البحث تقتحم العليّة وتجدها خاوية إلا من أوراق نوتة موسيقية غريبة الملامح.

​سبح هاشم ضد التيار متجهاً نحو الجنوب، نحو مسرح قديم مهجور يُدعى “قصر الفن القديم” بني على ضفاف النيل منذ عقود وصار مهجوراً، حيث تُشير قراءات كايرا إلى أن ذلك المكان يقع على نقطة تقاطع رنين مغناطيسي ممتاز، وسيكون المسرح الأخير لإتمام السيمفونية.

​وصل هاشم إلى بقايا “قصر الفن القديم” على ضفاف النيل مع بزوغ الفجر. كان المبنى أثراً مهجوراً بأسقف عالية وأعمدة جيرية تآكلت بفعل الزمن، لكن المكان كان يضج برنين مغناطيسي خفي يدركه الفنان في أعماقه.

​تسلل للداخل وجلس في منتصف المسرح المظلم. وضع الطنبور على ركبتيه، وأخرج شاله ليمسحه من ماء النيل. كانت أصابعه تتلمس النقوش الهندسية بكثير من الخوف والشغف.

​في تلك اللحظات الفاصلة، بدأت ذكرياته تتسرب من بين يديه كالرمل. حاول أن يتذكر وجه أمه وهي تخبز العيش الشمسي في طابونة الدار… كانت الصورة تبدو مضببة. حاول أن يتذكر أول مرة مسك فيها آلة وترية… فامتزجت الصورة بالعدم.

​تجسد أورفيون وكايرا أمامه كطيفين من الضوء السائل المكثف، تحيط بهما هالة متوهجة أضاءت زوايا المسرح المظلم.

​قال أورفيون في عقله بنبرة مليئة بالإجلال: “ما زال بإمكانك التراجع يا هاشم. إن بدأت العزف الكامل، فلن تعود الشاب الذي كان يعرف نفسه. ستنقذ بعدنا، لكنك ستستيقظ كصفحة بيضاء.”

​نظر هاشم إلى النيل الجاري عبر نوافذ المسرح المكسورة، ثم ابتسم ابتسامة صعيدية راضية، وقال بصوت جاف لكنه ثابت:

“الصعيدي لما يدخل واجب، ما يرجعش فيه… عزفي هو اللي هيعيش، وهما هيعيشوا.”

​رفع هاشم المضراب، وضرب الوتر الأول.

​انطلقت النغمات في أرجاء المسرح المهجور. لم يكن العزف هذه المرة مجرد ألحان، بل كان ملحمة فيزيائية وجدانية تتفجر في الفضاء. مع كل حركة لمضرابه، كانت النوتات تتصاعد لتخترق جدران المكان، وتفتح البوابة الأثيرية على وسعها.

​تأسس فوق المسرح جسر ضوئي هائل يصل بين البعد الثالث والبعد الخامس. تدفقت الترددات التوافقية عبر أوتار الطنبور الفضية، تعبر النفق الدودي لتعيد ترتيب البلورات المنهارة في عالم “المعمارجيين”، وتبدد “النشاز الكوني” الذي كان يلتهم ديارهم.

​لكن الثمن كان يُدفع في التو واللحظة.

​مع الانتقال إلى الحركة الثانية من المقطوعة، شعر هاشم ببرودة تجري في رأسه… امحت من عقله أسماء شوارع المخادمة.

مع الحركة الثالثة… تلاشى اسم قريته ووجوه رفاق الصبا.

مع الحركة الرابعة… انحسر اسم أمه وأبيه، وكأنهما لم يخلقا قط.

​بدأت الدموع تنزل من عينيه الحادتين دون أن يعرف سبب بكائه. كان يديه تعزفان ببراعة فائقة وإتقان مجنون، وكأن الطنبور هو من يعزف بهاشم، وليس العكس. كانت الطاقة الضوئية تتوهج في القاعة حتى أضاءت مجرى النيل الخارجي ببريق أرجواني ساطع.

​وعند الوصول إلى النغمة الأخيرة—النغمة التاسعة عشرة من المقطوعة السادسة—ضرب هاشم الوتر التاسع بكل ما بقي في روحه من قوة.

​مع دوّي النغمة الأخيرة، انفجرت القاعة بنور أبيض ساطع أعمى الأبصار لحظة كاملة. امتدت الترددات عبر البوابة الأثيرية كشعاع لا نهائي، ليتردد صداها في أرجاء البعد الخامس، معيدةً ضبط نواته التوافقية وتلاحم بلوراته المكسورة.

​شعر “أورفيون” و”كايرا” بالاهتزاز العظيم يسري في وجودهما؛ لقد انتهى النشاز الكوني، واستقر عالمهم وأُنقذت ملايين الأرواح الضوئية من تلاشٍ محتوم.

​وقف الكائنان الضوئيان أمام هاشم للمرة الأخيرة، وهما يرسلان في عقله التائه موجة دافئة من الامتنان والتبجيل:

“شكراً يا ولد النيل… لقد وهبتنا الحياة، وستظل نغمتك إيقاعاً أبدياً يُبنى عليه عالمنا.”

​انغلقت البوابة الأثيرية ببطء، وتلاشى الضوء الأرجواني تدريجياً ليعود الظلام خفيفاً يرتق جدران المسرح القديم. انقطعت الترددات، وانطفأ البريق الفضي الداكن عن أوتار الطنبور، ليعود مجرد آلة خشبية صامتة.

​سقط المضراب من يد هاشم، ومال برأسه إلى الخلف مستلقياً على أرضية المسرح. كانت أنفاسه متقطعة وعيناه تائهتين في الفراغ. لم يعد يعرف أين هو، ولا ما الذي يمسكه بين يديه، بل لم يعد يذكر كلماته الأولى التي نطقها في صغره. ساد صمت تام، ولم يبقَ إلا صوت النيل ينهمر خارج النافذة.

​مع شروق شمس اليوم التالي، عثر بعض صيادي الأسماك في قنا على شاب أسمر ينام على خشب المسرح المهجور، يحتضن طنبوراً عتيقاً كأنه أثمن ما في الوجود.

​حاولوا الحديث معه، وسألوه عن اسمه وعن أهله، لكنه كان ينظر إليهم بعينين صافيتين كصفاء السماء، دون أن يتكلم أو يبدي أي تعابير تتعرف عليهم. لم يكن مجنوناً ولا مريضاً، بل كان يشعّ منه سلامٌ داخلي غريب وعميق، كأن عقله طُهر من كل آلام الدنيا وذكرياتها.

​أخذه أهل الخير إلى قرية المخادمة، واعتنوا به، وصار يُعرف بين الناس بـ “العازف الصامت”. لم يكن يملك شيئاً في الدنيا غير طنبوره وشاله الأسود.

​في المساء، كان هاشم يجلس على شاطئ النيل في قنا. يجلس على الحصيرة، ويضع الطنبور فوق ركبتيه، ويتلمس الأوتار الفضية بحنان طفولي. لم يعد يعرف كيف يعزف «اصداء الأثير»، ولا يذكر شيئاً عن كائنات البعد الخامس ولا عن تضحيته العظمى، لكنه كلما حرك أطراف أصابعه على الوتر الأول وصدرت نغمة هادئة بسيطة، كانت تتردد في صدره ابتسامة دافئة… ابتسامة رجلٍ لا يعرف من يكون، لكنه يشعر في أعماق روحه بأنه قد أنقذ الكون يوماً ما.

اترك رد