اللوحة: الفنانة الإماراتية نجاة مكي
شهربان معدي

وأنا التي كنت أظنّ أنّه حتى موثّبات الزهراء لن تُخرجني من تلك الثلّاجة المظلمة، أبصرتُ النور أخيرًا.. وسمعتهم يتهامسون، وهم يتبادلون نظرات الاستنكار الممزوجة بالفرح:
– كلّ شيءٍ خيرٌ من بني آدم..
– سامحه الله! كيف فعل هذا بنا؟
– كيف رضي بأن نعيش بهذا الفقر المُدقع كلّ هذه السنين، ليكدّس كلّ تلك الأموال.. في الثلّاجة؟!
– حتمًا لن يسامحه الله..
وصدقًا أقول يا عزيزي القارئ، رغم أنّ نظري كان لا يزال مشوّشًا بعد تلك العتمة الطويلة والبرد القارس الذي عانيته في جوف تلك الثلّاجة، أو بالأحرى، في ذلك القبر الموحش!
لم أتوقّع أن المال يغيّر الوجوه والملامح بهذه السرعة العجيبة!
وليتكم، مثلي، رأيتم وجوههم البائسة التي أغرقها الحزن والثكل، كيف راحت تزهو وتخضرّ فجأة، كربيعٍ أزهر في أوج تشرين، عندما أبصروا الرزم النقدية الملفوفة بالنايلون، والمرتبة بإتقان داخل العلب البلاستيكية المختلفة الأشكال والألوان..
لم يمضِ على دفن الوالد سوى بضع ساعات، حتى انقضّ ولداه، الكبير والأوسط، وابنته الصغرى، على زوايا بيته الوضيع، يفتّشون كلّ متر، بل كلّ شبرٍ فيه!
وبعد أن بدأ اليأس يسيطر على أحلامهم البيضاء، صاحت الابنة الصغرى:
– لم يتبقَّ لنا إلا الثلّاجة! هلمّوا إلى الثلّاجة.. لطالما منعني من تنظيفها وترتيبها، كلّما بادرت إلى ذلك!
وهناك كانت المفاجأة..
قال الابن الأكبر، وهو يُخرج الأوراق النقدية الملفوفة بإحكام:
– الويل له! بخل علينا بكل شيء.. ولم يأخذ معه شيئًا!
وقالت الابنة الصغرى، وهي تمسح دموعها الغزيرة:
– مسكينة والدتنا المرحومة.. قتلها بتقتيره وبخله!
فقاطعها الابن الأوسط قائلًا:
– صحيح أنّ موته كان مفاجئًا، لكنه كان خيرًا لنا جميعًا..
وبدأ الكنز يتفرّق بالتساوي، وبدقّةٍ لم يُسبق لها مثيل..
وحمدت ربّي أنني كنت من نصيب الابنة الصغرى، بعدما رأيت عدوى الشحّ والتقتير تنتقل من الوالد لتلمع في عيني الابن الأكبر، والطمع والأنانية يستعرّان في عيني الأوسط، بينما بدت الصبية جميلة الهندام، كريمة النفس، هادئة النظرات..
كم أنت ضعيف، أيها الإنسان!
مهما نجحت في كتم اسرارك ونقاط ضعفك، طالما فضحتك عيناك أمام بريق العملة!
أتظنون أننا، معشر الأوراق النقدية، لا نشعر ولا نحسّ؟.. نحن نشعر ونحسّ، بل نرى ونسمع.. مثلكم تمامًا!
وأنا شخصيًّا قلّبتُ وجوهًا كثيرة، رغم ضآلة قيمتي.. لطالما رأيت وجوهًا كانت تتظاهر كالنعاج، وبسببي تحوّلت إلى ذئاب!.. وكم رأيت ذئابًا تنكّرت بوجوه نعاج لتظفر بي..
لطالما زغرد قلبي وصدح مع فرحة الصغار، حين ابتاعوا الحلوى والألعاب.. وذاقت روحي شهد العزّة والكرامة في قبضة العامل الخشنة، التي تعطّرت بندى جبينه اللجين!
وكم شعرت بالخزي والعار في يد الفاجر والمحتال، وبالقوة والأريحية في يد الكريم، نديّ النفس والكفّ.. وكم تمنّيت الموت وأنا في يد الخائن الوضيع الذي باع تراب وطنه من أجل حفنة نقود!
وكم رقصت بين شرفات الغيم، ولمست أناملي النجوم، عندما بُنيت المدارس والمصانع، ومُوّلت المشاريع الخيرية من خلالي..
ولطالما تقلّبت على فراشٍ من الجمر، عندما رأيت فلانًا يبيع كليته لحاجته إليّ.. وآخر أشعرني بالاشمئزاز والغثيان، عندما باع ابنته القاصر طمعًا في جمعي.. وذلك المبذّر الغني الذي اشترى ساعة بآلاف الدولارات، ليتباهى بها أمام أقرانه.. وتلك المرأة التي أنفقت كل مالها على طعامها الدسم، كي تُفرغ أحزانها في التهامه..
كلّهم أشعروني بقلّة القيمة والهوان!
تبًّا لك، أيها الإنسان! لا ترى أبعد من أنفك!
أنا مجرّد ورقة، نعم.. ورقة قابلة للاحتراق والفناء، ورغم ذلك أميل بك مرةً ذات اليمين، ومرةً ذات الشمال، وفقًا لرغباتك وأهوائك، وأنت حتى لا تدرك ذلك.. أقرّب البعيد، وأبعّد القريب!
كم من عليلٍ شُفيت، وكم من سليم البدن سلبته عافيته.. كم من عزيز نفسٍ أذللته، ووضيعٍ رفعته!.. كم من مزيّفٍ أصبح أصيلًا، ومن أصيلٍ أصبح مزيّفًا..
كم من يتيمٍ شرّدت، ومن رحمٍ قطّعت، ومازلت في نظرك، أيها الإنسان، سدرة المنتهى وغاية الغايات!.. ليتك جعلتني وسيلةً لا غاية..
أنا الآن سعيدة.. بل في قمّة السعادة!.. لأنني أبصرت النور، وخرجت من ذلك القبر الموحش، لأغدو طوقَ ياسمينٍ يعانق جدائل حفيدة ذلك الرجل البخيل، الذي سيذوب في تراب هذه الأرض إلى الأبد..
بينما سأبقى أنا حرّةً طليقة، ألفّ وأدور في دنياكم العجيبة الغريبة!.. وكلّ ما أصلّي من أجله، ألّا أُعلّق مرةً أخرى، كتلك العلقة السوداء، في الثلّاجة اللعينة!