اللوحة: الفنان الأمريكي بروس دين
تسللت برودة حجر الجرانيت عبر ثوب “سعاد” الأسود، لكنها لم تبالِ. كان شريط الأسفلت أملس وممتداً دون رحمة، كأنه يبتلع خُطاها كما ابتلع قبل أسبوع واحد فقط صوت كبح الفرامل الأخير، وصرخة ابنها “يوسف” ذات تسعة عشر عاماً. تسعة عشر عاماً من الضحك والركض والدفء، اختُزلت في لمحة عين، وفي كلمة واحدة تكررت في كل التعازي: “حادث”.
سارت سعاد ببطء نحو البيت الذي غادره طفلها ولم يعد إليه. الصمت في الصالة لم يكن مجرد غياب للصوت، بل كان كائناً ثقيلاً يجلس على صدرها. أغلقت الباب وراءها، ونظرت إلى الروزنامة المعلقة على الحائط: تسعة أيام مرت كأنها غيبوبة طفيفة، واليوم تبدأ الليالي العشر التي قررت فيها أن تواجه فاجعتها وجها لوجه، بعيداً عن وهم السلوان وجمل المواساة المعتادة.
جلست سعاد على أرضية غرفة يوسف. كان الهواء يختزن رائحة عطره، مزيجاً من الليمون والشباب المتقد. أمامها ركبت حقيبة ظهره الزرقاء التي كانت ملقاة في زاوية الغرفة منذ يوم الحادث.
فتحت درج المكتب ببطء. كشكول محاضرات، قلم جاف مكسور، وسلسلة مفاتيح على شكل مضرب كرة قدم. مسكت الكشكول، وفتحت الصفحات الأولى؛ كانت هناك رسومات عشوائية، وملاحظات عن امتحانات القادمة، وقائمة بأغاني كان ينوي تحميلها.
لم تدمع عينها بعد، بل شعرت بجفاف حارق في حلقها. وضعت يدها على خط يده المتعرج، وكأنها تحاول استمداد نبض مفقود من بين الأوراق. تساءلت في سرها: كيف تستمر الخطوط المكتوبة بالقلم الرصاص على الورق، بينما يد صاحبها تحت التراب؟ وضعت الكشكول على صدرها، وإلى جانبه بقية أشيائه، ونامت على البلاط البارد تتنفس رائحته حتى الصباح.
تلاشى ضجيج صوان العزاء الرسمي، لكن الليلة الثانية جلب طارقاً غير متوقع. فتحت سعاد الباب لنجلاء، جارتها وصديقة عمرها، تحمل طبقا حاراً من الطعام.
جلست نجلاء وأخذت تتحدث بصوت خفيض ملؤه الشفقة: “يجب أن تأكلي يا سعاد.. يوسف في مكان أفضل، إنه طير من أطيار الجنة، الله اختاره لأنه يحبه.”
شعرت سعاد بموجة من الغضب المكتوم تتصاعد في حلقها. لم تكن تريد أن تسمع عن المكان الأفضل، كانت تريده هنا، في غرفته، يشتكي من صعوبة الامتحانات أو يطلب وجبة إضافية. قالت بنبرة هادئة لكنها صلبة: “أعلم أنك تحبينني يا نجلاء، لكن أرجوكِ.. لا تفسري لي موته. اتركيني أحزن عليه كما هو، طفلي الذي خسرته في الشارع، لا تكسي الفاجعة بكلمات مريحة كي ترتاحي أنتِ.”
ساد الصمت، ثم أومأت نجلاء برأسها وغادرت ببطء، تاركة سعاد مع طبق الطعام البارد ومع حقها الخالص في ألم لا يجملّه الكلام.
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل عندما تذكرت سعاد هاتف يوسف القديم الذي كان يعلوه الغبار في درج المكتبة. أخرجته، وشحنته بانتظار تنفيذي لفكره دارت في رأسها طوال اليوم.
فتحت ألبومات الصور، ثم انتقلت إلى التطبيق الصوتي. وجد تسجيلاً بصوته من العام الماضي، كان يقرأ فيه نصاً أدبياً بصوت ضاحك ومتردد: “أمي، استمعي لهذا التسجيل وقولي لي إن كان أسلوبي جيداً…”
ضغطت على زر التشغيل. خرج صوته صافياً، دافئاً، مليئاً بالحيوية. انهمرت دموعها أخيراً، ليس ببطء، بل كشلال تفجر بعد احتباس طويل. غطت وجهها بكفيها واهتز جسدها بالبكاء. كان الصوت يبدو حياً جداً حتى خيل إليها أنه يرتكب جريمة إن أوقفته. أعادت التسجيل عشرات المرات، وفي كل مرة كان الصوت يملأ الغرفة، يمسد على قلبها بكف من أثير، حتى غلبها النعاس والصوت يتردد في أذنيها.
وقفت سعاد في الشرفة المطلة على الطريق العام. في مثل هذا الوقت، كان يوسف يعود من تدريبه الرياضي، يرفع رأسه نحو الشرفة، يصفق بيديه مرتين لتلتقط عيناها وجوده، ثم يصعد السلالم قفزاً.
ظلت ترقب المارة. شباب في مثل عمره، يرتدون ملابس رياضية مشابها، يضحكون ويمزحون. شعرت بالحسد، حسد نقي وعميق ل أمهات هؤلاء الشباب اللاتي ينتظرن عودتهم الآن. لم تكن تتمنى السوء لأحد، لكنها تساءلت في حرق: لماذا هو؟ لماذا اخترقت تلك السيارة تحديدا جسده هو؟
مر الوقت، وانطفأت أضواء الشارع واحداً تلو الآخر. أدركت سعاد أن الانتظار في الشرفة لم يعد له معنى، وأن الرجل الذي كان يرفع رأسه ليحييها قد صار جذراً في أرض بعيدة.
في هذه الليلة، قررت سعاد أن تطبخ. لم تطبخ منذ اليوم الأسود. أعدت الوجبة التي كان يفضلها يوسف: المعكرونة بالبشاميل.
ملأت الرائحة زوايا المطبخ، وللحظات تناست الواقع، وشعرت أن الأمور تسير في نصابها الطبيعي. وضعت الأطباق على طاولة الطعام: طبقاً لها، وطبقاً لزوجها المتوفى منذ سنوات، وطبقاً ليوسف في مقعده المعتاد.
جلست على الطاولة، وأمسكت بالشوكة. نظرت إلى الكرسي الفارغ أمامه. كان المقعد الخالي يبدو أكبر من الغرفة كلها. لم تستطع أن تبتلع لقمة واحدة. أخذت طبق يوسف، وغطته بورق ألومنيوم، وخرجت به إلى الشارع في ظلام الليل، وأعطته لرجل مسن ينام قرب المحطة. كانت هذه أول مرة تخرج فيها لتقديم شيء للعالم منذ الرحيل.
كانت هذه أطول الليالي وأكثرها قسوة. استيقظت سعاد على كابوس يتكرر: ضوء أصفر مبهر، صوت إطارات تحتك بقسوة على الأسفلت، وارتطام جاف.
جلست في منتصف السرير، وشعرت بغضب عارم يتملكها. غضب من سائق السيارة الذي فر هارباً، غضب من الشارع الذي خفت فيه الضوء، غضب من الأطباء الذين لم يسعفوه، وغضب يصعب النطق به اتجاه القدر نفسه.
سارت في الشقة كالمجنونة، تنقل التحف من مكانها، وتتكلم بصوت عالٍ في الفراغ: “لماذا لم تأخذني أنا؟ ما الذي يفعله ولد في مقتبل العمر تحت التراب بينما أنا هنا أتنفس؟”
لم تجد إجابة. ارتمت على سجادة الصلاة، وظلت ساجدة لساعات، لا تدعو بشيء، فقط تترك رأسها مثقلاً على الأرض، تاركة لغضبها أن يحترق ويتحول ببطء إلى رماد من الاستسلام العاجز.
طرق الباب في وقت مبكر من المساء. كان المطارقون ثلاثة من أصدقاء يوسف المقربين. دخلوا بخجل، ورؤوسهم مطأطأة، يحملون درعاً رياضياً كان يوسف قد فاز به في آخر مسابقة للركض ولم يستلمه.
جلست سعاد معهم. كان الشباب يتلعثمون في البداية، خشية أن يثيروا حزنها. لكنها ابتسمت لهم بضعف وقالت: “تحدثوا عنه.. أخبروني عن أشياء كان يفعلها معكم ولا أعرفها.”
تغيرت ملامحهم، وبدأوا يتذكرون. حكوا لها كيف كان يشاركهم طعامه، وكيف كان يقلد أساتذته في الجامعة، وكيف يسارع لمساعدة أي شخص يراه في الطريق. ضحكت سعاد معهم، ودموعها تسيل في الوقت نفسه. في تلك الليلة، أدركت أن يوسف لم يكن يحيى في بيتها فقط، بل ترك أجزاءً من روحه في قلوب هؤلاء الشباب.
تهادت قطرات المطر على نوافذ الغرفة. قررت سعاد أن تجري الخطوة الأكثر إيلاماً لأي أم فاقدة: فرز ملابس ابنها.
فتحت الخزانة. كانت قمصانه، وسراويله، ومعاطفه الثقيلة معلقة بالترتيب الذي تركه عليه. أخرجت حقائب كبيرة، وبدأت تطوي الملاءات والقمصان وتضعها في الحقائب لتبثها للمحتاجين.
مع كل قطعة تلمسها، كانت تتذكر المناسبة التي اشتراها فيها: هذا القميص في عيد ميلاده الثامن عشر، وهذا المعطف في الشتاء الماضي حين عاد مبللاً كلياً. احتفظت بقميص واحد فقط—قميصه المفضل المعلم بشعار جامعة الإسكندرية—وضمته إلى صدرها، بينما أغلقت الحقائب الأخرى بقلب يعتصره الألم، لكنه يشعر أيضاً بتخفف حزين.
في الليلة التاسعة، لم تستطع سعاد البقاء في البيت. ذهبت قبل غروب الشمس إلى المقبرة، وظلت هناك حتى حلول الظلام.
كانت المقبرة هادئة، يلفها الشجر والنسيم العليل. جلست جوار القبر، ووضعت يدها على التراب الندي. لم تعد تبكي بحرقة الليالي الأولى. بدأت تتحدث إليه بصوت خفيض، كأنها تقرأ له قصة قبل النوم كما كانت تفعل وهو طفل صغير.
قالت له: “يوسف.. لقد اشتقت إليك جداً، لكنني أعدك أنني سأحاول العيش. لن أترك ألمي يقتلك مرة أخرى في داخلي. سأبقي ذكرى ضحكتك حية.”
كانت هذه هي الليلة الأولى التي تشعر فيها بنوع من السكينة الغريبة تتسرب إلى أحشائها، وكأن التراب نفسه يقدم لها عزاءً صامتاً.
جاءت الليلة العاشرة حاملة معها تحولاً بكتيبته الهادئة. فتحت سعاد ستائر الغرفة كاملة، وسمحت لضوء القمر، ثم لضوء الفجر المتسلل، أن يملأ الممر الذي كان مظلماً لسنوات.
أمسكت بكشكول يوسف الذي وجدته في اليوم الأول، وفتحت الصفحة الأخيرة الفارغة. أخرجت قلماً، وبدأت تكتب تحت رسمته العشوائية:
”رحلت يا يوسف، وتركك لي جرحاً لا يبرأ، لكنك تركت لي أيضاً تسعة عشر عاماً من النور. في هذه الليالي العشر، تعلمت أن الحزن ليس عدواً يجب أن أهرب منه، بل هو المساحة التي أبقيك فيها حياً في قلبي. لن أنساك، ولن أتوقف عن الاشتياق، لكنني اليوم أبدأ بالعيش من أجلك.”
أغلقت الكشكول، ووضعته على الطاولة المجاورة لسريرها. تنفست عميقاً، واستقبلت شعاع الشمس الأول وهو يغمر الغرفة بدفء جديد، متقبلة ألمها كجزء من محبة لا تنتهي.
