الذاكرة الأولى – للشاعرة الأمريكية لويز غلوك

الذاكرة الأولى – للشاعرة الأمريكية لويز غلوك

اللوحة: الفنان السويسري فريتز زوبر بوهلر

ترجمة: آصال أبسال

«الذاكرة الأولى»

مُنْذُ زَمَانٍ بَعِيدٍ، جُرِحْتْ،
فحَيِيتُ –

كَيْ أَثْأَرَ لِنَفْسِي
مِنْ أَبِي،
لَا لِمَا كَانَ عَلَيْه،
بَلْ لِمَا كُنْتُ عَلَيْه:
مُنْذُ بَدْءِ ٱلْزَّمَانِ، زَمَانِ طُفُولَتِي،
كُنْتُ أَحْسَبُ –
أَنَّ ٱلْتَّأَلُّمَ يَعْنِي
أَنَّنِي لَسْتُ مَنْ تُحَبّ،
بَيْنَمَا كَانَ يَعْنِي
أَنَّنِي كُنْتُ مَنْ تُحِبّ!

***

«First Memory»

Long ago, I was wounded. I lived
to revenge myself
against my father, not
for what he was—
,for what I was: from the beginning of time
in childhood, I thought
that pain meant
.I was not loved
.It meant I loved

تنويه

بادئَ ذي بدءٍ، أكتب في هذا المنبر الشعري والثقافي تنويهًا خاصًّا مرفقًا بمحاولة متواضعة مني في ترجمة قصيدة «الذاكرة الأولى» First Memory، للشاعرة الأمريكية-المجرية لويز غلوك، وقد أعقبَ هذه الترجمةَ بالذات حشدٌ من ترجماتٍ لقصائدَ أُخَر منذ أن فازتْ بجائزةِ نوبل للأدب عام 2020 – ولا يسعني هنا سوى أن أشكر أستاذي الدكتور غياث المرزوق على ما أسداهُ من نُصْح وتوجيهٍ قيِّمَيْن، مع أنه ليس مترجمًا بالمعنى الرسميِّ أو الاحترافيِّ للكلمة. فهنيئا لهذه الشاعرة من الأعماق على إنجاز شعريٍّ يركِّز في المقامِ الأولِ على قول الصامت أو الإيحاء به من خلال الركون إلى ذكريات الطفولة وإلى ما يتلوها من ذكرياتٍ أكبرَ سنًّا وأكثرَ نضجًا. إن هذا الحدث الأدبيَّ العالميَّ بالنسبةِ إلى شاعرةٍ كمثلِ لويز غلوك إنما هو حدثٌ فريدٌ من نوعهِ بالتأكيد، على الرغم من مَأْسَسَةِ هكذا جائزةٍ كانتْ قد أدَّتْ بأدباءَ ومفكِّرين عالميِّين يحترمون أنفسَهم (من أمثال المفكِّر والأديب الفرنسي جان بول سارتر) إلى رفضِها بالمَرْدُودِ المَادِّيِّ والمعنويِّ رفضًا قاطعًا من حيثُ المبدأ. وقد كانتْ لهذا الرفضِ القَطْعِيِّ في يقينِهم، فضلًا عن ذلك، مبرِّراتٌ مبدئيةٌ لا تقلُّ أهميةً فيما يتعلَّقُ بالغايةِ «المُثْلَى» من إنشاءِ الجائزةِ عينِها، وبخاصَّةٍ كونَها وسيلةً أو ذريعةً «تكفيريةً» أصلًا لتلك الخطيئةِ الكبرى التي ارتكبها العالِم الكيميائيُّ السويديُّ آلفرد نوبل نفسه حين اخترع متفجِّرًا ملعونًا منذ ولادتهِ قد سُمِّيَ بـ«الديناميت»، متفجِّرًا صَارَ شيئًا فشيئًا على مرِّ الزمانِ السببَ الأولَ والآخِرَ في تدميرِ البشرِ والحجر!

ولم يكن الحافز الآخر على محاولتي المتواضعة في ترجمة هذه القصائد، في حقيقة الأمر، سوى قراءتي الأخيرة لتقرير الكاتب الصحافي صبحي حديدي المعني، «جائزة نوبل للآداب 2020 للشاعرة الأمريكية لويز غلوك: المنشَدّة إلى المحذوف والقول الصامت» (إصدار القدس العربي 8 تشرين الأول / أوكتوبر 2020)، وخلا إدراكي الأخير من ثم لمدى تدنِّي مستوى هذا الكاتب الصحافي في حقل الترجمة الأدبية والشعرية على وجه التحديد، خصوصًا وأنه الكاتب الصحافي الذي ينظر إلى نفسه، قبل أن ينظر إليه أيُّ شخص آخر، بوصفه «ناقدًا أدبيًّا» و«مترجمًا محترفًا» على مستوى العالَم العربي من جهاتهِ الأربعِ كلِّها. باختصارٍ شديدٍ، وبأسفٍ أشدَّ، فإن ترجماتِ القصَائدِ المختارةِ للشاعرة لويز غلوك، كما وردت بجهود الكاتب الصحافي صبحي حديدي في تقريرهِ الصحفيِّ البائسِ هذا، إنما هي في الأغلبِ والأعمِّ ترجماتٌ حرفية بدائية ليس لها إلا أن تُفرغَ هذه القصَائدَ من تلك الروح الشعرية المنشودة إفراغًا صارخًا، ولا ريبَ في ذلك. وللتأكيد، على سبيل المثال، لمن يعنيهم ولمن يعنيهنَّ الأمر، أورد فيما يلي ترجمة القصيدة نفسها، «الذاكرة الأولى» (بأل التعريف، وليس بدونها)، التي تكلف عناءها هذا الكاتب الصحافي (الذي ينظر إلى نفسه، قبل أن ينظر إليه أي شخص آخر، بوصفه «ناقدا أدبيا» و«مترجما محترفا» على مستوى العالم العربي من جهاته الأربع كلها):

«ذاكرة أولى»

جُرحتُ، منذ زمن بعيد. وعشتُ
لكي أثأر لنفسي
من أبي، ليس
بسبب ما كان عليه،
بل بسبب ما أنا عليه: منذ بدء الزمن
أيّام الطفولة، فكّرتُ
أنّ الألم يعني
أنني لم أكن محبوبة،
أنني كنتُ أحبّ.


لويز إليزابيث غلوك (1943-2023) شاعرة وكاتبة مقال أمريكية لامعة، من أصل مجري، تتميَّز بالأسلوب الشعري المتفرِّد الذي يمكن له أن ينضوي تحت راية ما يُسمّى بـ«اليسير الامتناعي» تارةً أو حتى بـ«الصَّمُوت البلاغي» تارةً أُخرى. ولهذا السبب، من بين أسباب موضوعية شتّى، فقد نالت لويز غلوك جائزة نوبل للأدب عام 2020 – أي قبل رحيلها عن هذه الدنيا بثلاثة أعوام وحسب – هذا فضلًا عن نيلها عددًا من الجوائز الأدبية المحلية والوطنية كذلك. وثمّة سمةٌ ثانية أو ثالثة تطغى على أسلوبها الشعريِّ أيضًا، سمةُ ما يمكن أن يُدعى بـ«السِّيَرِيِّ التأمُّليِّ» مُستلهَمًا بذاك من الطبيعة والأسطورة والتجربة (الذاتية) بالطبع، وذلك من أجل مخاطبة موضوعاتٍ من مثل الذاكرة (كما في القصيدة المدوَّنة أعلاه) والرغبة والفقدان والشيخوخة، إلى آخره، بلغةٍ وجوديةٍ تنأى عن كلٍّ من الزخرف الكلاميِّ والتنميق الخطابيِّ.

وفي مرحلة يفاعتها، إضافةً إلى ذلك، فقد أُصيبت لويز غلوك بِعِلَّةِ فقدانِ شهوةِ الطعامِ التي تأزَّمتْ آنًا بعد آنٍ إلى نوباتٍ حادَّةٍ من داءِ «القُهَام العَصَبِيِّ»Anorexia Nervosa، ممَّا أثَّر تأثيرًا كبيرًا على مسارها التعليمي الثانوي والجامعي، إذ لجأت إلى الخضوع لسنواتٍ مديدةٍ من العلاج النفسيِّ المكثَّف، ناظرةً إليه بمثابةِ مُنْقِذٍ روحانيٍّ لحياتها ومُعينٍ وجدانيٍّ لها في تخطِّي محنتِها الجسميةِ والنفسية. وعلى الرغم من ذلك كلِّه، فإن لويز غلوك قد دَرَسَتِ الأدبَ الشعريَّ بحافزٍ فرديٍّ في جامعة كولومبيا، وقد دَرَّسَتْهُ من ثَمَّ باستجابةٍ إبداعيةٍ في كلٍّ من جامعتَي ييل وهارڤارد كبديلٍ للشاعر الإيرلنديِّ الكبير شيموس هيني (1939-2013).

اترك رد