اللوحة: الفنان الأكراني كيريلو بوندارينكو
في تلك القرية الغارقة في نُعاس الأمس، حيث لا صوت يعلو فوق صرير السواني وتهويدة الريح في أعواد القصب، كان “حسين” طفلاً لا تشبه أحلامه جيرانه الصغار. بينما كان أقرانه يركضون خلف الفراشات النهارية أو يتسابقون في جلب الحطب من حواف الترعة القديمة، كان حسين ينتظر جلاء النهار بشغف لا يهدأ.
كانت القرية تصمت مع غياب الشمس، وتبدأ البيوت الطينية في إغلاق أجفانها خفية، خوفاً من أسرار الليل. لكن بالنسبة لحسين، كان الليل هو الفسحة الوحيدة التي يتنفس فيها. يعلو سطح البيت القديم، يفرد حصيراً ثائراً أكل الدهر من أطرافه، ويجلس مسنداً ظهره إلى جدار اللبن المائل، ميمماً وجهه شطر الشرق.
هناك، خلف ساطور الجبل البعيد، كان ينبثق صفيحه الفضي. لم يكن القمر بالنسبة لحسين مجرد جرم يضيء عتمة الطرقات الضيقة، بل كان كائناً حياً، صديقاً أثيرياً ينزل إليه كل مساء، ليغطيه بغطاء ناعم كأنه شال من حرير خالص.
مع هبوط العتمة الكاملة، وتبدل لون السماء من الأزرق المكتوم إلى الأسود المخملي، تبدأ طقوس الانتظار. يمسك حسين بقطعة خبز جافة، ويغمض عينيه برهة ليقيس الزاوية التي سيظهر منها رفيقه. وحين تطل التباشير الأولى للضوء، يبتسم الصبي ابتسامة دافئة لا يعرف سرها أحد في البيت.
”ما لك يا حسين تتطلع في الفراغ كمن ينتظر غائباً لا يعود؟” هكذا كانت تسأله أمه وهي تنفض غبار الطحين عن ثوبها.
يجيبها بصوت خفيض: “إنه ينسلّ يا أمي.. يلمس شعري دون أن أسمع له خطوات، ويكسو السطح بحرير أبيض لا يحرقه خيط الشمس.”
تبتسم الأم بأسى أليف، تظن أن خيال ولدها البكر قد شطح بعيداً بسبب حمى قديمة ألمت به في صغره، لكنها تسكت، وتتركه لليله، ملتحفاً بصمته وصداقته العجيبة.
في ليلة من ليالي منتصف الشهر، كان القمر بدراً كاملاً. ألقى بنوره الساطع حتى بدت أشجار النخل العتيقة كأنها حراس من زبرجد، واستحالت الترعة إلى شريط من فضة سائبة.
صعد حسين إلى كفيه الصغيرين، ومَدّ يده إلى الأعلى بكل قوته، ظاناً أنه لو ارتفع على أطراف أصابعه سنتيمتراً واحداً بعد، لمس حافة ذلك الرداء الأبيض. كان يشعر بحرارة لطيفة تنبعث من النور، حرارة تختلف عن جحيم الشمس التي تسفع الوجوه في الحقول.
”لماذا تأتي بالليل فقط؟” يهمس حسين للقمر.
يقفز ضوء فضي على عتبة السطح، فيخيل للطفل أن القمر يرد عليه: “لأن الحرير يا بني لا يُنسج إلا في مشاغل الصمت، والشمس صاخبة لا تترك للنساجين فرصة للغزل.”
لم تكن العلاقة مجرد نظرات متبادلة، بل كانت حواراً بلا كلمات. تعلم حسين كيف يقرأ ملامح القمر؛ فإذا كان شاحباً ومحاطاً بهالة دافنة، عرف أن حزناً يسكن السماء أو أن مطراً قريباً سيغسل الحقول. وإذا كان ناصع الضياء حاد الحواف، يدرك أن الليل سيكون هادئاً وصافياً، صالحاً لتبادل الأسرار.
يحكي حسين للقمر عن كل شيء: عن المعلم في الكتّاب الذي ضربه بالخيزرانة لأن لسانه تلعثم في تلاوة سورة “الرحمن”، وعن شاة جاره التي ماتت في الصباح، وعن خوفه السرّي من أن يكبر فيصبح مثل رجال القرية، يدسون أجسادهم في التراب ولا ينظرون أبداً إلى أعلى.
وكان القمر يستمع، دون أن يقاطعه، يرسل شعاعه على كف الصبي ليشعره بأنه يفهم كل كلمة.
مرت الأيام، وحل الشتاء ببرده القارس. تراجعت ليالي الدفء، وأضحت السماء ساحة معركة للغيوم السوداء التي تحجب وجه القمر لأيام متوالية.
في تلك الليالي العاصفة، كان حسين يصاب بظلمة داخلية. يجلس في قرنة الغرفة، يستمع إلى هطول المطر وصوت الهباء على السقف المكسو بالبوص، ويشعر بالبرد يتسلل إلى عظام حقيقةً، لأن رداء الحرير قد غاب.
”أين ذهب؟ هل غضب مني لأني لم أحفظ درسي؟” كان يسأل نفسه بأسى.
يحاول أن يغفو، لكن النوم يهرب منه. يسرق خطواته نحو النافذة الصغيرة، يفتح الضلفة الخشبية، يحدق في ركام السحاب، منتظراً أن تنشق شقاً صغيراً ليلمح ولو لمسة واحدة من ذلك الضوء المحبوب.
وفي ليلة ساحرة من ليالي الكانونين، انقشعت السحب فجأة. انفتحت السماء عن مشهد يبهر الألباب؛ خرج القمر من بين ركام الغيم كأنه جوهرة جليت للتو من الغبار.
ركض حسين إلى السطح غير أبه بالماء الذي يملأ الحصير. جلس في المنتصف، ورفع وجهه للسموات. في تلك الليلة، بدا القمر أقرب من أي وقت مضى، ألقى بشعاعه المباشر على وجه الصبي، فغسل دمعة حائرة كانت تجمدت على خدّه.
شعر حسين حينها ببرودة عذبة تسري في جسده، ملمس ناعم للغاية يلتف حول كتفيه الصغيرين. لم يعد يرى الطين ولا الجدران المتهدمة، بل شعر أنه يطوف في فضاء واسع، ملفوفاً برداء ثلجي ناعم، رقراق، لا مثيل له في كل نسيج الأرض.
بدأت الشائعات تتسرب بين أهل القرية. قال بعضهم إن ابن “عبد الصمد” مسكون بالجن، وقال آخرون إنه ساحر صغير يجلس على السطوح يكلم السماء.
جمع رجال القرية أمرهم، وجاءوا إلى والده يعظونه: “يا أبا حسين، ابنك يضيع ليله على السطح يتحدث إلى لا شيء، والناس تأكل وجهنا بالحديث. اعطف عليه واشغله بالفأس والأرض ليصبح رجلاً.”
دخل الأب إلى البيت غاضباً، وأمسك بيد حسين بقسوة: “من اليوم لا صعود إلى السطح بعد غروب الشمس! الليل للمنام والأرض للعمل.”
بكى حسين، ليس خوفاً من عصا أبيه، بل حزناً على رفيقه الذي سيبقى ينظره على السطح دون أن يجده.
في تلك الليلة، أُغلق باب الحجرة على حسين. ساد الظلام الدامس في الداخل، وكان الخوف يلتهم أطراف الصبي. كيف سيشرح للقمر أنه لم يتخل عنه؟ كيف سيخبره أن رجال القرية يريدون أن ينسجوا له ثوباً من خيش وطين بدلاً من الحرير؟
توجه حسين نحو النافذة المغلقة، واكتشف أن هناك ثقباً صغيراً في ضلفتها الخشبية. اقترب بعينه منها، وفجأة، رأى معجزة صغرى.
سقط شعاع رفيع جداً، كأنه خيط حرير دقيق، عبر الثقب، وهبط مباشرة على صدره. لم يستطع الأب ولا جدران البيت الطينية أن يمنعوا ذلك اللقاء. ابتسم حسين، ووضع يده تحت الخيط المضيء، وكأنه يمسك بأول النسيج.
مرت السنون، وكبر حسين. غادر القرية متوجهاً إلى المدينة الكبيرة للتعليم، ثم أخذته مياه الحياة العكرة بين أزقتها المكتظة بالمباني العالية التي تحجب السماء.
صار حسين رجلاً يرتدي البدلات الأنيقة ويجلس في المكاتب المغلقة، لكن قلبه ظل هناك، على ذلك السطح القديم. في المدينة، كانت الأضواء الاصطناعية تزاحم كل شيء، وتطرد الليل ببهرجها المزيف، فلم يكن للقمر ذلك الحضور الأثيري.
لكن، كلما ضاقت به حيل الحياة، وتعب من صخب البشر وزيف النسيج المدني، كان يخرج إلى شرفة شقته في الطابق الأخير، يطفئ الأنوار، ويقيم نفس الطقس القديم. يتطلع إلى السماء، فيتسلل النور الفضي بين البنايات الشاهقة ليصل إليه.
ها هو حسين اليوم، كاتباً شابت ذوائبه، يجلس أمام أوراقه. لم يتغير شيء في جوهره؛ فالطفل الذي كان ينتظر القمر في القرية ما زال حياً تحت طبقات السنين.
يمسك بقلمه، ليكتب عن ذلك الرفيق الذي لم يخنه يوماً. يدرك الآن أن القمر لم يكن مجرد ضوء في السماء، بل كان يعلمه كيف يحافظ على صفاء روحه وسط عالم من الطين والجلف.
يرفع رأسه نحو النافذة، فيرى البدر يبتسم له من علٍ، يرسل إليه طيفاً ناعماً يلتف حول معصمه وهو يكتب السطر الأخير. يبتسم الحسين الشاب-الشيخ، ويهمس بامتنان للظلمة التي منحته كل هذا الضوء، وللقمر الذي ما زال يغطيه، كل مساء، بشالٍ أبيض من حرير.
