اللوحة: الفنان النمساوي فرديناند جورج والدلمر
أنيس علي قايد الصلاحي

لميس، لميس.. أين أنتِ؟
– أنا هنا يا جدي، ماذا تريد؟
– تعالي يا ابنتي، ارفعي صوت التلفاز قليلًا، واجلسي بجانبي واقرئي لي بعض العناوين.
– حسنًا يا جدي.
اقتربت لميس منه، ورفعت صوت التلفاز، ثم جلست إلى جواره. قال الجد بصوت هادئ: لم أعد أستطيع القراءة كما كنت يا ابنتي.
ابتسمت لميس وقالت مازحة: ما هذا الكلام يا جدي؟ ما زلت شابًا، وأنا ما زلت أبحث لك عن عروس!
ضحك الجد، وهز رأسه قائلًا: الله يهديك يا ابنتي.
ظل يتابع الأخبار بصمت، حربٌ في أوروبا، وحربٌ في أفريقيا، وصراعٌ مشتعل في آسيا. تنقل المذيع من خبر إلى آخر، بينما كان الجد يحدق في الشاشة بعينين غارقتين في شيء أبعد من الأخبار، تمتم: هناك لاعب خفي وراء كل ما يجري..
ثم سكت.
شيء ما في تلك الأخبار أعاده عشرات السنين إلى الوراء، إلى طفولته الأولى، حين كان يعود أبوه من الجبهة مرتديًا بزَّته العسكرية، التي كانت تلمع عليها النياشين والنجوم.
وفجأة سمع صوتًا قديمًا من أعماق ذاكرته:
– أهلًا أبي.. والحمد لله على سلامتك.
– الله يسلمك يا ولدي.
كان الصبي يحدق في أبيه بإعجاب، يتأمل بزَّته العسكرية وما عليها من نياشين ونجوم، بينما جلس أفراد الأسرة حول مائدة الطعام.
بدأ الأب يحكي لهم عن الحرب التي يخوضونها، وعن الإنجليز واليهود، وعن فلسطين التي كانت يومها حاضرة في أحاديث الرجال كما هي حاضرة في قلوبهم.
قال الأب إن اليهود حاولوا انتزاع الأرض بالترهيب تارة، وبالترغيب تارة أخرى، وإن الخليفة رفض الرضوخ لضغوطهم وتهديداتهم، ثم تحدث عن المسلمين الذين بدأت تعصف بهم دعوات الغرب إلى الحرية والاستقلال عن الدولة العثمانية، وكيف تحولت تلك الدعوات، مع مرور الوقت، إلى أبواب دخل منها الاستعمار إلى المنطقة.. كان الصبي يستمع ولا يفهم كل شيء، أما الآن، وبعد أن مرت به السنوات، فقد بدأ يفهم.
عاد الجد من ذاكرته إلى شاشة التلفاز، ظل صامتًا للحظات، ثم قال: ما يحدث الآن يشبه كثيرًا ما حدث قبل مئة عام.
تأمل خارطة العالم على الشاشة، ثم تابع: نجح الاستعمار في تقسيم المسلمين، ثم تقسيم العرب إلى دويلات متفرقة، واليوم يبدو أن مشروع التقسيم لم ينتهِ، بل تغيرت أدواته.
خفض صوته: بالأمس كانت الحدود تُرسم بين الدول، واليوم يريدون أن تُرسم داخل الدولة نفسها على أساس العرق والمذهب والمنطقة.
ارتجفت شفتاه قليلًا.. لم تكن عيناه تريان شاشة التلفاز هذه المرة، بل كانتا تريان شيئًا آخر؛ وجوهًا من الماضي، وخرائط تتغير، وبلادًا تتشظى، وأناسًا يقتتلون فيما بينهم.
نزلت دمعة حارة على خده.
مسحت لميس دمعتها هي الأخرى دون أن يشعر بها.
قال الجد: يؤلمني أن أرى المسلمين يقتتلون فيما بينهم، وأن يتسابق بعضهم إلى اكتساب رضا الغرب، وكأنهم نسوا كل ما حدث لهم.
ثم أطرق رأسه طويلًا وقال: يبدو أننا لم نتعلم من التاريخ شيئًا.
ساد الصمت، وظل صوت المذيع في الخلفية يتحدث عن حرب جديدة، بينما كان الجد يحدق في الفراغ، وكأنه يبحث عن جواب لسؤال ظل يطارده منذ طفولته: هل يتغير التاريخ حقًا، أم أننا نحن الذين نعيد أخطاءه؟