فيليب سوليرس في حوار مع مجلة لارش (L’Arche) الفرنسية: أن تكون طائرا

فيليب سوليرس في حوار مع مجلة لارش (L’Arche) الفرنسية: أن تكون طائرا

اللوحة: الفنان البرازيلي ماتيوس أليكس

ترجمة: سعيد بوخليط

  • س: أصدرتَ خلال شهر مارس كتابين، يتعلّق الأمر برواية ”أسطورة”، ثم نصّ شخصيّ جدّا، تضمّن صورا عنوانه ”عميل سرّي”، عن منشورات ”ميركور دو فرانس” ضمن سلسلة ”صفات و بورتريهات”، التي تشرف عليها كوليت فيلوس. العمل الأخير مفاجئ تماما لأنّه افتقد للخيال، عكس كتابكَ الآخر”رواية حقّا: مذكِّرات”. استغرقتَ وقتا طويلا كي تستجيب لطلب كوليت فيلوس. لماذا قرّرت أخيرا؟ 
  • ج: بسبب الصّور. كما أوردتُ استشهادات، بمثابة دلائل على أنّي أعرف القراءة أو أعيش بطريقة معينة، فالصّور بمثابة دلائل. اقتضى الوضع من فترة إلى أخرى الكشف عن صور فوتوغرافية. إنّه اختيار. نقيض ما وجدته مؤخّرا مع السّيرة الذّاتية للأمريكي فيليب روث الصّادرة خلال شهر أبريل في الولايات المتحدة الأمريكية. نعاين صورا عبر ثلاثة كراريس. لقد أخطأ فيليب روث عندما أثّث سيرته الذّاتية بمختلف تلك الصّور، ولم يعرف كيف يختار. تظهر الصّور التي انتقيتُها سيرة ذاتية تبلورت معالمها طبعا قبل بداية إصداري للكتب. يبدو بأنّ المجتمع يعتقد بكوني أتيتُ إلى العالم عبر بوّابة روايتي الأولى وأنا في سنّ الثّانية والعشرين. لكن قبل ذلك، عشتُ تجارب كثيرة، بعضها ترك بصمة. الصّور هي إعلانات. عرفتُ نساء، بدءا بأمّي، شخصية عصرية جدّا، متطوّرة قياسا لحقبتها، وتلك الغرابة المنبعثة من عينيها ذات الألوان المختلفة. ثمّ الاسبانية الرّائعة المنحدرة من منطقة الباسك، المتمرّدة تماما وتعتبر أوّل امرأة في حياتي. أيضا دومنيك رولان، حيث جمالها في غير حاجة للاحتفال وتبادلتُ معها رسائل قاربت أربعة أجزاء. ثمّ جاء اللّقاء مع جوليا كريستيفا وقد حدث ذلك لأوّل مرّة داخل حديقة لوكسمبورغ فيما أذكر. يبدو أنّ الحديث عن أسماء نساء كثيرات ارتبطن بحياتي تظلّ مسألة محرجة في القرن الواحد والعشرين. 
  • س- تتطرّق مؤلّفاتك إلى موضوعات عدّة، لكننا لاحظنا تركيزا على سؤال الأبوّة مع روايتي ”أسطورة” ”عميل سرّي”. يتجلّى مع الأولى عالم دون أب، بينما استحضرت صفحات العمل الثاني أبوّتكَ وكذا ابنكَ. 
  • ج- لقد أنشد ملايين الأشخاص على امتداد العصور عبارة: ”باسم الأب، والابن، والرّوح القدس”. لكن عوض ترتيل ذلك آليا من طرف الجماعات المؤمنة وجب طرح سؤال معرفي فحواه لماذا تعلّق الأمر تحديدا بأب وابن، وبجانبهما شخص ثالث على قدم المساواة؟ إنّه اللاّهوت حتما، يثير المشاعر، وينطوي على رواية هائلة. اتّجه اهتمامي إلى الاشتغال على ذلك. لقد اختفى الأب إذن باسم التّقنية، لصالح أب بيولوجي، ليس وفق دلالته الإنسانية، بل مجرد منتجات تعيد عمليات الإنتاج. استحضرت جلّ ذلك بين صفحات كتبي منذ فترة بعيدة وانصبّ اهتمامي على هذه الصّناعة الجسدية، إذا جاز القول. أندهش لعدم تبلور حيثيات من هذا القبيل بشكل كبير في الرّواية المعاصرة، باستثناء العمل السّردي لفيليب روث المعنون ب ”حياتي كإنسان” الذي قارب موضوع خداع إعادة الإنتاج البشري، وأعتبره أهمّ كتبه. أن تكون أبا تجربة عشتُها بزخم في غضون شعوري بغتة بأنّي غدوتُ ميّتا كلّيا. واقعة تسري على جميع البشر، بحيث لايتحقّق الأب الجيّد سوى بالموت وإن أحببتُ الاستشهاد بعبارة مونتين ”الأب الصّالح الذي وهبني الله”. الأب الحيّ عائق. امتلاك النّساء، والثّراء، والسّلطة، أدّى إلى إبداع مفهومالنّظام الأبوي (البطريركية)، الذي يناهضه كلّ شخص متمرّد على مستوى الرّوح والوعي ضدّ هذا الأب الذي يشغل المكان برمّته. لانريده فقط أن يكون ميّتا، بل قتله أو إعادة قتله باستمرار. إنّه موضوع الدّعاية الماثلة أمام أنظارنا. إذن يعتبر سؤال”معنى الأب؟ ” جيّدا. الأب المُهان، غياب الأب، الأب المفترس. لقد تمكّن فرويد على أيّة حال من تسليط ضوء مائل على هذه القضية في كتابه”الطوطم والتابو”. احتشاد الأبناء من أجل قتل الأب والانتهاء أخيرا إلى العيش في عالم مثليِّ الجنس. 
  • س- لحسن الحظّ، تعلّق الامر في رواية ”عميل سرّي”، بأبوّة بالأحرى سعيدة. امرأتان يهوديتان في حياتك، دومنيك رولان وجوليا كريستيفا (أمّ ابنكَ). إذن ابنكَ دافيد يهودي. هل غيَّر الوضع علاقتكَ باليهودية؟ 
  • ج- لاأستند في تبريراتي إلى مفاهيم تحيل على الجماعة، بحيث يبدو لي غريبا تماما إمكانية انشغالي بانتماء أحد إلى هاته الجماعة أو تلك. لكن إذا اقتضى الوضع الحديث عن اللّغة العبرية، وكذا ثقافة منفتحة على البحث، القراءة والكتابة، فإنّ أسئلة من هذا القبيل تشكّل حتما، أكبر اهتماماتي الشّخصية. دون الكلام عن التّاريخ اليهودي على امتداد التّاريخ، المأساوي والذي يضمر أهمّية استثنائية. ويسكنني شغف – ديني- أنّه بغير الانجيل، ينتفي جزء من الدّماغ البشريّ: تراكم معيّن للوقائع، الأمجاد، الجرائم. 
  • س- نلاحظ بين صفحات العديد من كتبكَ، لاسيما روايتكَ فردوس، بأنّ الانجيل مثّلَ باستمرار أحد قراءاتكَ. 
  • ج- شرعتُ باكرا جدّا في قراءة الانجيل. توفّرت مكتبة منزلي في بوردو، على عدّة أجزاء من إنجيل القرن الثّامن عشر، طبعات قديمة ذات أغلفة جلدية ومزخرفة للغاية. اعتبرتُ الانجيل وأنا طفل صغير اكتشافا أساسيا جدّا. لم أقف عند حدود ذلك، وأبدي استغرابي بخصوص غياب الانجيل، هذا النصّ المدهش، والرّفيع، عن الثّقافة الفرنسية. 
  • س- خصّصنا ملفّ هذا العدد من مجلة” L’Arche”إلى السّعادة. ضمن هذا السياق نصادف في مقدّمة روايتكَ الأولى ”عزلة غريبة الأطوار” سنة 1958، عبارة جوزيف جويبر: ”أجمل أشكال الشّجاعة أن تكون سعيدا”. ثمّ في روايتي ”عميل سرّي” وكذا ”أسطورة”، كتبتَ جملة تقول: ”يعتبر التمسّك بالسّعادة مبدأ للحياة، بمثابة حسن تصرّف وفن للعيش ”فالسّعادة فلسفتي الجوهرية”. 
  • ج- نعم، ثابرتُ على ذلك زمنيا. مادام الجميع – سوى عائلتي، مسألة مهمّة جدا- يخبرني بالعكس. تتمتّع نكهة الشّقاء بصحّة جيّدة. في المقابل، السّعادة مستهجَنَة. لذلك يلزم تدبير الأمر، إذا توفّرت أدوات، قصد إخفائها. ينبغي استحضار نداء عميل سرّي. ويعود المثل الشّهير: ”لكي نحيا في خفاء، فلنحيا سعداء”. أجهد نيتشه نفسه كي يقول بأنّ الصّحّة الأساسية مصدرها السّعادة. إنجيل متجدّد باستمرار.
  • س- البهجة كأسلوب حياة، لكن أيضا النّسخة المُضَاعفة كأسلوب حياة. ينبغي القول بأنّه يوجد لديك استعداد. يتزوّج أخوان أختين ويعيشون في منازل متوائمة. 
  • ج- العميل السرّي، العميل المزدوج أو الثّلاثي، هذا أفضل كثيرا. صحيح، خلال طفولتي، اتّسم كلّ شيء بالازدواجية. استوعبتُ سريعا بأنّها ازدواجية جسّدتها العلاقات بين الرّجال والنّساء. نزاع يأتي من بعيد ثمّ تفاقم اليوم. 
  • س- أنت وآخرون تحيلون على العميل السرّي، باعتباره ترميزا للكاتب. لكن مع عنوان ”العميل السرّي” وكذا روايتكَ التي تحمل نفس العنوان، تعدّ حتما كلمة ”سرّي” الأكثر أهمّية. أنت شخص سرّي، أو كما عرّفْتَ نفسكَ: ”أنا بالأحرى شخص برّي، ورود، فراشات، أشجار، جزر. حياتي في المستنقعات، مزارع الكروم، الأمواج”. في البداية والنهاية، نجد عبارة: ”أن تكون طائرا”. 
  • ج- الطبيعة بصدد التّدمير. لقد خرّبنا نحن- أستعمل ضمير الجمع لأوّل مرّة – البشر، الطبيعة بكيفية جماعية. ونعيش حاليا تحت كنف سيادة طبيعة – مضادّة. يمكننا منحها الوجه الذي نريده، ثمّ انتهى الحلّ في هيمنة التّقنية. الطيور، خلال العهود القديمة، كنتُ لأصبح عرّاف طيور، ”يقرأ” الطّيور أو طائرا. عرّافا جيّدا أو سيّئا. الطّائر هو الحرّية، إنّه خارج إطار القانون. أستعيد في هذا السياق النّص المذهل لنيتشه ”أغاني أمير خارج القانون”، فالطّيور لا تخضع وتنتقل بكلّ حرّية. يستحيل تدجينها. بما أنّي أنساق إلى الصّيد، فقد غمرتني دائما سعادة النّظر إليها، ومن خلالها يمكن استشعار ما يحدث. بهذا الخصوص، تمتلك طيور النّورس أشياء بوسعها قولها. لذلك، أن تغدو طائرا يجسّد درسا. 
  • س- في الحكي عن طفولتك، طُرِح باستفاضة سؤال المرض. هل ألهمكَ اختبار تجارب أمراض مزمنة شعور عدم الانهزام؟ 
  • ج- عدم الانهزام، لاأعتقد، بل الصّمود مهما كلّف ذلك من ثمن. سواء كنت مغلوبا على أمري، أو أكابد غيبوبة، جنونا خلال لحظات معيّنة، أو نوبات الاختناق من الرّبو. هذا ما استلهمته من بروست، معطى جسد يدرك كنه حديثه. لماذا لا أقبل الخسارة إذا كان الانتصار حليف المرحلة المقبلة؟ 
  • س- أكّدتَ بأنّ مجمل لقاءاتكَ، غرامياتكَ، صداقاتكَ، بمثابة ”لقاءات استثنائية”. نستعيد تاريخ صداقاتكَ مع مفكّرين مثل لوي ألتوسير، جورج باطاي، جاك لاكان وآخرين، لكن هل يبقى لقاؤكَ استثنائيا حقا مع رولان بارت الذي أنجز عنكَ كتابا عنوانه ”سوليرس الكاتب”؟ 
  • ج- نعم، وسعيت إلى الحديث عن ذلك بين طيّات نصّ عنوانه ”صداقة رولان بارت”. لم نتفّق تماما، لكنّه زخم صداقة، تبلورت وفق خوارزميات متباينة. أدخلني موته في دوّامة حزن كبير. 
  • س- بجانب تلك اللّقاءات الاستثنائية مع نساء ربّما، طغى أيضا موضوع السرّية على مختلف كتاباتكَ. تقول نفس العبارة الواردة عند دومنيك رولان: ” السرّية نفور من التطفّل”. 
  • ج- التطفّل اجتماعي تعريفيا. خلال عهد الصحافة المطلق، مثلما يقول تحديدا مارتن هيدغر. يلزم وجود إيحاءات مرتبطة بتطفّل البعض على الآخر. إنّه فكر ترسُّخ محاكم التّفتيش. 
  • س- لماذا وضعتَ رواية ”أسطورة” ضمن إطار هذه الجملة لمكيافيلي: ”سعيد من يتصرّف بطريقة تمكّنه من ملاقاة أزمنة نوعية”؟ 
  • ج- تستهويني خاصّية الزّمان. ماذا تعني طريقة التصرّف؟ يعني ذلك بأنّ طريقة العيش فنّ، هكذا تتكلّم سياسة مدهشة، ورجل في المنفى. الأمر جوهريّ، بالسبة لعميل سرّي، مثلما كان الشّأن مع ميكيافيلي، حسب مضمون جلّ مراسلاته. أيضا اخترت هذه العبارة لأنّها تأخذني صوب منفى معيّن. أحسّ بشعور الاستبعاد وكذا الرّصد من طرف المجموعة المحلّية التي أنتمي إليها، وأزعجها. 
  • س- المنفى، ربّما، لكن ”الرّصد”أجده بصراحة مبالغا فيه؟ 
  • ج- فعلا، لكني أشير أساسا إلى ”لوموند”، المنبر الصحفي الأول في الجمهورية. بخصوص ”نوعية الأزمنة”، فالمقصود بذلك الطّريقة التي أعيش بها زمني الباطني الذاتي، خارج نطاق الزّمن المجتمعي الخاطئ. 
  • س- لوي كلود سان مارتان، المعروف ب”الفيلسوف المجهول” عاش فترة الثّورة الفرنسية، هو بطل روايتكَ السّابقة ”رغبة”، سافرتَ به عبر الزمان. أمّا روايتكَ الأخرى ”أسطورة” فقد شكّلت بالأحرى تأمّلا للسّارد في حالة العالم. 
  • ج- نعم، العالم ليس على مايرام. لقد توخّى التّقليد ضمّ بعض الرّوايات الفرنسية إلى الرّواية الفلسفية. بينما حقّقت رواية ”أسطورة” مجدها الثّوري. نعيش حاليا، في خضمّ فوضى مما دفعني إلى الارتباط أكثر بما أسمّيه الرّواية الميتافيزيقية، رواية تقف ضدّ كل نزوع نحو نفي التّعالي، الذي يلزم في رأيي، أن يشعر به الجميع. إنّها استقصاء دائم في المقدّس، الإلهي، الآلهة. 
  • س- يذكّرنا عنوان ”أسطورة” بفيكتور هيغو
  • ج- بالتّأكيد، أسطورة العصور. لكنّنا غادرنا سياق هذا الهاجس التّاريخي، ويمكننا التّساؤل راهنا حول من يدرك راهنا دلالة” في عصور العصور”، مثلما يتداوله القدّاس الكاثوليكي. 
  • س- تحدّثتَ في رواية “أسطورة” عن خاصّية بدت في طور التّلاشي: التهكّم. وهذا العبارة لشليغل: ”التهكّم وعي واضح بالمرونة الدّائمة، ثمّ اكتمال لانهائي للفوضى”. 
  • ج- إنّها مقولة للشابّ فريديريك شليغل الذي تحوّل إلى الكاثوليكية، واقعة ذات دلالة خلال الحقبة الرّومانسية. المرونة الأبدية التي تتيح إمكانيةالانسياب تدريجيا في إطار اكتمال الفوضى. ينبغي العودة من جانب اللاّهوت، نحو عبارة: ”سعيد من يتصرّف بطريقة تجعله يلاقي خاصية الأزمنة”. بما أنّنا نعيش في أوج الفوضى، يلزم التّأكيد على مختلف ذلك. المرونة، هي مرونة بوسعها تقديم طوق النّجاة. 

مرجع الحوار الذي أجرته جوزيان سافينو مع فيليب سوليرس: L’Arche: Mai- Juin 2021. 

اترك رد