حضورٌ متوارث

حضورٌ متوارث

اللوحة: الفنانة الفرنسية ماجالي بات غوتييه

على ضفةٍ لا تكفّ عن تبدّل شكلها، كان بيتُ مبارك واقفًا كظلّ طينٍ ممتدّ، يحمل قامة صبر. جدرانه من قصبٍ متشابك، والنهر لم يكتفِ بمروره عليه، بل ترك فيه شيئًا من عروقه. الأعشاب تمتدّ خلفه، والزوارق مربوطة عند الحافة في سكونٍ طويل.

في الصباح، جلست سعاد عند العتبة. ثوبها الأخضر أثرُ موسمٍ قديم. في عنقها خرزٌ ورثته عن أمها. أمامها إبريقان، والبخار يصعد باحثًا عن سقفٍ آخر غير السماء.

حمدان راح ينظر إلى الماء كشيءٍ يتذكّر ولا يُجيب. 

قال دون أن يلتفت: هذا العام.. سيعلو أكثر مما نحتمل.

سعاد لم تردّ. سكبت القهوة، تضع الزمن في فنجان. 

همست، تخاطب الماء على نحوٍ عابر: من يعرف طريقه، لا يغرق.

مرّ طائران فوق القصب. انعكست ظلالهما في النهر علاماتٍ عابرة على سطحه. وفي البعيد، ارتفع صوت مجدافٍ يجرّ الهواء خلفه.

في البدء، لم يكن التغيّر صاخبًا. ظهر كفكرةٍ تنمو في الصمت. ثم جاء الخبر مع الريح: الطرق تبتلع المسافرين. المدينة تصنع الغياب ولا تعيده. والرجال يذوبون في المشي، تُمحى أسماؤهم أثناءه.

في ليلةٍ انشقّ فيها الظلام بوضوحٍ ثقيل، بدا النهر مختلفًا؛ أثقل، أقرب إلى صدرٍ يغلي. وصل قارب غريب إلى الضفة. لا أحد يعرف من أين جاء، ولا لماذا توقّف هنا. رجلٌ مسنّ نزل منه، يمشي كمن يحمل عمرين في جسده.

قبل ذلك بيوم، حدثٌ صغير شقّ الصمت: الماء ارتفع فجأة، واقترب من عتبة البيت. القصب انحنى، والزوارق ارتطمت ببعضها في اضطرابٍ حاد. وفي ذلك الاضطراب، اختفى القارب الغريب لساعة كاملة ثم عاد فارغًا، كما لو أنه لم يحمل سوى الفراغ.

الشيخ اقترب من سعاد. لم يتكلم كثيرًا. فقط مدّ قطعة قماش. في داخلها: مشطٌ خشبي صغير.. ورائحة نهرٍ بعيد.

حمدان لم يعد إلى البيت.

آخر ما رآه النهر: رجلٌ يبتعد في الضباب، والماء يفتح له بابًا لا يُرى.

سعاد فتحت الرسالة وحدها. كانت الكلمات قليلة، لكنها تسقط بثقلٍ لا يُقال: “إن تأخرتُ، فلا تبحثي عني في الطرق. بعض الطرق ليست للعودة. قولي للصغير إن الماء يعرفني، وإنني حين أنظر إليه أرى البيت لا الضفة”.

لم يظهر على وجهها ما يشبه البكاء، كأن الدموع تجري في موضعٍ آخر.

مرّت السنوات كما لو أنها تعبر فوق سطح ماءٍ لا يثبت.

وائل الصغير كبر دون أن يسأل كثيرًا. اعتاد الصمت، وابتعد عن الكلام غير المجدي.

سعاد كانت تخيط ثيابه عند المساء، وتترك المهد بجانبها ينتظر اسمًا لم يُمنح بعد.

في الشتاء، يدخل الهواء من الفتحات كأنه ذاكرة تبحث عن خروج.

في الصيف، كانت تفتح الباب للنهر.. ليعبر.

كبر الصبي وبدأ يتأمل. وقف عند الضفة. في يده مجداف صغير، يوحي بأنه خرج من حلمٍ طويل.

قال: أمي.. هل كان يعرف هذا الماء؟

سعاد نظرت إلى النهر. لم تجب فورًا.

تحرّك القصب معها كما لو يستعيد ذاكرة مشتركة.

ثم قالت: لم يعرفه فقط.. بل كان يسكنه.

ـ وهل يعود؟

سؤال الصبي ارتجّ معه الماء.

صمتت.

ثم قالت: بعض الغياب لا يعود.. لكنه يترك أثرًا يدفع الأشياء لتكمل الطريق عنه.

دفع الصبي القارب. تحرّكت الضفة خطوة إلى الوراء، كأن الأرض تتردّد. خلفهما، ظلّ البيت واقفًا. بابه مفتوح، كجملة لم تُغلق منذ زمن.

وفي النهر، لم يكن هناك سوى ماءٍ يمضي.. كما لو أنه لا يعرف أن أحدًا قد غاب.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك رد