اللوحة: الفنانة الأمريكية هيذر غودويند
مُسْتَشْفًى ضَخْم.
فِي الصَّبَاحِ، بالكاد بدأ العَمَلُ.
مَرْضَى حَالَاتُهُمْ حَرِجَةٌ يَصْطَفُّونَ أَمَامَ أَبْوَابِ الأَطِبَّاء،
أَنِينُهُمْ حَادٌّ بِمَا يَكْفِي لِتَتَوَجَّعَ مِنْهُ الآذَان.
وَمَعَ ذَلِكَ، لَا أَثَرَ لِطَبِيبٍ وَاحِدٍ فِي الأُفُق.
كُلُّهُمْ مَحْصُورُونَ فِي اجْتِمَاع –
فَالمُدِيرُ الجَدِيدُ مَشْغُولٌ بِإِثْبَاتِ جَدَارَتِه.
أَخِيرًا، يَنْفَضُّ الِاجْتِمَاع.
تبدو المَعَاطِفُ البَيْضَاءُ لِلأَطِبَّاءِ الخَارِجِين
وكأنها أَكْفَان جديدة.
كما لو أنّ المَوْتَى قَدْ بَعِثُوا
وَعَادُوا لِلْتَّوِّ مِنَ المَقَابِر.
وَالآن، هُمْ مُسْتَعِدُّونَ لِإِرْسَالِ
جَثَامِينَ جَدِيدَةٍ إِلَى المَدَافِن
مِنْ هَذَا المُسْتَشْفَى الَّذِي يخلو من أيّ أَدْوِيَةٌ جَدِيدَة.
وفي غضون ذلك،
أُولَئِكَ الَّذِينَ يَجْنُونَ الأَرْبَاحَ
هُمُ الملالي، وَحَفَّارُو القُبُورِ، وَغَاسِلُو المَوْتَى.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَهُمْ مَخْلُوقَاتٌ لَا تَعْرِفُ الرَّحْمَة؛
لَمْ يُفَكِّرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي شُكْرِ المُدِيرِ الجَدِيد.
… هَذَا تَقْلِيدٌ قَدِيم.
وَكُلُّ مُدِيرٍ جَدِيد
يضيف لمسةً مبتكرةً بسيطةً إلى الطُّقُوس.
وفي الوقت نفسه،
يَغْدُو المُدَرَاءُ أَصْغَرَ سِنًّا.
لَكِنَّ المَرَضَ وَالمَوْتَ أصبحا أكثر شباباً أَيْضًاً.
هَذِهِ هِيَ الرِّعَايَةُ القُصْوَى لِلشَّبَاب:
أَنْ تَعِيشَ طَوِيلًا يَعْنِي بَبَسَاطَةٍ أَنْ تَتَعَذَّبَ كَثِيرًا.
فِي هَذِهِ الأَثْنَاء،
وبينما أَنْظُرُ إِلَى الأَطِبَّاءِ بِمَعَاطِفِهِمُ البَيْضَاء،
تَذَكَّرْتُ الجَزَّارِينَ بِمَآزِرِهِم البَيْضَاء.
تَمَامًا كَمَا يحدّقُ الجَزَّارُونَ فِي بَقَرَةٍ
لحساب الأَرْبَاحَ الَّتِي سَتُدِرُّهَا عَلَيْهِم،
يَتَفَرَّسُ الأَطِبَّاءُ فِي مَرْضَاهُم
وَيَحْسِبُونَ مَكَاسِبَهُمْ مِنْهُم.
يَدْرُسُ النَّاسُ لعِشْرِينَ عَامًا فَقَطْ لِيُصْبِحُوا جَزَّارِينَ.
هَكَذَا تَزْدَهِرُ صِنَاعَةُ التَّعْلِيم.
لَكِنْ عِنْدَمَا أَنْظُرُ إِلَى عُمَّالِ النَّظَافَةِ بِزِيِّهِمُ الأَبْيَض،
تتوقّدُ شَرَارَاتُ الأَمَلِ فِي صَدْرِي.
رُبَّمَا يَسْتَطِيعُ هَؤُلَاءِ العُمَّالُ كَنْسَ هَذَا النِّظَامِ بِأَكْمَلِه.
وَعَلَى اللَّافِتَةِ البالية عِنْدَ مَدْخَلِ المُسْتَشْفَى،
تَبْدُو الأَفْعَى – الشِّعَارُ القَدِيمُ لِلطِّبِّ – بَاهِتَةً جِدًّا
حَتَّى لَتَكَادُ تَكُونُ غَيْرَ مَرْئِيَّة.
رُبَّمَا هَرَبَتْ، مَذْعُورَةً مِنْ هَؤُلَاءِ الجَزَّارِينَ.
البَشَرُ يَنْتَظِرُونَ الخَلَاصَ على أيدي جَزَّارِيهِم –
حَتَّى الوحوش لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ.
حَتَّى المَخْلُوقَات عديمة الأَرْجُل تَجِدُ سبيلاً لِلْفِرَارِ مِنْ قاتِليها.
… كُنْتُ سَأَقُولُ: “قَوَّى اللهُ عُمَّالَ النَّظَافَة”،
لَكِنَّ الأُجُورَ الَّتِي يَتَقَاضَوْنَهَا
لَا تَكْفِي إِلَّا لِيَعِيشُوا كَالعَبِيد.
حَتَّى اللهُ يَقِفُ عَاجِزًا هُنَا.
فَقَدْ صَارَ عِبَادُ اللهِ عَبِيدًا لِلْمَسْؤُولِين.
كُلُّ بِيرُوقْرَاطِي يَتَصَرَّفُ كَأَنَّهُ إِلَه.
وَاللهُ لَا يستطيع تحرير عِبَاده مِنْهُم.
… لِذَلِكَ،
تغدو الأَفْعَى الَّتِي اخْتَفَتْ
رمزاً للضَّمِيرِ وَالرَّحْمَةِ اللَّذَيْنِ اخْتَفَيَا.
وَالمَعَاطِفُ البَيْضَاءُ نذيراً بالأَكْفَانِ البَيْضَاء.
لَوْ أُخضعتْ هَذه البلاد بأسرها لجِهَازِ الأَشِعَّةِ السِّينِيَّة،
لَتَأَكَّدَتْ كُلُّ كَلِمَةٍ أَقُولُهَا.
… مُلَاحَظَة:
أَتَسَاءَل،
هَلْ يُمْكِنُ لِجِهَازِ الأَشِعَّةِ السِّينِيَّةِ
أَنْ يَعْثُرَ يَوْمًا عَلَى تلك الأَفْعَى المُخْتَفِيَة؟
بختيار هدايت (Bakhtiyar Hidayat) شاعر وأكاديمي أذربيجاني، ولد عام 1974 في منطقة قازاخ. حصل على شهادته الجامعية عام 1995، ويعمل أستاذاً للتاريخ منذ عام 1998.
بدأ كتابة الشعر في مرحلة مبكرة وصدرت له أربع مجموعات شعرية مطبوعة. يمتلك تجربة أدبية ذات بنية رمزية وتهكمية لاذعة؛ حيث تُركز قصائده على نقد الفساد البيروقراطي والمؤسسي، والواقع الاجتماعي والاقتصادي الصعب، إضافة إلى تشريح قضايا الحروب والفقر وأزمة الضمير الإنساني في العالم المعاصر.

