الصوت المبحوح

الصوت المبحوح

اللوحة: الفنان البلجيكي  تييري فاليز

​في “مدينة الصدى”، لم يكن الكلام جريمة، لكنه كان يملك كلفةً لا يقدر على دفعها سوى النافذين.
نشأت المدينة في قاع وادٍ ضيق، تحيط بها سلسلة جبال مهيبة تُدعى “جبال الهمسات”. ولعقود طويلة، اعتاد السكان نطق كل حرف برقة متناهية، خضوعاً لخوفٍ دائم من أن يؤدي الصوت المتصاعد والمتردد بين القمم إلى حدوث انهيارات أرضية مدمرة كالتي دمرت البلدة القديمة – أو هكذا كانت تروي الرواية الرسمية المكتوبة في المناهج المدرسية.
​في منتصف الميدان الكبير ترتفع “منارة البرونز”، وهي مكبر صوت ضخم أحادي البناء، كان ينبعث منها كل صباح صوتٌ مستعار ينشد “النشيد الموحد”. كان صوتاً صافياً، قديرًا، خالياً من أي نبرة بشرية، تملي على الناس كيف يفكرون، ومتى يبتسمون، وكيف يهمسون.
​كان “نورس”، وهو معلم قديم في مدرسة المدينة، يراقب الموقف في صمت. كان يدرك جيداً أن المدينة لم تفقد قدرتها على الكلام بالتدريج، بل تنازلت عنه طواعية للحاكم، “سيد النبرة”، مقابل وهمٍ هش بالأمان.
​بدأ كل شيء في صباح يوم خريفي.
صعد الحارس المكلف بقراءة البيان اليومي إلى مكبر الصوت البرونزي. فتح الميكروفون الحجري، وضغط على زر البث، ثم أخرج ورقة التعليمات الرسمية وبدأ القراءة:
“إلى جميع المواطنين المخلصين في الوادي، لعلمكم أنه اعتباراً من اليوم، ستزداد ساعات الصمت الإجباري بمقدار…”
​وفجأة، انكسرت النبرة الصافية. خرج الصوت مخنوقاً، مشروخاً، وكأن بحة قاسية تُمزق أحباله الصوتية. حاول الحارس أن ينظف حنجرته، لكنه أصيب بنوبة سُعال حادة، وتحول البيان إلى صفير متقطع وبكاء مكتوم من الحديد والكابلات.
​اهتز الميدان. رفع المواطنون أبصارهم في ذهول؛ كانت هذه هي المرة الأولى منذ أربعين عاماً التي يسمعون فيها صوتاً “غير مكتمل”، صوتاً يتألم ويظهر الضعف.
لقد أصبح “صوت السلطة” أجشّ!
​وفي القصر الفاخر الذي يطل على الوادي، سادت أجواء من الهستيريا.
كان “المجلس الأعلى للبيانات” يعلم جيداً أن سلطة “سيد النبرة” لم تكن تقوم على السلاح، بل على فكرة “الكمال الصوتي”. فالصوت الذي لا شائبة فيه لا يخطئ، ولا يتعب، ولا يمكن معارضته. أما “الصوت الأجش”، فهو صوت بشري… وما هو بشري يمكن التشكيك فيه، بل وحتى عصيانه.
​استُدعي أطباء الأنف والأذن والحنجرة، ومهندسو الصوت، وحتى المعالجون بالطب البديل. جُلبت زيوت نادرة، وصدرت أوامر صارمة لأجهزة البث لاستعادة صفائها. ومع ذلك، كانت بحة الميكروفون تزداد عمقاً يوماً بعد يوم.
وكلما حاول القصر إلقاء خطاب رسمي، خرجت الكلمات جافة، متكسرة، تشبه عويل طائر جريح.
​في هذه الأثناء، كان “نورس” يجتمع مع أربعة من طلابه الشباب في قبو المدرسة القديمة.
لم يكونوا يخططون لثورة مسلحة؛ لم يكن لديهم سوى دفاتر قديمة وأحبال صوتية لم تُستخدم بكامل طاقتها منذ زمن طويل.
قال شاب يُدعى سامر: “هل سمعتموه اليوم؟ إنه يتألم. لم يعد ذلك الصوت الإلهي الذي يزرع فينا الرعب.”
أجابت ندى، وهي ممرضة شابة: “البحة تعني أن خلف ذلك الميكروفون اختبأ رجل خائف. تعني أن هناك إنساناً يستنزف حنجرته لمجرد الاستمرار في الصراخ في وجوهنا.”
ابتسم “نورس” وقال بنبرة خافتة: “عندما يصبح الصدى أجشّ، يأتي دور الحقيقة لنتكلم.”
​ثم حدث ما لم يكن في الحسبان.
في السوق الشعبي، حاول بائع الخضراوات عرض بضاعته بالحفاظ على نبرته الخافتة المعتادة، لكنه تعثر، وخرج من حنجرته صوت خشن وأجش. شعر بائع الخضار فجأة بالخوف والذنب، لكن التاجر المجاور له ابتسم وأجابه بصوت مماثل تماماً.
​انتشرت “البحة” في المدينة مثل عدوى طيبة.
لم يكن الناس يصرخون، لكنهم توقفوا عن الهمس المنضبط. أخذت أحاديثهم تستعيد نسيجها الأصيل: بين طقطقة، وتردد، وتعب، وصدق. اكتشف الناس أن الحنجرة الجشاء تملك دفئاً أكبر بكثير من الصوت الآلي المتقن.
​شعر القصر بالخطر المحدق.
فصدر المرسوم رقم (99): يُحظر حظراً تاماً على جميع المواطنين نطق أي كلمة لمدة أسبوع كامل، ويُكتفى باستخدام الإشارات، لحين استعادة الصوت الرسمي ونقاء الهواء.
​انتشرت الحراس على طول الطرقات، مزودين بميكروفونات صغيرة لالتقاط أي اهتزاز صوتي. غرقت المدينة في صمت كالمقابر، لكنه لم يكن صمت خنوع هذه المرة؛ بل كان الهدوء الذي يسبق العاصفة.
ظل الجميع في الانتظار، يحفظون في حشارجهم أنفاساً محبوسة.
​في الليلة التي ختمت أسبوع الصمت، تجمع “نورس” وطبلته عند قاعدة “منارة البرونز”.
كان الحراس قد غادروا الأبراج المجاورة للاحتماء من برد الليل، واثقين من أن المرسوم قد ألقى في القلوب ما يكفي من الرعب. تسلل سامر إلى لوحة تحكم الكابلات، بينما وقف “نورس” أمام الميكروفون الرئيسي.
​لم يكن “نورس” يرغب في إلقاء خطاب عصماء، ولا إعلان بيان ثوري.
قرب شفتيه من اللاقط البرونزي وتنحنح. خرج صوت قوي، جاف، محمل بمرارة ستين عاماً من الصمت المفروض. ثم نطق كلمة واحدة: “نحن…”
​ترددت كلمة “نحن…” عبر مكبرات الصوت في كل زاوية من زوايا المدينة.
استيقظ الناس فزعين، وتطلع الجميع من النوافذ. لم تكن تلك الكلمة صافية ولا عذبة؛ بل كانت جشاء للغاية، تحكي عن تعبهم، وفقرهم، وآمالهم المؤجلة.
​ظل الجميع في انتظار أن تنهار “جبال الهمسات” فوق رؤوسهم، كما كانت السلطة تهددهم دائماً.
مرت الدقائق… لكن الجبال لم تنهدّ، ولم تقع أي كارثة. لم يكن الخوف من الانهيارات سوى أسطورة ممتدة لاحتجاز الشعب في رعبٍ من صوته هو.
​خرج رجل من بيته وتنحنح بصوت عالٍ. وخرجت امرأة ونادت جارتها ببحة واضحة.
وفي غضون ساعات قليلة، اكتظ الميدان الكبير بآلاف المواطنين. لم يكن أحد منهم يملك صوتاً ملحناً أو مخملياً؛ كانت حناجرهم جميعاً جشاء بعد سنوات من التعتيم والصمت. ومع ذلك، عندما نطقوا الكلمات معاً، شكلت تلك التشققات المتعددة تناغماً ملهماً وقوياً.
​حاول القصر بث “النشيد الموحد” من المنارة لتغطية ضجيج الميدان، لكن ذلك الصوت البرونزي المسجل بدا هشاً، نشازاً، ومصنوعاً بلا جدوى أمام الجوقة البشرية الجشاء.
توقفت أجهزة القصر عن البث – لا بسبب عطل فني، بل لأن كل محاولة أصبحت مثيرة للضحك.
وظلت أبواب القصر مغلقة، وتلاشت سلطة “سيد النبرة” دون أن تُراق قطرة دم واحدة.
​في الصباح التالي، أُزيلت “منارة البرونز” من وسط الميدان، وتُقرر عدم استبدالها بأي مكبر صوت آخر.
جلس “نورس” على مقعد خشبي في الميدان، يحفه أطفال المدرسة. لم يعلمهم الكلام بصوت عالٍ وحاد، بل شرح لهم أن الصوت الحقيقي للحرية ليس دائماً عذباً أو منغماً بشكل كامل؛ بل هو ذلك “الصوت الأجش” الذي يخرج بشجاعة من أعماق التعب ليقول الحقيقة.
​ومنذ ذلك اليوم، أدركت المدينة أنه عندما تتحد الأصوات الهشة وغير المكتملة، فإنها تخلق تناغماً لا يمكن لأي طاغية أن يمحوه.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك تعليقاً