اللوحة: الفنان الأمريكي ماثيو كونار
2 – المكيدة
كان اقتياد نوري إلى غرفة التحقيق في ذلك الصباح غريباً عن كل صباحات مديرية امن السليمانية التي نهشت أشهراً من عمره. ما إن ابتعدوا به عن الممرّ المفضي إلى غرف التعذيب المعتادة حتى أطبقت على نوري ريبةٌ باردة، وأيقن أن أمراً يُحاك له في الخفاء.
معصماه طليقتان، وعيناه مكشوفتان لأول مرة على امتداد الطريق، وقد تخلى السجّان الذي يحرسه من الخلف عن فظاظته المعهودة حتى خُيّل إليه أن اليد الثقيلة القاسية التي اعتادت دفعه ولطمه نسيت موضع كتفه.
أما الحارس المتقدّم امامه فكان يخطو خطواتٍ محسوبة متأنية، كمن يمشي في بيتٍ فيه مريض.
وقع الخطى الوادعة هذه كانت أثقل على أعصابه من ركلة.
هو يعرف أن مديريات الأمن لا تبدّل عادتها مصادفة، وأن كل ليونة فيها يعني ان هناك شيء ما او مفاجئة للإيقاع بالمعتقل.
توقفوا أمام باب المحقق فخري، الرجل الذي يتهامس المعتقلون باسمه، ويعرفونه خبيراً في ملفات الشيوعيين. غير أن الباب هذه المرة ظل موصداً.
مالوا به إلى مبنىً مجاور داخل المؤسسة الأمنية، كان في أصله مدرسة، ثم استحال استراحةً لمنتسبي الأمن…
ادخلوه احدى قاعاتها فرآها وقد سُلبت براءتها وغيرت ملامحها.
الشُّعَب الدراسية صارت مكاتب وغدت غرف استجواب، وفي الهواء بقايا رائحة طبشور قديم يخالطها دخان وعرق وخوف.
كان قد لاحظ على أحد الجدران عبارة بالخط الأحمر العريض:
“إعدادية السلام للبنين”.
تسمّر بصره عند الحروف، وانفتح في صدره باب أُغلق منذ أشهر.
تسائل مع نفسه:
“إذاً هنا وقعت الحادثة قبل اعتقالي بوقتٍ قصير…”
أربعون طالباً، أعمارهم بين السادسة عشرة والسابعة عشرة، لم ينجُ منهم أحد، وكان بينهم شقيقان من أبناء عمي.
سمّاها الأهالي “مجزرة السبورة”، فقد كتب أحدهم على سبورة إحدى الشُّعَب عبارة “يسقط الطاغية صدام”.
عم المدرسة هرج ومرج وعجز الأمن عن معرفة كاتبها، أغلقت المدرسة بعد ان اعتقلوا طلاب الشعبة بأكملهم ولم يمضي أكثر من أسبوع حتى أعدموهم عن بكرة أبيهم. وحين سُلّمت الجثث إلى ذويهم أُجبر الاهل على دفع ثمن الرصاص الذي مزّق أبناءهم، ومُنعوا من إقامة الفاتحة ومن ارتداء الحداد او حتى النطق بأسماء الضحايا.”
انتابه شعور، بأن غبار الطباشير العالق بحافة تلك السبورة ما زال يحتفظ ببصمات أصابعهم الفتية، وأن الجدران لازالت تحمل رائحة انفاسهم.
أجلسوه في قاعةٍ صامتة لا يشغلها غير طاولة خشبية وبضعة كراسٍ.
ناوله أحدهم قدحاً من الشاي يتصاعد منه البخار، ثم أشعل سيجارة ومدّها إليه بلطفٍ بدا له أقسى من الصعق بالكهرباء.
أخذوا يتبادلون النكات وتتطاير ضحكاتهم في المكان كأنهم في مقهى، حتى إذا خفتت قال أحدهم:
ـ المحقق فخري سيحضر بعد قليل… انتظر فقط.
راقبهم نوري بصمت.
أدرك أن خلف هذه الوداعة تهديداً أعظم من الضرب، وأن الجلاد حين يبتسم يكون أخطر منه حين يصرخ.
وبينما كان يرفع القدح إلى شفتيه، أخرج أحدهم مسدساً ووضعه على الطاولة أمامه… ثم مضى الى ركنٍ آخر دون التفاتة، كمن ترك على الرفّ شيئاً لا يستحق اليقظة والحذر.
وفي اللحظة التالية دوّى جرس إنذارٍ حاد مزّق سكون المبنى.
تدافعوا إلى الخارج بفزع وأكتافهم تصطدم بإطار الباب، وتركوه مفتوحاً على مصراعيه.
وما هي إلا ثوانٍ حتى خلا المكان، فلم يبقَ فيه غير نوري وسيجارته وقدح الشاي، وذلك المسدس المطروح على الطاولة في صمتٍ ثقيل.
تلاشى وقع أحذيتهم في الممرات، فصار السكون نفسه يُسمَع.
وقعت عيناه على المسدس… لم تمتد يده إليه.
حدّق فيه طويلاً…
كان يعرف السلاح معرفة من عاش بين أهله. فقد قضى سنوات إلى جانب أبيه الذي كان السلاح جزءاً من عمله اليومي. ارتطمت كفّه بالحديد البارد في أكثر من موقف، فتعلّم أن ينظر إلى قطعة السلاح قبل أن ينظر إلى ما توعد به.
لم يحتج إلى وقتٍ طويل ليدرك أن ما أمامه ليس سوى هيكل سلاحٍ لا أكثر..
مسدس خال من الرصاص، بطلاء متآكل، وحديد يعلوه الصدأ، وفي أجزائه آثار إهمالٍ طويل، كأنه أُخرج من مخزنِ خردة نُسي فيه لعقود طويلة.
أن سلاحاً بهذا الحال، مهما أفصح عطبه، لا يوضع بطريق الخطأ في غرفة كهذه وفي ظرفٍ كهذا.
عندئذٍ انكشفت له الخطة كلها.
أرادوه أن يصدّق أن الدروب انفتحت أمامه:
غرفة خالية، وباب مشرع، وسلاح في متناول كفّه، ولا أثر لحارس.
راهنوا على أن يقهر الخوف عقله فيخطف المسدس ويندفع نحو الباب…
عندها لا يحتاجون إلى محاكمة، ولا إلى اعتراف، ولا إلى ملفٍ جديد…
رصاصة واحدة في ظهره تطوي الحكاية، ثم يكتفون بسطرٍ واحد في المحضر الرسمي:
“قُتل أثناء محاولته الهرب”.
ارتسمت في داخله سخرية مريرة:
“ما أفقر عقلية هذه السلطة حين تحسب أن المحاصَر يفقد قدرته على التفكير، وأن الجوع والعذاب يطفئان عقله كما يطفئان جسده.”
صحيح أن التعذيب هدّ بدنه وترك في عظامه أنيناً لا يهدأ، غير أن وعيه ظل يقظاً لكل حركة، عارفاً بكل فخ ينصب له، وبأن لحظة إهمالٍ واحدة تكلّفه حياته.
اتكأ إلى ظهر الكرسي بهدوء.. أغمض عينيه وسحب نفَساً عميقاً من سيجارته فامتلأ صدره بدخانٍ دافئ. ثم ارتشف جرعة صغيرة من الشاي الذي طالما حُرم من مثله، فانساب الدفء الحلو في حلقه، وتسللت الحلاوة إلى زاويةٍ من روحه ظنّها ماتت. فتح عينيه وتأمل السكون من حوله مفكرًا:
“يا للمفارقة! لقد منحتني مكيدتهم دقائق من السكينة لم اعرفها منذ أشهر.”
خطر له أن يطيل احتساء الشاي ما استطاع، وأن يسرق من سجّانيه وقتاً إضافياً لا يقدرون على استرداده.
وحين طال انتظارهم عادوا أخيراً. توقفت خطواتهم عند العتبة..
ارتسم على وجوههم عجبٌ ممزوج بخيبة.. وكان سؤالاً واحداً يتردد في عيونهم:
“لماذا لم يتحرك؟ لماذا بقي في مكانه؟”
لم ينطق نوري بكلمة. أطفأ سيجارته بهدوء. وضع القدح على الطاولة بثبات، كضيفٍ أنهى استراحته وينتظر أن يُؤذن له بالانصراف.
اندفعوا نحوه بعصبية، وعصبوا عينيه، وكبّلوا يديه بعنف، ثم انهالت عليه الشتائم واللكمات وهم يجرّونه في الممرات إلى زنزانته. وتحت العصابة السوداء كانت شفتاه تخبئان ابتسامة لم يرها أحد.
كان الغضب في أصواتهم أعلى منه في قبضاتهم، فقد تحطمت الخطة التي نسجوها بعناية أمام قدح شاي وسيجارة وخردة حديد.
ولم تكن تلك المحاولة الأخيرة. أعادوا الكمين بأشكالٍ مختلفة، وغيّروا التفاصيل، وبدّلوا الوجوه، غير أنهم كانوا يصطدمون في كل مرة بالعقبة نفسها:
معتقل، صار يدرك أبجديات التعامل مع غرف التحقيق والكمائن الأمنية.
3 – الجاسوس
تزامنت تلك الأشهر المثقلة بالوجع مع رجفةٍ سياسية تسللت أطيافها عبر ثقوب الزنازين وأروقة السجون، قبل أن تتلقفها ألسنة الشارع في الخارج.
فقد انعقد شريطُ اتفاقٍ للسلام والمهادنة بين “الاتحاد الوطني الكردستاني” الذي قضى سنين طوالاً وهو يُسام بالخيانة ويُطارد بوصفه من فصائل المعارضة المسلحة “البيشمركة” في الشمال وبين قبضة سلطة “البعث” الجاثمة.
كان الاتفاق يرتدي في ظاهره مسحة إنسانية كاذبة، “مساراً لتبادل الأسرى والمعتقلين السياسيين” بعد أن رفع الاتحاد قائمةً مدبجة بأسماء محكومين أُرهقوا بأقسى الأحكام بين مشانق الإعدام ومطامير السجن المؤبد مطالباً بفك أسرهم وانتشالهم من قعر المنون.
غير أن أجهزة الأمن، بدهاء عفاريتها، أبت إلا أن تجعل الخروج من قبور السجون، مشروطاً ببيع الروح، اشتراطٌ يتجاوز في قسوته حمل السلاح أو انهاء رفاق السلاح القدامى وحلفاء الأمس في وضح النهار… أرادتهم عيوناً خفية، وأشباحاً تتسلل بين المعتقلين برداء الضحية، تلتقط زفرات الصدور وهمسات العذاب لتصبها صباً في آذان المحققين.
راهنت اللعبة الشيطانية على انكسار الروح تحت حد المقصلة، مع تلويحٍ باستهداف أفراد العوائل والأحباء، فيورث الذعرُ على الأهل شناعةً تنأى عن الحسبان، ليقترف الخائفُ ما كان يراه من المستحيلات.
وحين دقت ساعة التنفيذ، بعثرت إدارة السجن أولئك المختارين على أرجاء الزنازين، مجهزةً أيديهم بخارطةٍ من التعليمات والأسماء المعنية بالاختراق تمهيدًا للتصفية.
في نهارٍ أربد، انخلع باب زنزانة نوري على صريرٍ مريب، ودُفع إلى قعرها رجلٌ آخر!
كانت تلك البقعة الضيقة مجرد تابوتٍ حجري يتلوى فيه جسدٌ واحد، فكيف له الآن أن يتسع لروحين وجسدين؟
استحالت الحركة مناورةً مستحيلة، فلا قيام يستوعبهما معاً، ولا جلوس يجمعهما في أوان.
أضحى أحدهما مشدوداً إلى الجدار كالشخص المغصوب، بينما ينكمش الآخر جالسا فوق الإسمنت البارد، ثم يتبادلان الموضع بعد كل بضع دقائق…
يتقاسمان الشبر الضيق كأنما يقتسمان النزع الأخير.
ساد بينهما صمتٌ ثقيل، محفوفٌ بنبضاتٍ متسارعة ورائحة ريبةٍ لا تُخطئها الأرواح، حتى شق الوافد الجديد ذلك الصمت بلهجةٍ واهية وهو يرمق الفراغ:
ـ أنا حَمَه…
وما إن انطلقت تلك النبرة، حتى ارتدت إليه عينا نوري بومضةٍ حادة كالشفرة، نُظرةٍ ينفذ شعاعها إلى أسرار الروح قبل ملامح الوجه، ثم أردف بسؤالٍ هادئ ينضح بيقينٍ غير متوقع:
ـ أفلانٌ والدك… وفلانٌ أخوك؟
تجمّدت الدماء في عروق حَمَه، واضطرب ثباته المصطنع، شَخَصت عيناه بذهولٍ مهول، وانفتحت حدقتاه على وسعهما كمن داهمه الفجر وهو يتسلل في العتمة!
ــ نعم… نعم، لكن… كيف تعرف أبي وأخي؟
ابتسم نوري ابتسامة خافتة، أضفت شيئًا من الدفء على جدران الزنزانة الحجرية ثم أردف:
ـ أعرفهما جيدًا… أخوك شوان من أعز أصدقائي، وأعرف أنكم يا أخي عائلة يسارية عريقة، وأن والدك من الشيوعيين المعروفين، وأن بين أفراد أسرتكم من الضباط الأحرار الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لمواقفهم الشريفة…
أطرق حمه رأسه. عيناه شاردتان في الأرض يداري خزيه. غارقًا في وجوه بعيدة. ثم سأل بصوت خافت:
ــ وماذا تعرف أيضًا؟
قال نوري، وقد عاد به الحديث إلى زمن بعيد:
ــ يا أخي حمه… أستغرب أنك لم تتعرف إليّ.
بيتكم كان بيتي. كم ليلة نمت تحت سقفه بأمان وراحة، وكم مرة جلست إلى مائدتكم.
أمك، الخالة شيلان خانم… أطال الله عمرها… كانت تعاملني كما لو كنت واحدًا من أبنائها، وكنت أناديها: أمي.
ما زلت أذكر دفءَ صوتها، ورائحة الدولمة التي كانت تملأ الدار قبل أن نجتمع حول السفرة.
كانت امرأة بسيطة، كريمة، لا تعرف غير الصدق في تعاملها، طيبتها كانت كطعامها الطيب.
ـ وأعرف عنك أيضًا أنك يساري وطني، وأنك صاحب خلق وشهامة.
رفع نوري رأسه نحوه ثم قال بابتسامة حزينة، فيها حنين إلى ذلك الزمن:
ــ يا لها من مصادفة تجمعنا هنا.
لكن حمه لم يبادله الابتسام.
ظل صامتًا لحظات، ثم مال برأسه أكثر إلى الأسفل، عاجزًا عن قول ما يريد وهو واقف. راحت دموعه تتجمع في عينيه دون مقاومة، قبل أن يهمس بصوت متهدج:
ــ بما أنك تعرف عائلتي إلى هذا الحد يا اخي… فأنت تستحق أن تعرف الحقيقة.
صمت لحظة، يجمع ما تبقى من شجاعته قبل أن يعترف ثم أردف:
ــ نعم… أنا يساري، كنت ضابط، ومن كوادر الاتحاد الوطني. وصدر بحقي حكم بالإعدام. وحين بدأت مفاوضات تبادل الأسرى، كان اسمي بين المطلوب إطلاق سراحهم مع سبعة آخرين.
ازدرد ريقه بصعوبة، ثم تابع همسه:
ــ لكنهم لم يتركوا لي خيارًا.
ساد صمت ثقيل، وكانت أنفاسهما وحدها تُسمع في ذلك الحيز الضيق.
ثم تابع قائلا:
ــ أحضروا زوجتي التي لم ارها منذ أشهر… وهي حاملاً.
أنزلوها من الجبل وأوقفوها أمامي.
لم يضربوها، ولم يصرخوا في وجهها. اكتفوا بالنظر إليها، ثم نظروا إليّ.
عرفت ما يريدون قبل أن يقولوه…
قالوا إن مصيرها ومصير الجنين بين يديّ. عندها شعرت أن حبل المشنقة صار أهون عليّ من تلك النظرة.
أخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية، وبسطها بين يدي نوري.
ــ هذه ورقة الاختبار التي كلفوني بها. وهنا أسماء السبعة الآخرين الذين سيُوزَّعون على الزنزانات بالطريقة نفسها.
جميعنا مطالبون بالتجسس على السجناء السياسيين، ونقل كل ما نسمعه إلى ضباط الأمن.
أما أنا… فقد كانت مهمتي أن أقترب منك، وأن أكسب ثقتك، ثم أكتب عنك التقارير.
دفع الورقة إليه قائلا وهو يشيح بوجهه خجلًا:
ــ احفظ هذه الأسماء جيدًا، وكن حذرًا منهم.
أما أنا… فلا تخشَ مني شيئًا.
سأكتب عنك ما يحفظك ولا يضرك، أو لن أكتب شيئًا إن استطعت.
أنت بالنسبة إليّ أخ قبل أن تكون سجينًا.
ظل نوري ينظر إليه طويلًا، ومشاعره متضاربة، فلم يجد في نفسه غضبًا ولا رغبة في الحكم عليه، وإنما رأى رجلًا يذوب رويدًا رويدًا بين ولائه القديم وخوفه على أهله. وتساءل في داخله:
“من يملك ميزانًا عادلًا للحكم على رجل خُيّر بين حياة زوجته وجنينه وخيانة رفاقه؟ وكيف يُلام من صمّم له الجلادون خطيئته بأنفسهم؟”
لم يعرف نوري في السجن لحظة أقسى من هذه. رأى بعينيه وسمع بأذنيه كيف تصل يد السلطة إلى أعماق الإنسان، فتكسر روحه وتزج ضميره في معركة لا رابح فيها.
حمه، ابن هذه العائلة الوطنية الطيبة التي قدّمت تضحيات كثيرة، لم يبع شرفه عن رضا كما فعل شغب، بل كان يئن تحت عبء يتجاوز احتماله.
بقيت هذه الحادثة عالقةً في ذاكرة نوري، وشاهدةً على الثمن الذي يدفعه الإنسان حين يُساق أقرب الناس إليه رهينة لخياره.
يتبع
الفصل الثاني من رواية رأس لينين.. مديرية أمن السليمانية (1)
