اللوحة: الفنان الفرنسي كلود مونيه
نبيل العريني

قصة من قصص التراث الشعبي الفلسطيني
كان الجَدُّ “حمد” يراقب فسيلة النخلة التي غرزها يومًا بعد يوم، يسقيها، ويضع تحتها الأسمدة العضوية، ويملس على عسفها بيديه الخشنتين.
يغطي قلبها الأبيض بكوفيته، عندما تفاجئه السماء صيفًا بالمطر، ويصيح على مسامعنا يقول: “أن الماء في الصيف يفسد قلوب النخيل”.
إلى أن كبرت وارتفعت النخلة في بهجة، وأصبحت أعلى من الدار، وصار صعودها عليه شاقًا لتجريدها وتلقيمها وهو ينتظر منها الطَّرْح.
توفى الموت جدي وهو يكزّ على يدي، يوصيني بها، ويوصيها بي، يقول: “ديروا بالكم على النخلة، بتدير بالها عليكم، خليها شامخة، وخليكم مثلها شامخين”.
مرت سنوات والنخلة ترتفع وترتفع، لكنها لم تأتِ بأي ثمر.
قال أحد أصحاب جدي: “إنها حزينة عليه، لذلك لم تطرح رطبًا جنيًا”.
أخذني التفكير في وصية جدي للنخلة، وبدأتُ أفكر في تخليصها من ذلك الحزن، فخطر في بالي خاطر أن أرتدي ثياب جدي؛ كوفيته، وفوقها عقاله، وصدريته الرمادية، وسرواله الأسمر الكنغري، وقمبازه البني، ففعلت.. وفي يوم جمعة مباركة، ارتديت ثيابه، وجلست عند جذعها الذي أصبح أضخم من جذوع سبعة رجال.
لقد قلدت شكله في ارتداء ملابسه، لكني الآن كيف لي أن أقلد صوته؟!
هل أفلح..؟!
ولِمَ لا..؟!
حنحنتُ أحبالي الصوتية، وأرخيت حنجرتي، وبدأت أملس فوق الجذع وأسأل في حِنوّ: “كيف حال حبيبتي الخضراء الجميلة؟”.
عندها كأن النخلة شعرت بالزهو، وبدأت تحرك عنان عسفها بطريقة غريبة وراقصة، طريقة تستوجب وجود ريح، والزمان تموز – هادئ ورطب – حتى إنه في حينها لم يكن هناك أي أثر لنسمة هواء واحدة!!
انفعل وجه الحفيد وابتسم ابتسامة انتصار. ومع زيادته في المدح والإشادة بشموخها، أخذ جذعها يميل ويميل إلى أن صار جريدها يصك طرف الدار في لحن بستاني يهدل كهديل الحمام.
في الليلة التالية من فرح النخلة، كان القمر خَجِلًا يختبئ فوق السُّحُب، في حالة خسوف مستفزة للذين يحبون النور.
بينما أهل الظلام كانوا يتسللون من بين الكروم، يضعون خطواتهم فوق الشتل والزرع يدوسونه دوسًا مُمِيتًا، يقتلون فيه الخَضار ويمنعون اليُنُوع.
إنهم لا بد وأن يكونوا تَتَار العصر الحديث، لهم خيوطٌ أخطبوطية تتدلى من جوانب خصورهم، وعلى صحون خدودهم سوالف تتلاعب نافرة صفراء فوق وجوههم، تنظر إلى أحدهم فلا تجده يشبه أحدًا كما يشبه المَسْخ.
مسوخٌ كُثُرٌ تحولقوا حول النخلة والدار، وهم ينثرون ويرشون المواد النفطية فوق كل شيء، إلى أن أحرقوا الحرث والزرع والبهائم.
في الصباح كان كل شيء قد أصبح في وصف الرماد والعدم، باستثناء النخلة التي ظلت واقفة وشامخة، لا شيء يشبهها سوى الحفيد الذي ظل إلى الآن يكزّ على أسنانه، وهو يتوعد المسوخ.
نبيل العريني: كاتب وقاص وروائي فلسطيني يقيم في قطاع غزة، ويُعد من الأصوات الأدبية البارزة التي تنقل تفاصيل الحياة اليومية والواقع الإنساني تحت وطأة المعاناة والحروب في القطاع.