حداد لا يليق

حداد لا يليق

اللوحة: الفنانة المصرية إنجي أفلاطون

وجهها مثل ثمر التفاح الناضج، دائمة الابتسام، تحسبها خارجة للتو من أغلفة المجلات، أحيانا تضبط نفسك تتبعها، وفى أحيان أخرى تراها مرسومة في عشب أهدابك، وجهها مريح صاف، لم تلوثه الكريمات والأصباغ.

 لا تستطيع جاذبية الأرض الإمساك بها، تقضي أوقات الفراغ بين المحاضرات في المكتبة، تقرأ وتدون الملاحظات في أجندة أنيقة، حملت الطريف من اللغة وجميل الكلمات، لا تميل للحب في الجامعة، تراه سحابة صيف تنقضي بانتهاء العام الدراسي، حتى الصداقات رفضتها وآثرت الوحدة، كل يوم تنفض الغبار من فوق شهادة التخرج، المعلقة في الصالون في إطارها المذهب، رفض والدها كل فرص العمل التي أتيحت للأبنة، يرى أن المرأة دورها الوحيد في الحياة، البيت والزواج وتربية الأولاد، أما العمل فلم يخلق للمرأة، أفكار هادمة توارثها الأب وتمكنت منه، وزرعها في ابنته التي تحولت الى بيت متهدم، تمر الشهور والسنوات وهى شاردة، لا هي يقظى ولا غافية، لا هي حية ولا ميتة، الضوء في عينيها بات شحيحا، تتأمل الأشياء والموجودات والناس، بسمتها مفرغة البهجة، الصباح غادر وجهها، وبدلا منه حلت الوحشة والكآبة، نافذة غرفتها تطل على شجرة وحيدة مثلها، لم تعد مثمرة نضرة، أوراقها جفت واصفرت ألوانها وتساقطت، وكنستها رياح الخريف.

استيقظت على أصوات وجلبة وضوضاء لمجموعة من العمال، يحملون المناشير لذبح الشجرة واقتلاعها من مكانها، وحملها على سيارة كبيرة، إلى صانع التوابيت، الشجرة كانت شابة مثلها، تدب فيها الحياة، يتألق بأغصانها الثمر كالثريات، حتى ماتت واقتلعت.

تغلق شباكها، وبدلا من ثورتها على التقاليد، تستسلم لأحزانها، وترتدى معطف السكون المقبض، وتسدل ستائر الليل، في حداد لا يليق.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك تعليقاً