اللوحة: الفنان المصري محمود سعيد
1- العتبة والانزياح الدلالي
يبدأ الالتباس الجميل من العنوان. “شارع العناق” يوحي بحيوية، بتلاقي جسدين، بينما المتن يأخذنا إلى “المقبرة”، هذا التناقض المقصود هو مفتاح النص. الكاتبة لا تتحدث عن الموت، بل عن استحالة العناق. العناق المؤجل بين الحية وخالتها الميتة، بين الإنسان ومكتبته، بين الذاكرة والنسيان. العناق يتحول من فعل فيزيائي إلى فعل سردي: نحن نعانق موتانا بالحكاية والسرد
2- ديستوبيا المقبرة.. المكان كشخصية
أذكى ما في القصة هو تحويل المقبرة من مكان هامشي إلى مركز المدينة، المقبرة أصبحت “مدينة بطوابق أرضية وعلوية” من عشرة طوابق “محكمة التصميم”، هذا ليس خيالا عبثيا، بل نقد حضاري لاذع ومباشر.
نورة عبيد تلتقط تحولا واقعيا وتسخر منه بمرارة: الدولة التي فشلت في صيانة المكتبات العمومية في المدن والقرى، فأغلقتها بحجة أنها “ثقل”، نقلتها إلى المقبرة، المكتبة لم تعد أنيس الأحياء، بل أنيس الأموات، وهنا المفارقة الكبرى: المجتمع الذي هجر القراءة حياً، سيجالس الكتاب ميتاً. والكتاب “أنيس في مقبرة تضج بالصمت” كما تقول الساردة.
هذا المشهد الديستوبي يحيلنا إلى أسئلة وزارة الثقافة، وتهميش المعرفة، وتحويل الموت إلى مشروع عقاري منظم.
3- الجسد والشعر.. لغة الحواس
النص مكتوب بجسد امرأة. الساردة لا تمشي، بل “تتأود كراقصة باليه على رؤوس قدميها” و”جسدها يتمايل ككمنجة”، اللغة حسية بامتياز: تدغدغ عنق الخالة، تمسح ندى القبر الذي يجري “كسيل عرق بعد ممارسة الحب”، تقبل الشاهدة الرخامية.
وذروة هذا الخطاب الجسدي هو “الشعر”. الشعر هنا ليس زينة، بل هو البنية الرمزية للنص كله، فحين تقول الخالة: “الشعر يا آيات، يتحول تحت الأرض إلى جذور تربط الميت بالميت”. الشعر فوق الأرض زينة وعبث ولعب، وتحت الأرض يصبح شبكة جذور، شبكة مقاومة للعدم. المقبرة كلها “شجرة تتشابك جذورها”.
هذا الانتقال من الشعر/الجسد إلى الشعر/الجذر هو قلب القصة الفلسفي: كيف يتشبث الموتى بالحياة عبر ما كان يعتبر تافهاً.
4- زمن الفجر.. البعث اللغوي
تؤسس الكاتبة زمناً ميتافيزيقياً خاصاً: الأموات “لا ينامون إلا فجرا، عند الفجر فقط يتنفسون الصباح”. والليل للبشر الذين لا يُسمع منهم إلا “أرقاما خيالية”. هنا قلب للأدوار: الأحياء هم الضجيج الرقمي، والأموات هم من يصغون للكلام الحقيقي.
وتقدم القصة تعريفا شعريا للبعث يتجاوز الديني إلى اللغوي: “أن نُبعث أن نُنادى بأسمائنا! أن نُنتشل من الغياب برنين أسمائنا على أفواه أهل الأرض”، فالبعث إذن فعل تذكّر، أي أنه كلما نادينا ميتاً باسمه، بعثناه. وهذا ما تفعله الأم كل ليلة حين تختتم حديثها بـ “ربي يرحمها وينعمها”.
المآخذ الفنية
النص قوي شعرياً، لكنه يسقط أحياناً في فخ التفسير. جملة مثل “لم تكن فكرة إنشاء مكتبات بمدينة الموتى ترفا ثقافيا…” هي جملة مقالية تقطع تيار السحر. كان يمكن ترك الديستوبيا تتكلم عن نفسها دون شرح وزاري. كذلك كثرة الاستعارات في فقرة اللقاء “كقمر من وراء الغيوم” و”كوسادة ناعمة” تثقل المشهد الذي كان يحتاج لهدوء أكثر.
النهاية المبتورة “آه يا حياة – ونادرا ما أناديها باسمها – لم” هي نهاية ذكية، تترك العناق معلقا، وهذا يتسق مع العنوان. فالعناق في الشارع لا يكتمل.
ما أود قوله هنا والآن
إن “شارع العناق” ليست قصة عن زيارة قبر، بل هي – بجدارة – مرثية للكتاب، وللخالة، وللمدينة التي تحولت مقبرتها إلى عمارة سكنية للأموات، نورة عبيد تكتب عن كيف نهجر أحياءنا ثم نحاول أن نعانقهم بعد أن يصيروا رفوفاً وأرقاماً. وهو نص ينتمي بوضوح إلى أدب ما بعد الثورة التونسية، حيث صارت الأسئلة عن الذاكرة والمكان والنسيان هي الأسئلة المركزية.
مجرد هامش عابر
– الديستوبيا هي نقيض اليوتوبيا.
اليوتوبيا = المدينة الفاضلة، العالم المثالي الذي يحلم به الإنسان.
الديستوبيا = المدينة الفاسدة، العالم الكابوسي الذي يخاف الإنسان أن يصل إليه.
الكلمة أصلها يوناني: Dys= سيء، مريض، مضطرب Topos = مكان يعني حرفياً: المكان السيء.
ما هي الديستوبيا كأدب؟
هي نوع من الخيال، يتخيل الكاتب فيه مستقبلاً مظلماً، ويقول لك: “انظر، إذا استمرينا بهذه الطريقة، سنصل إلى هنا”. ليست مجرد قصة حزينة، بل هي مجتمع كامل انقلبت فيه القيم:
1. الدولة تسيطر على كل شيء: تراقبك، تربيك، تقرر عنك.
2. الإنسان يفقد إنسانيته: يتحول إلى رقم، إلى آلة، إلى جثة في طابق علوي.
3. المعرفة ممنوعة أو تافهة: الكتب تُحرق، أو تُنقل للمقابر كما في قصة “شارع العناق”، لأن الأحياء لم يعودوا يقرأون.
4. الوهم بأننا سعداء: النظام يقنعك أن هذا الخراب هو أفضل حل ممكن.
في قصتنا “شارع العناق”، الديستوبيا هي أن “المقبرة أصبحت أكثر نظاماً من المدينة”، وأن الدولة وجدت حلاً لمشكلة فائض الموتى ببناء 10 طوابق، وحلاً لمشكلة فائض الكتب بنقلها إلى المقبرة.
الكاتبة لا تقول إن هذا حدث، بل تقول: “نحن نسير نحو هذا.. مدينة يموت فيها الأحياء من الجهل، ويسكن فيها الأموات بانتظام”.
