هكذا كان الحصار

هكذا كان الحصار

اللوحة: الفنانة الهولندية تامارا جيسبرتس

الجدرانُ تتآكل،

كأنَّ البيتَ يأكلُ أطرافَه

كي يُبقيَ لنا سقفاً نختبئُ تحته من المطر.

والشقوقُ تتّسعُ في الطابوق،

حتى صار بإمكان الريح

أن تدخلَ بلا استئذان،

وأن تنامَ في فراشنا

دون أن نطالبَها بأجرة.

جذعُ نخلٍ يذبل،

تتدلّى سعفاتُه كأيدٍ

أنهكها التلويحُ لقافلةٍ لم تصل،

والتمرُ الذي كان يخبّئُ حلاوةَ الصيف

صار في عيوننا احتمالاً

نؤجّلُه إلى موسمٍ لا يأتي.

امرأةٌ تطرقُ الباب،

تمدُّ كفَّها إلى وجوهنا،

وتقول:

مِمّا أعطاكم الله.

فنفتّشُ في البيت

عن شيءٍ يصلحُ أن يكونَ عطاءً،

عن كسرةِ خبزٍ لم يلمسها الجوع،

عن حفنةِ رزٍّ نجتْ من حسابِ الأيام،

عن رحمةٍ صغيرةٍ

لم تصادرْها نشراتُ الأسعار.

نفتحُ البابَ أكثر،

فتدخلُ حاجتُها،

ويخرجُ حياؤُنا حافياً.

دشداشةُ أبي تستحي

حين يرتديها الليل؛

واسعةٌ على جسده الذي انكمش،

ضيّقةٌ على فقره الذي تمدّد،

وفي جيبها الأيمن

فاتورةُ عمرٍ لم يُسدَّد،

وفي جيبها الأيسر

مفتاحُ بابٍ

لم يعد وراءه ما يُسرق.

كان أبي يرفعُ طرفَها عن الأرض

كي لا تتّسخ،

الليلُ يثقّفُ أحلامَنا،

يعلّمُها كيف تصغر،

كيف تمرُّ من ثقبِ إبرة،

كيف تنامُ واقفةً

كي تتركَ مكاناً للجوع.

فتُخرجُ أمي أكياسَ النايلون

من قاع الخزانة،

تفردُها على الأرض

كما تُفردُ الخرائطُ في حضرةِ المهزومين،

وتضعُ في كلِّ كيسٍ

قليلاً من العدس،

قليلاً من الطحين،

وقليلاً من غدٍ

لا تعرفُ إن كان سيأتي.

كانت تربطُ فمَ الكيس

بعنايةِ مَن يخشى على آخر ما يملك

من أن يتسرّبَ منه الهواء.

ثم تعودُ إلى القدر،

تضيفُ الماءَ كي يكثرَ الطعام،

وتضيفُ الصمتَ كي لا يقلقَ الأطفال،

وتحرّكُ الملعقةَ

كأنها تحرّكُ ما تبقّى من البلاد

في قاعِ إناء.

وحين نسألها:

متى ينضجُ العشاء يا أمي؟

تقول:

حين يشبعُ الماء.

فنضحكُ،

وكان ضحكُنا يومئذٍ

أرخصَ من الخبز،

وأغلى من أن نُضيّعه.

في المدرسة،

كنّا نتعلّمُ أسماءَ الدول،

وفي البيت

نتعلّمُ أسماءَ الأشياء التي اختفت.

هذا رفٌّ كان يحملُ السكر،

وهذا صندوقٌ كان يخبّئُ الشاي،

وهذه صورةٌ لأبي

قبل أن يصبحَ وجهُه

نافذةً تطلُّ على سنواتٍ مغلقة.

لم يكن الحصارُ جوعاً فحسب؛

كان أن نرى التفاحةَ في السوق

ونتعلّمَ كيف نحبُّها من بعيد،

أن نمرَّ بجانب اللحم

فنخفضَ أبصارَنا احتراماً للفقراء،

أن نؤجّلَ شراءَ الدواء

حتى يملَّ المرضُ من انتظارنا.

كان أبي يقسمُ الرغيفَ

إلى أجزاءَ لا تتساوى في الحجم،

لكنّه كان يمنحُ الجزء الأصغر

لمن يظنُّه أكثرَ شبعاً،

ويأخذُ لنفسه

الجزءَ الذي لا يكفي أحداً.

ولم نكن نعرف

أنَّ الأبوةَ أيضاً

نوعٌ من الجوع

يُخفي فمَه كي لا يراه الأبناء.

في المساء،

تعدُّ أمي النقودَ على ضوءٍ شحيح،

تصفُّ القطعَ المعدنية

كما تُصفُّ الجنودُ في معركةٍ خاسرة،

ثم تعيدُ عدَّها،

لعلَّ رقماً يحنُّ علينا

ويزدادُ وحده.

وحين يعلو صوتُ المذيع

بأخبارٍ لا تُشبه موائدَنا،

كان أبي يغيّرُ المحطّة،

ثم يطفئُ المذياع،

كأنَّ البلادَ إذا صمتتْ

ستسمعُ أخيراً

صوتَ الملاعقِ وهي تصطدمُ بقاعِ القدر.

هكذا كان الحصار؛

أن يكبرَ الطفلُ قبل أوانه،

أن تعرفَ الأمُّ سعرَ كلِّ شيء

وتجهلَ كم بقيَ من قلبها،

أن يصيرَ الأبُ غريباً في دشداشته،

وأن يتعلّمَ البيتُ

كيف يُخفي جوعَ ساكنيه

عن البيوتِ المجاورة.

هكذا كان الحصار؛

لم يكن سوراً حول البلاد،

بل جداراً داخلَ الإنسان،

كلما حاولَ أن يعبرَه

وجدَ وراءه إنساناً آخر

ينتظرُ كسرةَ خبز.

وما زلتُ، كلما سمعتُ طرقاً على الباب،

أسرعُ إلى أمي في ذاكرتي،

أفتّشُ عن أكياسِ النايلون،

عن رغيفٍ مؤجَّل،

عن دشداشةِ أبي التي تستحي من الليل،

وأفتحُ البابَ…

لا لأرى مَن جاء،

بل لأتأكّدَ

أنَّ تلك المرأةَ ما زالت واقفةً هناك،

تمدُّ كفَّها وتقول:

مِمّا أعطاكم الله.

وأنا، منذ ذلك الحصار،

كلما امتلكتُ شيئاً

أخافُ أن أكونَ قد تأخّرتُ

عن إنسانٍ

كان يحتاجُه كي يبقى.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك تعليقاً