شعرية الصفع في زمن الخديعة.. مقاربة نقدية في مجموعة «مرايا مستوية» للشاعر خالد عبيد. 

شعرية الصفع في زمن الخديعة.. مقاربة نقدية في مجموعة «مرايا مستوية» للشاعر خالد عبيد. 

1- ليس غزلاً ولا رثاءً

هذا الديوان لا ينتمي إلى ما اعتدنا تسميته “الشعر اليمني المعاصر” بمعناه الرومانسي. لا يوجد فيه وطنٌ مجردٌ للبكاء، ولا حبيبةٌ مجردةٌ للغزل. فيه وطنٌ مُعاش كوظيفة يومية للخسارة، وحبيبةٌ هي اللغة نفسها حين تُهان.

صاحب هذه القصائد لا يكتب ليتجمل، يكتب ليعرّي. ولهذا اختار أخطر مناطق الشعر: الهجاء السياسي المباشر، وهو منطقة يهرب منها معظم الشعراء اليوم إلى الرمز المُفرط خوفاً أو ترفاً.

2- معمار الغضب: لماذا مجزوء الرمل؟

الملاحظة العروضية الأولى لمن يقرأ الديوان كاملاً هي هيمنة بحر واحد تقريباً: مجزوء الرمل والمتقارب المجزوء فاعلاتن فاعلاتن / فعولن فعولن.

هذا ليس فقراً عروضياً، بل هو خيار جمالي واعٍ، حتى لو كان لا واعياً في البداية. هذا البحر هو بحر “النشيد والهتاف والصفعة”. إيقاعه قصير، لا يحتمل المط، يلقي جملته ويمضي:

اختلط الحابل بالنابل

وبدا كالمجنون العاقل

إيقاعٌ يشبه قرع الطبول في ساحة. الشاعر لا يريدك أن تتأمل، يريدك أن تسمع الصفعة. وعندما ينتقل إلى قضايا أطول نفساً كالوطن والتاريخ، ينتقل لا إرادياً إلى البحر البسيط والوافر:

هوى وطني وتفرقي واجتماعي

لأن البسيط بحر السرد والملحمة، يحتمل الحكاية.

إذن نحن أمام شاعر يفكر بالبحر كما يفكر الخطيب بالمنبر.

3- ثالوث الديوان: اللغة، البغل، والصك

الديوان كله يدور حول ثلاث استعارات كبرى تتكرر بأشكال مختلفة:

أ- فساد النحو كفساد الدولة

في قصيدة “اختلط الحابل بالنابل” يقدم الشاعر أذكى مقاربة في الديوان كله. لا يهجو الحاكم، بل يهجو نحو الحاكم. الفاعل مستتر غافل، وغير العاقل أصبح في محل العاقل، والمفعول به منسي. اللغة هنا ليست أداة للهجاء، هي موضوع الهجاء نفسه. عندما تفسد الدولة، تفسد الجملة.

ب- البغل كرمز للسلطة الجديدة

يتكرر حيوان البغل والحمار والشمطاء والكلب في أكثر من 12 قصيدة. ليس للسباب المجاني، بل كتشخيص طبقي: السلطة الجديدة في نظره ليست أسداً ولا ذئباً، بل بغلةٌ اعتلت المنبر. كائنٌ هجين، لا أصل له، صوته عالٍ وعقله فارغ. ولهذا يقول:

اعتلى بغلٌ على بعض المنابر

هذه ليست شتيمة، بل توصيف سوسيولوجي دقيق لزمن صعود الرعاع.

ج- الصكوك كنهاية الخديعة

من هنا جاء عنوان الديوان. رحلة الشاعر في الديوان هي رحلة من المطاردة إلى المساومة. في البداية يأتون لأخذه ليلاً أمام عياله، وفي النهاية يمنحونه “الصكوك” و”التكريم”. الصك هو رمز الشراء. أن تتحول من خصم يُسجن إلى بوق يُكرّم. وقصيدة “أتدري لم منحوك الصكوك” هي قلب الديوان الأخلاقي، حيث يكتشف أن التكريم أخطر من السجن.

4- بلاغة العري

لغة الديوان صادمة عمداً. فالشاعر يستخدم مفردات مثل: بغي، خصي، صعلوك، خنازير، قرد، نعاج، غائط. هذا ليس سقوطاً لغوياً، بل هو ما يسميه النقاد “بلاغة العري”. الشاعر يرفض تجميل القبح. إذا كان الواقع عارياً ومبتذلاً، فلماذا تكون اللغة مستورة ومحتشمة؟

والعفيفات في الزوايا خبايا

والبغايا تقيم جهراً نقابة

هذه المفارقة لا يمكن أن تُقال بلغة دبلوماسية. تحتاج إلى عريها.

5- المأزق والخلاص

نقطة ضعف الديوان – وهي في نفس الوقت نقطة قوته – هي أنه ديوان بلا مصالحة. لا يوجد فيه قصيدة واحدة تقول “غداً أجمل”. كل القصائد تنتهي بمقبرة أو بغل أو ببغلة أو بكابوس.

حتى قصيدة “حكامنا توقفوا” التي تبدو كبيان سياسي، تنتهي بنداء يائس للأمة أن تنهض، دون أن يقدم الشاعر نفسه نموذجاً للخلاص.

لكن هذا الصدق هو ما يجعله صالحاً للنشر اليوم. نحن في زمن تضخم فيه شعر التفاؤل الكاذب وشعر التنمية البشرية. هذا الديوان يقول الحقيقة كما هي: خرابة، كما يكرر كثيراً.

كل يوم صار يمضي ثقيلاً

وبطيئاً، وسيرنا في خرابة

ما الذي أود أن أقوله الآن وهنا؟

سأقول: هذا ليس ديواناً ليُقرأ في أمسيات رسمية. هذا ديوان ليُطبع سراً، ويُمرر تحت الطاولة، ويُقرأ في الزنازين والمنافي.

قيمته ليست في جمالياته بقدر ما هي في وثائقيته. بعد عشرين سنة، عندما يريد مؤرخ أن يعرف كيف كان يفكر مواطن يمني حر في سنة 2026، سيجد هذا الديوان أصدق من كل نشرات الأخبار.

ولذلك، فإن أفضل ما يمكن أن يفعله الناشر هو أن يتركه كما هو: بلا تجميل، بلا تلميع، بلا اعتذار. بغلٌ على منبر، وفاعلٌ مستتر، وصكوكٌ تُمنح لمن رفض أن يُباع.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك تعليقاً