اللوحة: الفنان الكندي جوجين سي سانتوس
في داخل كل واحد منا رجلان يمشيان في اتجاهين متعاكسين. رجل يمشي نحو البحر، مثقل بالعباءة والعمر والعكاز، يحسب خطواته كي لا يسقط، متجه نحو النهاية المفتوحة. وظل له على الجدار لا يمشي، بل يركض، يحمل حقيبة مدرسة، شعره منكوش، خطوته خفيفة، راجع نحو البداية، نحو الصباح الأول.
لسنا شخصا واحدا يشيخ. نحن حوار مستمر بين جسد يطيع الجاذبية وطفل يخونها. شاخ الجسد وبقي الطفل يركض فينا. ففي داخل كل كبير طفل لم يعرف أنه كبر.. هاتان ليستا جملتين للمواساة، بل هما تقرير مخبري عن حقيقتنا.
نحن لا نكبر.. نحن نتراكم
ما يكبر هو التقويم. ما يكبر هو بطاقة الهوية والمفصل والركبة والجلد. أما أنت، فأنت لا تملك خاصية الكبر. أنت تملك خاصية التراكم. تتراكم فوقك السنوات كالغبار على مرآة، فتظن المرآة أنها تغيرت، وهي لم تتغير. لو كنا نكبر حقا لتبدلت طبيعة خوفنا وفرحنا. لكن خوفك اليوم هو نفسه خوف طفل ترك وحده في غرفة مظلمة، وفرحك اليوم هو نفسه فرح طفل وجد لعبة. الذي تغير هو القاموس فقط. صرت تسمي الخوف قلقا وجوديا وتسمي الفرح إنجازا كي لا يضحك عليك الكبار.
الطفل جهاز كشف الكذب
الطفل في داخلك لا يفهم لغة الأرقام، ولهذا لا يمكن خداعه. الكبار اخترعوا الأرقام ليقيسوا خساراتهم. الطفل لا يقيس، بل يعيش. هو المقياس الوحيد الصادق لجودة حياتك. اسأله: هل هذا العمل الذي تقضي فيه عشر ساعات يدهشك؟ هل هذا المجلس الذي تجلس فيه يضحكك بصوت عال؟ إذا قال لا، فأنت لا تعيش، أنت تؤدي وظيفة جسد يشيخ.
الشيخوخة قرار أخلاقي وليست قدرا بيولوجيا
بيت القصيد كله يكمن في هذه العبارة: نحن لا نشيخ لأننا كبرنا، نحن نكبر لأننا توقفنا عن الركض.
العكاز لا يأتي لأن الركبة ضعفت، الركبة تضعف لأننا قررنا التوقف عن الركض. وهنا نقول:
شاخ الزمان على عظامي وانحنى
والطفل في ظلي يلاحق الدنا
ما شخت، لكني سجنت طفولتي
فإذا سجنته داخلي، شخت أنا
الشيخوخة تبدأ في تلك اللحظة الدقيقة التي تخجل فيها من ظلك الراكض فتقول له: عيب، أنت كبير، اثبت. في تلك اللحظة تموت أنت ويبقى جسدك يمشي وحده.
المجتمع يبرمجنا على هذه الخيانة ويسميها نضجا. يقولون: كن عاقلا. والعقل عندهم هو أن تضع الطفل في قبو وتغلق عليه الباب، ثم تذهب تشتكي من الظلمة.
النضج ليس قبر الطفولة بل وصايتها:
النضج الحقيقي ليس أن تقتل الطفل، بل أن تترقى من كونك طفلا إلى كونك أبا لهذا الطفل. الطفل وحده متهور، والكبير وحده قبر. الحكيم هو من يبقي الطفل حيا ويمسك بيده. يترك له حق الدهشة لكن يعلمه ما الذي يستحق أن يندهش له.
اقتصاد الفرح
لا تطفئ الطفولة في داخلك، عش الدنيا وكن سعيدا واجعل الفرح يلازمك.. الفرح لا يلازمك لأن الدنيا جميلة، الدنيا ليست جميلة دائما. الفرح يلازمك لأنك أبقيت في داخلك من يستطيع أن يرى وردة فوق حائط متهالك، وفانوسا مضاء في زقاق قديم. الكبير يرى الحائط المتهالك فيحزن، الطفل يرى الوردة فوقه فيفرح. نفس الحائط، لكن زاويتين للنظر.
لا تصدق جسدك إذا قال لك: تعبت وانتهيت.
صدق ظلك، إذا ما زال يركض.
اتركه يركض، فهو يعرف الطريق.
