علم الآثار وفهم الماضي وفك الغازه 

علم الآثار وفهم الماضي وفك الغازه 

اللوحة: الفنان الإسكتلندي ديفيد روبرتس

د. خالد عزب

خالد عزب

 بدأ علم الآثار في العقود الثلاثة الماضية يقدّم معطيات لفهم الماضي بصورة موسعة عن ذي قبل، هنا نحن نذهب مع هذا العلم إلى الماضي، إذ تعتبر دراسة القطع الأثرية والأشياء المصنوعة يدويًّا من الاهتمامات الرئيسية لعلم الآثار، فهي توفّر الأدلة لمساعدتنا في الإجابة عن أسئلة الماضي. يطلق مصطلح «المعالم» على القطع الأثرية غير المحمولة، مثل المسلات والآبار القديمة، ويطلق مصطلح «المواقع الأثرية» على المواقع التي تحتوي على آثار كبيرة من النشاط البشري من القطع الأثرية والمعالم جنبًا إلى جنب. وهنا يتحرك الآثاري للبحث عن السياق أو الإطار، وهو أمر أساسي لفهم النشاط البشري في الماضي. 

يتكون سياق القطعة الأثرية من المحيط الخاص بها، وهو المادة مثل طبقة التربة وما يحيط بها، ومصدرها، أي وضعها الأفقي أو الرأسي داخل محيطها وارتباطها ببقية القطع الأثرية التي وجدت بجوارها، والسياق الأساسي هو المكان الذي وجدت فيه القطع الأثرية وترسّبت فيه بالماضي. أما السياق الثانوي فهو يطلق على القطع التي تحركت من مكانها الأصلي من خلال القوى الطبيعية أو النشاط البشري.

 يتم إنشاء المواقع الأثرية من خلال عمليات متتابعة تشكّل الموقع، وتطلق «عمليات التشكيل الثقافي» على ما يقوم به الإنسان من نشاط؛ سواء أكان مقصودًا أو غير مقصود، مثل تشييد المباني والهياكل وحرث الحقول، وتطلق «عمليات التشكل الطبيعي» على الأحداث الطبيعية التي تؤثر على المواقع الأثرية، مثل الرماد البركاني الذي يغطي المدن القديمة، أو الرمال التي تحملها الرياح وتغطي التحف.

وتمكّن الأجواء البيئية السليمة من الحفاظ على القطع الأثرية، بغضّ النظر عن المادة التي صُنعت منها. وعادة ما تبقى المواد غير العضوية، مثل الحجر والطين والمعادن بشكل أفضل من المواد العضوية، مثل العظام والمنسوجات التي تميل إلى التحلل في الظروف القاسية، ويتوقف بقاء المواد العضوية على المحيط الذي يحيط بها، والمناخ الذي ترسبت فيه، وتعتبر التربة الحمضية في المناخات المدارية هي الأكثر تدميرًا للمواد العضوية، في حين تعتبر البيئات الصحراوية الجافة وشديدة البرودة أو التي غمرتها المياه من البيئات المناسبة للحفظ الأثري.

تطورات غير مسبوقة

وضع علماء الآثار المجددون ثقلهم العلمي لتطوير مفاهيم هذا العلم، فتم تعميق أبعاد البحث الآثاري لكي يجذب له علومًا واختصاصات مختلفة في مجالات الطبيعة والرياضيات والعلوم الاجتماعية أيضًا، وانبعثت عن هذا سلسلة لا حصر لها من التطورات غير المسبوقة في علم الآثار، وما تشعّب عنه من تخصصات، يعني هذا أن عالم الآثار عندما يبدأ معالجة مادته أو مشكلته الآثارية، يجب أن ينظر إليها من خلال الإطار المعيشي الكامل للإنسان؛ سواءً من ناحية التضاريس الجغرافية للمنطقة التي سكن فيها الإنسان، أو مواردها الطبيعة من ماء ونبات وحيوان ومعادن وغيرها، أو من المناخ وظواهر التعرية… إلخ، هذه النظرة تتطلب تضافر العديد من العلوم والتخصصات عند فحص المشكلة الأثرية.

 هذا المنهج الموسع لدراسة الإنسان في الماضي يرتكز في الأساس على النظرية القائلة بأن هناك توازنًا طبيعيًا خفيًا بين جميع المعطيات وظواهر البيئة المحيطة، ويشمل ذلك جميع الكائنات الحية، بما فيها الإنسان. فوجود الإنسان في مكان ما لغرض العيش؛ سواءً بالاستقرار أو الارتحال، تترتب عليه العديد من المضاعفات سلبية كانت أو إيجابية في الطبيعة المحيطة.

إذًا فدراسة هذه الطبيعة وتحليلها قبل عامل التدخل البشري وبعده، كفيلة بأن تعطينا فكرة عن التأثير البشري في التوازن الطبيعي، وبالتالي يمكن تحديد أوجه وأنماط العلاقة البشرية مع البيئة الطبيعية على مختلف مستوياتها، هذا بالطبع يحقق للباحث الآثاري مدخلًا عميقًا لفهم مشكلة المعيشة الإنسانية في الماضي، وبالتالي تفسير تاريخ التطور الحضاري بشيء من التحليل العلمي. 

 هكذا بدأت تترسخ فكرة المسح الآثاري الشامل الذي يهدف ليس فقط إلى حصر الآثار المنظورة، بل يتعدى ذلك إلى هدف الوصول إلى الإطار البيئي الكامل الذي عاصره بكل فترة من فترات الأزمنة الأثرية، وهذا ما يجعل السياق والأثر متلازمين في حل المعضلات التي تقابل علماء الآثار.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.