اللوحة: الفنان السوري مروان قصاب باشي
في حياة كل إنسان، تأتي لحظةٌ يتنحى فيها الجهل جانبًا بهدوء، ليحلّ محله العلم. هذه اللحظة نادرًا ما تكون صاخبة، ولا تأتي مصحوبةً بالتصفيق أو الاحتفال. بل تأتي بهدوء، من خلال كتابٍ يُفتح في الوقت المناسب، أو سؤالٍ يُفهم أخيرًا، أو حقيقةٍ تُكتشف بعد حيرةٍ طويلة. ومع ذلك، عندما يدخل العلم حياة الإنسان، فإنه لا يغادرها أبدًا دون تغيير. إنه ليس مجرد مجموعة من الحقائق المحفوظة للامتحانات، أو شهاداتٍ تُعلّق على الجدران. المعرفة الحقيقية تُعيد تشكيل نظرة الإنسان إلى العالم، وإلى الآخرين، والأهم من ذلك، إلى نفسه. إنها تُوقظ العقل، وتُقوّي الروح، وتُرشد النفس التائهة. بهذا المعنى، لا يقتصر دور المعرفة على التثقيف فحسب، بل إنها تُغيّر تفكير الإنسان.
منذ أقدم الحضارات وحتى العصر الرقمي، لطالما اعتمد التقدم البشري على المعرفة. كانت النار في يومٍ من الأيام معرفة. والكتابة معرفة. وُلدت العلوم والأخلاق والفلسفة والإيمان من رغبة الإنسان الدائمة في الفهم. ولكن، بعيدًا عن الحضارات والتاريخ، يُحدث العلم أعظم معجزاته في حياة الأفراد، فالطفل الذي وُلد في الفقر، تُصبح المعرفة جسراً له للخروج من القيود، وعندما تندر الفرص وتبدو الظروف ثابتة لا تتغير، يُقدّم التعلّم تمرداً هادئاً على القدر. الطفل الذي يتعلم القراءة يُصبح مُطّلعاً على آلاف الأرواح والأفكار والإمكانيات. من خلال المعرفة، تُصبح الجدران أبواباً، وتكتسب الأحلام وجهة. يُعطي التعليم الناس صوتاً في عالم غالباً ما يتجاهل الصمت. من يفهم يستطيع أن يتساءل؛ ومن يتعلم يستطيع مقاومة التلاعب. تُعلّم المعرفة الأفراد ليس فقط ما يُفكّرون فيه، بل كيف يُفكّرون. إنها تُبدّل القبول الأعمى بالوعي، والخوف بالثقة، والتبعية بالاستقلالية. مع ذلك، نادراً ما تكون رحلة المعرفة سهلة. إنها تتطلب الصبر والانضباط والتضحية. هناك ليالٍ تُكافح فيها العيون المُرهقة للبقاء مفتوحة فوق الكتب الدراسية، ولحظات يُوسوس فيها الشك بأن الجهد لا طائل منه. ومع ذلك، ففي هذه اللحظات تحديداً يتم اكتساب المعرفة – ليس كامتياز، بل كنصر.
يخشى كثير من الناس المعرفة لأنها تحمل مسؤولية. بمجرد أن يعرف المرء الحقيقة، لا يُمكنه التظاهر بالجهل. تُزيل المعرفة الأوهام المُريحة وتُبدّلها بحقائق مُزعجة. إنها تطرح أسئلة أخلاقية وتطالب بخيارات أخلاقية. فالعقل المتعلم لا يتسامح بسهولة مع الظلم أو الفساد أو القسوة. وفي المجتمعات التي تُبخس فيها قيمة المعرفة، يسود الركود. وعندما يُثبط التعلم، يسود الخوف. أما عندما تُحترم المعرفة، فإن المجتمعات تتقدم. ويثبت التاريخ مرارًا وتكرارًا أن الدول التي تستثمر في التعليم تبني اقتصادات أقوى، وأنظمة أكثر عدلًا، وثقافات أكثر مرونة. وتصبح المعرفة أساس الحرية، ومع ذلك، فإن المعرفة وحدها لا تكفي. يجب أن تُوجه بالحكمة والنزاهة. فبدون الأخلاق، قد تكون المعرفة خطيرة. فالعلم بلا أخلاق يُولد الدمار؛ والذكاء بلا رحمة يؤدي إلى الغرور. لذلك، فإن أقوى المعارف هي تلك التي تتوازن مع الإنسانية.
ومن أجمل جوانب المعرفة قدرتها على تمكين المرأة. فقد حُرمت النساء لقرون من التعليم، ودُفنت طاقاتهن الكامنة تحت وطأة التقاليد والتحيزات. واليوم، تُصبح كل امرأة متعلمة ثورة هادئة. فمن خلال المعرفة، تُسمِع النساء أصواتهن، ويحمين حقوقهن، ويُشكلن الأجيال القادمة. فالمرأة المتعلمة لا تُربي أطفالًا فحسب، بل تُربي مفكرين.
كما تلعب المعرفة دورًا حاسمًا في بناء القيادة. القادة الحقيقيون ليسوا من يأمرون دون تفكير، بل من يفهمون بعمق، فالمعرفة تُعلّم القادة الإصغاء والتحليل والتصرف بمسؤولية. والسلطة المبنية على المعرفة تخدم المجتمع، أما السلطة بدونها فتُدمّر الثقة. وفي الحياة الشخصية، تُضفي المعرفة وضوحًا، وتُساعد الأفراد على فهم مشاعرهم وعلاقاتهم وأهدافهم. وعلم النفس يُنمّي الوعي الذاتي، والأدب يُعزز التعاطف، والتاريخ يُقدّم منظورًا أوسع.
من خلال التعلّم، يُدرك الناس أنهم ليسوا وحدهم في معاناتهم، فقد سلك آخرون دروبًا مشابهة ونجوا. ولعلّ أعمق تحوّل تُقدّمه المعرفة هو الأمل. ففي لحظات الشك، يُصبح التعلّم بمثابة مرساة. وعندما يبدو المستقبل غامضًا، تُنير المعرفة الطريق نحو الأمام. تُذكّرنا بأن التغيير ممكن، وأن النموّ مُمكن، وأن لا شيء يدوم. غالبًا ما يُصوّر الإيمان والمعرفة على أنهما نقيضان، لكنهما يُمكن أن يُكمّلا بعضهما البعض بشكلٍ رائع. تُعمّق المعرفة الإيمان من خلال تشجيع التأمّل، بينما يُضفي الإيمان معنىً على المعرفة من خلال ترسيخها في القيم. معًا، يُحققان التوازن: عقلٌ يُفكّر وقلبٌ يُؤمن. في عالمنا اليوم، المعلومات وفيرة، لكن المعرفة الحقيقية لا تزال نادرة. تُغرق وسائل التواصل الاجتماعي العقول بالضجيج والآراء وأنصاف الحقائق. في مثل هذه البيئة، تُصبح القدرة على التفكير النقدي أكثر قيمة من أي وقت مضى. لا تعني المعرفة اليوم معرفة كل شيء، بل التمييز بين الحقيقة والوهم. في نهاية المطاف، تُغيّر المعرفة الحياة لأنها تُغيّر الخيارات، فهي تُؤثّر في القرارات، وتُشكّل الطموحات، وتُحدّد المسارات. فكرة واحدة يُمكنها أن تُغيّر مسار المستقبل. درسٌ واحدٌ كفيلٌ بأن يُلهم حياةً مليئةً بالمعنى. المعرفة تزرع بذورًا قد لا تظهر ثمارها إلا بعد سنوات، لكن أثرها يدوم إلى الأبد. التعلّم هو النمو، والنمو هو التغيير، والتغيير هو الحياة بكلّيتها. في عالمٍ مليءٍ بالغموض والظلم والتغيير السريع، وتبقى المعرفة البوصلة الأكثر موثوقيةً للبشرية. إنها لا تعد بالراحة، لكنها تُرشدنا. لا تُزيل الكفاح، لكنها تُضفي معنىً على الجهد. وفوق كلّ ذلك، تُذكّرنا بأنه مهما كانت نقطة البداية، فإنّ حياتنا لا تنتهي كتابتها أبدًا.
ديلدورا زوجيوزوفا طالبة في السنة الثالثة في كلية الجغرافيا بجامعة أورغينش في أوزبكستان. وهي باحثة شابة نشطة ولديها اهتمام كبير بالدراسات الاجتماعية والتعليم والتنمية المستدامة. نشرت ديلدورا العديد من المقالات على المنصات الدولية، وتشارك بنشاط في المؤتمرات الأكاديمية والمسابقات الفكرية والمبادرات الجامعية. كما أنها مؤسسة المشروع الاجتماعي “خريطة الصدق” الذي يهدف إلى تعزيز النزاهة والشفافية في المجتمع. تعكس إنجازاتها الأكاديمية، وصفاتها القيادية، وتفانيها في التعلم تطلعها إلى المساهمة المؤثرة في التنمية الوطنية والعالمية.
