اللوحة: الفنان الإنكليزي جـوزيف تيــرنــر
أدركت أن العمر جملة من قفزات حياتية، كل منها بضع سنوات، مراحل كثيرة مررت بها، كغيري من الناس، على أنني أختلف قليلًا عنهم، لالالا بل كثيرًا، فقد مرّ بعضهم بحياتي كما يمر السحاب على ندرته في صبيحة يوم صيفي، بعضهم تلكأ قليلًا لكنه استمر في طريقه حتى غاب عن ناظريّ، قد عزوت ذلك لظروف الحياة وقسوتها، أيقنت أن الطموح أمر جيد ينبغي أن يحرص عليه المرء حرصه على وجوده على وجه البسيطة.
إلاّ أنني كنت شأن بعض من الناس، أرجئ كل خطوة أنتوي الإقدام عليها، بحجة أن التأني ضرورة والتريث فضيلة، ربما سعيًا وراء ما سيأتي من الغيب ويغيّر حياتي كلها. لعلي اكتفيت من الدنيا وقتها باسمي “البرنس” ذلك الذي التصق بيّ كصفة لا علاقة لها بواقعي.
كلمة وحيدة كانت ترد على لساني كلما هممت بأمر أو أقنعتني زوجتي بقرار صائب: “بعدين” والحق أن سنوات كثيرة مضت وجرت في مياه النهر تيارات وشلالات كثيرة، بينما أنا ملتزم بهذه الكلمة “بعدين”.
وقد تعاقبت الفصول ومن بعدها السنوات، حتى شاخ كل ما حولي من بنايات وسيارات بل وأعمدة الإنارة انطفأت بعد ـأن أصابها التقادم والبلى.
الكل كان يترقّب وصول هذا ال “بعدين” ذاك الذي لم يصل أبدًا حتى صرت مسخًا يتندر به الأصحاب وسُمّار المقهى ونعتني “نبيل” نادل المقهي المثقف الوحيد حسب زعمه بيننا، إذ كان يفاخر بعمله بمؤسسة الكهرباء وبقدرته على التلاعب بلوح مفاتيح “كمبيوتر” عتيد يستوطن نصف مكتبه الصفيح الصدئ، رأني هذا الرجل أنّي نسخة حديثة من “جودو”، ولمّا رأي نظره استغراب في عيني ودهشة في عيون الزبائن، شرع يشرح لنا ما غمُض، فسّر باقتضاب دلال أسم “جودو” والمسرحية ومؤلفها، ثم لوى عنقه بمنتصف حديثه وألقى في وجوهنا عبارة سمجة مثله: غبيّ من يتعايش مع أمثالكم، وانصرف ولم ينس أن يطالب “ببقشيش” يراه كل ليلة حقًا وواجبًا في ذمّتنا.
***
وما بين مشاغبة الزملاء في العمل، ومجادلة الأصحاب وأصدقاء المقهي، ومناوشات “نبيل” وإصراره على الغش في الحساب آخر الليل، كان “البرنس” يرجئ كل قرار، يراهن على الزمن وصبره الذي سينفد ذات يوم وسينصاع له، أصبح بمرور الزمن، سيدًا للإرجاء، وأميرًا للتريث، لذلك لمّا رأي صبيحة يوم قريب أن الشيب غزا مفرقه وتغضنت جميع قسمات وجهه وبعض من رقبته، قرر”البرنس” وتلك غريبة من الغرائب أن يدوّن بعض طموحاته البائدة تلك التي لم يحققها أو لم ترد بخاطره، على الورق، كتب سطورًا قليلة، بدأها بعبارة استهلالية قال فيها: لعل من سيقرأ هذه اليوميات سيعرف من أنا.
عندها سمع “صاحبنا” قرعًا شديدًا على الباب، إذ كان يعيش وحيدًا بعد أن هجره الأهل موتًا أو يأسًا، فنادى: من بالباب؟!
فسمع صوتًا لا يأتي ضيًفًا إلاّ مرة واحدة:.. افتح
قال كعهده بكل جديد يقابله “بع…” لكنها كلمة لم تكتمل بعد ذلك..