الطاهر مكي.. العاشق المتبتل

الطاهر مكي.. العاشق المتبتل

حنان عبد القادر

اللوحة بعنوان «خروج أسرة أبو عبديل آخر ملوك الأندلس من الحمراء» للفنان الإسباني مانويل غوميز مورينو غونزاليس


في هذه المقالات تتناول الشاعرة والكاتبة حنان عبد القادر شخصية الدكتور الطاهر مكي «عميد الأدب الأندلسي»، وتتبع أهم المحطات التي شكلت توجهاته العلمية، وتبرز الطاهر الإنسان القادم من قرية في صعيد مصر إلى رحاب العالمية، وتكشف عن آرائه السباقة في الآداب والثقافة والحضارة، ومواقفه السياسية واهتمامه بحرية المرأة وتعليمها. لتشكل هذه المقالات بمجموعها بحثاً واسعاً حول شخصية هامة من الشخصيات التي أثرت الثقافة العربية خلال القرن العشرين.

وفي هذه المقالة تتوقف الكاتبة عند الجانب العاطفي في حياة الطاهر مكي وقصة حبه لفتاة إسبانية مسيحية، ومن ثم عودته إلى مصر وجهوده في تطوير المناهج الجامعية في الجزائر.


عاش الطاهر مكي أكثر من تسعين عاماً مع العطاء الثقافي الإنساني، إلا أنه لم يتزوج، رغم أنه عاش قصة حب رومانسية أثناء رحلة الدراسة في أسبانيا والتي يكشف عن بعض أسرارها في حياته، يقول: 

“عشت قصة حب مع فتاة إسبانية مسيحية، والدها كان مستنيراً، وافق على زواجنا لإيمانه أن الحب لا يعرف الحدود، بينما رفضت الأم وقالت نحن أسرة متدينة، لا أنكر أنني قد تشاءمت، وعدت للقاهرة، وفي أعياد رأس السنة اتصلت بها لتهنئتها بالعام الجديد فأخبرتني والدتها بأنها دخلت الدير وأصبحت الراهبة السادسة في العائلة، ومن ثم انقطعت الصلة بيننا. 

حاول الطاهر مكي بعد فترة أن ينخرط في الحياة ، ويفتح أبواب قلبه عسى أن تدخله امرأة تستحق، لكنه عاش قصة أخرى لم تكتمل، فقد تعرف إلى فتاة فلسطينية من غزة وتقدم لوالدها الذي وافق في البداية، وعند إتمام مراسم الزواج، طلبت منه الفتاة الذهاب لغزة لترى والدتها، لكنها سافرت ولم تعد، فقد تزوجت ابن عم لها هناك، ولم يرها ثانية.

في محراب الحب الأول

وعلى ما يبدو من وقائع الأحداث في حياة الطاهر مكي، أنه ظل متبتلا في محراب حبه الأول، فبالرغم من انقطاع الصلة بينه وبين حبيبته الإسبانية إلا أن تعلقه بها لم ينته، فظل حبها ينتهبه انتهابا، ووفاؤه لها يحرمه النجاح في أي علاقة أخرى.

يصرح بذلك في لقاء له قائلا: 

“اتجهت فتاتي إلى الدير لتصبح راهبة ولم أتزوج أنا منذ هذا الحين، وقد حاولت الارتباط وفشلت وبعد ذلك تركت السفينة تسير، ولكنها لم ترسو بعد، أما أنا وكنوع من الوفاء لهذا الحب فلم أستطع بعد عودتي من إسبانيا أن أقيم علاقة مع امرأة أخرى، وفضلت أن أظل على الوفاء لهذه الراهبة طيلة حياتي”.

ويدل على ذلك ما جاء في إهدائه كتابه «دراسة في مصادر الأدب»  قائلاً: “إلى راهبة… إلى قلب كبير، وعقل ذكي، وسعني ذات يوم؛ حين ضاقت بي الدنيا”، فقد حمل الإهداء ما يجعل القارئ يفطن إلى مدى ما يحمله فؤاده من عشق ووله، وحب حقيقي حالت الظروف بينه وبين الظفر به وهو ما فطن إليه الدكتور محمد عبد المطلب عندما كتب عن الطاهر مكي قائلاً: “أما قمة الإنسانية والوفاء لمسيرته الحياتية والعاطفية؛ فيمكن أن نطل عليها في إهدائه الناعم الذي قدم به كتابه “دراسة في مصادر الأدب، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1968م”. 

#الطاهر_مكي : لست نادما على عدم الزواج، رغم متاعب الوحدة التي أحاول التغلب عليها من خلال ما أعطيه من حنان يقابله العرفان من طلابي وأقربائي

تجربتان في حياة مكي دفعتاه للتبتل ورفض الزواج، تعلقه بفتاة مسيحية إسبانية أدخلتها أمها الدير كراهبة، فظل راهبا في محراب حبها، وفتاة فلسطينية حاول أن ينسى بها الأولى على مبدأ: وداوني بالتي كانت هي الداء، لكنهاعادت لمسقط رأسها وتزوجت من غيره.

عندما أتوقف عند تلك المحطة من حياة الطاهر مكي، لا أستطع دفع سؤال لا يني يراود عقلي ربما أجاب عنه لأصدقاء مخلصين: هل كان للندم في نهاية حياته من سبيل لعزوفه عن الزواج، حتى لم يكن لديه ولد أو حفيد يحمل اسمه، وهو المنتمي لأصول بدوية صعيدية تؤمن بضرورة الزواج وكثرة إنجاب الأولاد لأنهم عزوة وسند وتخليد للذكر؟

لم أجد أثناء بحثي إلا ما جاء في مقال أسامة زايد حيث قال:

لست نادما على عدم الزواج، رغم متاعب الوحدة خاصة في خريف العمر، فالزواج رغم متاعبه إلا انه يقضي على الشعور بالوحدة التي أحاول التغلب عليها من خلال ما أعطيه من حنان يقابله عرفان لطلابي ولأقربائي، وأصبح حالي كما يقول الشاعر العربي القديم:

وما أدري إذا يممتُ أرضا

أريد الخير أيهما يليني

هل الخير الذي أنا أبتغيه

أم الشر الذي هو يبتغيني

أكلُ الدهر حل وارتحال

أما يُبقي عليّ وما يقيني                 

فهو في النهاية، ضعيف أمام القدر، لا يملك التحكم في مصيره ولا يعرف الغيب المخبأ عنه، لذا اكتفى بما حصله في حياته من حب المحيطين به أساتذة وطلابا ومخالطين مخلصين، ووجد متعته الحقة في محراب العلم ينهل منه قدر ما يشاء، ويعطي منه قدر ما استطاع.

عودته للقاهرة وترجماته

عاد مكي إلى القاهرة محاضرا للأدب الجاهلي في دار العلوم، مواصلا رحلة سعيه خلف العلم، وشغفه به، وتبتله في محرابه، فأصدر كتابين يعدهما من أجمل كتبه “امرؤ القيس.. حياته وشعره”، و”دراسة في مصادر الأدب”.

 ثم تخصص في الأدب الأندلسي، وقررساعتها أن يعرف طلابه على ما كتب الأوروبيون عنه، ومن هنا بدأ بترجمة كل ما استطاع عن الأدب الأندلسي من اللغة الإسبانية مباشرة، ومن اللغة الفرنسية مباشرة، ومن اللغة الألمانية المترجمه عن اللغة الإسبانية، فقد كان يجيد خمسا من اللغات بمهارة فائقة، وهي: «الإسبانية، والبرتغالية، والفرنسية، والإيطالية، والإنجليزية» إلى جانب العربية.

لقد كانت الترجمة الأدبية في حياة الطاهر مكي رافدا هاما من روافد ثقافته وتكوينه، ودافعا محفزا لمواصلة خطواته على نفس الطريق، فقد بدأ بقراءة الأدب المترجم مثل: آلام فارثر لجوته من الأدب الألماني، ورافائيل من الأدب الرومانسي الفرنسي، وكلاهما من ترجمة أحمد حسن الزيات، وفاوست من ترجمة محمد عوض محمد، وهما أكثر من تأثر بأسلوبهما في الترجمة، حيث كان يميل للكتب التي تترجم بأسلوب أدبي جميل، ثم سعى حثيثا ليكون له دوره الفاعل في ترجمة نفائس الكتب التي وقعت تحت طائلته من اللغات التي يتقنها.

لُقب الطاهر مكي بعميد الأدب الأندلسي؛ لأنه اتجه لدراسته، وساهم في إخراج كنوزه بالتحقيق والبحث وبالترجمة أيضا، فأصبح بأعماله المتميزة رائد الدراسات النقدية والأندلسية الأدبية، وقد وقف الطاهر مكي فيما ترجم من أعمال على أهم ما ألفه المستشرقون المنصفون حول الأندلس، فنقل للعربية ماكتبوا بدقة وأمانة، محافظا على الفكرة الأصلية لكن في سياق عربي أنيق، يتسم بجزالة الألفاظ، وجمال الاسلوب، وروعة الطرح.

وقد اقتنت مكتبة الكونجرس بعض مترجماته رغم أنها لا تقتني غير الكتب المؤلفة فقط، لما وجدوا في أسلوبه من دقة وموضوعية، وحول ذلك يقول: “أول كتاب ترجمته كان (مع شعراء الأندلس والمتنبي) واستغرقتُ خمس سنوات في ترجمته، وكانت ترجمته رائعة؛ حتى إنَّ مكتبة الكونجرس الأمريكية، كانت عندما تشتري الكتب في مصر؛ تأخذ الكتب المُؤَلَّفة فقط، ولا تأخذ المترجمة، باستثناء عدد محدود؛ لأن ترجماتهم لها طابع خاص، وكان من بين هؤلاء: أنا؛ وكان سبب ذلك؛ رواج الكتاب؛ فقد طُبِعَ أكثر من سبع مرّات”.

رحلة الجزائر وملحمة السيد

جاءت ترجمة الطاهر مكي «ملحمة السيد» عن اللغة القشتالية، دليلا على تمكنه من اللهجات الإسبانية القديمة، ومن اللاتينية والعربية سواء بسواء، وهي أول شعر ملحمي إسباني يصل إلينا بما يحمله من خشونة وبداوة وصعوبة، لكنه ترجمه في لغة جزْلة حملت جمالياته، وألحقه بدراسة وافية لحياة البطل القشتالي المغامر الذي عاش في بيئة عربية، متأثرا بحياة المسلمين الذي كان جيشه يتكون من عدد كبير منهم، ثم استقر في نهاية حياته في بلنسية، كأحد ملوك الطوائف المسلمين. 

ولترجمة تلك الملحمة قصة، أستعرضها هنا باختصار محاولة توضيح مدى حرصه وشغفه واهتمامه بنشر العلم والسعي خلف ذخائره المطموسة:

عندما استقلت الجزائر، أرسلت حكومتها إلى الحكومة المصرية سنة 1968م، تريد منها عدداً من الأساتذة الجامعيين؛ لتعريب التعليم الجامعي في الكليات الإنسانية، فأرسلت مصر المدرسين من مختلف المستويات لمعاونتها في ترسيخ الاستقلال، بعد أن انتزعته من فرنسا بالقوة، وكان المئات من المدرسين المصريين قد قاموا بتعريب التعليم الابتدائي، وكانت الحكومة المصرية هي التي تتولى دفع الرواتب والتكلفة، وتسهم الجزائر في توفير السكن المريح لتلك البعثات التي ضمت نخبة من أساتذة الجامعة، عهد إليهم بتعريب التعليم الجامعي.

كان الطاهر مكي من بين الأساتذة الذين اتجهوا إلى كلية الآداب التي تتبع نظام الشهادات، وهي أربع: اللغويات، الأدب العربي، الإسلاميات، الأدب المقارن. وجاء اهتمام مكي بالآداب المقارنة ،لأن نظام الدراسة في كلية الآداب يقوم على منح الطالب: شهادة اللغة العربية في النحو والصرف والعروض، شهادة الأدب بكل ألوانه، شهادة الدراسات الإسلامية، وكلها تدرس باللغة العربية، والرابعة وهي الأدب المقارن، تدرس في قسم الأدب المقارن وهو مستقل كبقية الأقسام الأخرى، ولكن الدراسة فيه باللغة الفرنسية، ولا يستطيع الطالب أن ينال الشهادة النهائية “الليسانس”، إلا إذا اجتاز امتحان الشهادات الأربع ومنها شهادة في الأدب المقارن، لكن هناك مئات من الطلاب الجزائريين لا يستطيعون أن يجتازوا الامتحان في تلك الشهادة، فأرادوا تعريب المنهج وهو ما نجح فيه مكي بتعريبه “ملحمة السَّيد”.

جهوده في تاريخ الأدب المقارن

يقول مكي: “سألني رئيس القسم، هل من الممكن أن نعرب شهادة الأدب المقارن؟ وعما إذا كان ممكنا أن أتولى هذا الأمر؟ قلت له: هذا يتوقف على توفر المصادر، فصحبني إلى المكتبة، ووجدت فيها شيئاً رائعاً، تراث فرنسي، في جامعة رائعة منظمة تضم كل المصادر والمراجع المتصلة بالأدب المقارن في اللغات الأجنبية، وسألت: ماذا يدرسون في القسم الفرنسي؟ قال: إنهم يدرسون تاريخ العلم، ومناهجه، والجانب التطبيقي، فبدأت بكتابة تاريخه عالميًا، وأضفت إليه ما أهملوه، وهو تاريخه في العلم العربي، ووجدت الدراسة التطبيقية عن مسرحية le cid  التي كتبها راسين الفرنسي، يدرسون تأثير وتأثر راسين في مسرحيته السيد بالملحمة الإسبانية لمونوسودادس دلسي، طفولات السيد أو ” شيبة السيد “، والمقارنة بينهم، فقررت أن يكون الموضوع التطبيقي العربي قريبا من هذا، وهو ملحمة السيد نفسها، وهي الأدب الشعبي الإسباني، على أن أقوم بترجمتها، وأن أردها إلى أصولها العربية، وأن أبرز التأثيرات العربية فيها، لأني وجدتهم عندما يدرسون تاريخ الأدب المقارن يسقطون أية محاولة للعرب في هذا المجال، نحن العرب لم نعرف المصطلح حقيقة، فهو وليد القرن التاسع عشر الميلادي، لكننا عرفناه من غير إطلاق مصطلحات بل بالتطبيق في القرن الثالث الهجري، والتاسع الميلادي، الرابع الهجري، العاشر الميلادي،عرفنا ما مهد للأدب المقارن، وهو الموازنة والمعارضة والنقائض، وتبين لي أن الجاحظ له محاولات في ذلك، لأنه حاول أن يدرس مفهوم البلاغة عند العرب، وعند الفرس، وعند اليونان، وعند الهنود، والأدب المقارن من متطلباته أن تتم المقارنة بين لغتين مختلفتين، مما يدل على أن الجاحظ درس شروط الترجمة، ولا بد أن يعرف طلابنا هذا، فقررت أن أضع كتاباً عن تاريخ الأدب المقارن، وأن أترجم ملحمة السيد الإسبانية إلى اللغة العربية، ولا أقارنها بملحمة رسيل الفرنسية، وإنما نبحث ما فيها من تأثيرات عربية، لأن السيد بطل نصف إسباني، ونصف عربي، عاش في إسبانيا مع ملوكها بعض الوقت، وعاش بقية عمره مع الملوك المسلمين في سرقوسطة، وكان يجيد اللغة العربية، ويجلس للشعراء العرب، وكانت تتلى عليه قصة المهلب ابن أبي صفرة، فيعجب لها ويطرب، ووجدت فيه صفات كثيرة تجمع بينه وبين شخصية المهلب، وهذا ما جعله يعتز به، ووجدت أن هذه الملحمة متأثرة بالسيرة الهلالية عندنا.”

حيث بدت التأثيرات العربية واضحة فيها متمثلة في: اللغة، والنُظُم، والتقاليد والعادات، وطريقة رسم شخصية البطل، وتصوير بطولاته.

 “وكتبت تاريخ الأدب المقارن الذي كلفني خمسة عشر عاماً من عمري، هي أجمل سنوات الإنتاج الأدبي الذي تعبت فيه كثيراً، وهو من خير ما ألفت، ومن هذه اللحظة اتجهت جهودي إلى الأدب المقارن تاريخاً.” 

ويلفت مكي إلى أن للدكتور غنيم هلال قد ألف قبله كتاباً في الأدب المقارن، لكنه كان متأثراً بالمدرسة الفرنسية وحدها، وقد فاتته بعض الجوانب التي تلافاها مكي في كتابه، إضافة إلى خروجه من عباءة المدرسة الفرنسية عارضا لكل المدارس، فأكمل ما استحدث في هذا العلم . 


في المقال القادم تتوقف الكاتبة عند رحلته مع ابن حزم وكتاب طوق الحمامة، الذي وصفه مكي بأنه أروع كتاب درس الحب في العصر الوسيط في الشرق والغرب.


المقالات السابقة:

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s